حرْبٌ ماثلةٌ، حُزْنٌ مستمر! قصة قصيرة
تاريخ النشر: 19th, February 2024 GMT
طه جعفر الخيفة
وحيدٌ و بعيد، هكذا كان قلبه. لا يعرف درجة الحرارة علي وجه التحقق. كل ما صار يعرفه هو أن تلك الزهرات التي كانت ترافق بالعبير مشاويره قد ذَبُلَت. أحترقت دروب الحي بنار الشمس اللاهبة. في السماء حريق ، في الشوارع رملٌ ساخن. لم يكن الفصل صيفاً. كانت أيام الدَرَت. شمس الخير هذه لم يكن عندها ما تنضجه غير جلودهم.
إنتبه فجأة لحقيقة أنه نازحٌ بلا عمل، بلا بيت، بلا سيارة و بلا أسرة. تذكر أن الخوف هو ما جعله يرسل حبيبته و الأولاد إلي أهلها بالقرب من المناقل. أنتظر نهاية الحرب في بيته بالحاج يوسف. كغيره إحتاج أن يغادر مسكنه جراء صوت المدافع، دمدمة الطائرات و هديرها، رفرفة المسيرات الآلية و صوت الدوي الصامّ للآذان. الصراخ، نداء يا ابو المروة، صوت الألم خلف جميع التفاصيل. نداءات الأرواح المهزومة بالجوع، عدم الدواء و الرعب كانت الأعلي صوتاً. و الحرب لم تنتهِ.
عبوات السجائر الورقية صناديق مهروسة و باهتة اللون. كريستالات الماء أو العرقي متسخة و بلا هوية. ضحك و هو يقول لنفسه حتي القمامة لم تستطع المكوث فتبددت. تعطل شبكة الأتصالات، إنقطاع الكهرباء. جعلا تلفونه قطعة لامعة تشبه طوبة لا تنتمي للوطن، طوبة معدنية بغطاء زجاجي.
هذا أول يوم يخرج من بيته في حي كرري بالقضارف. لم يكن بالشارع أحد يعرفه عدا مالك العقار الذي يستأجره. بيوت خالية تقريبا. أحسّت جارته بحركته، عرف ذلك من إقترابها من الباب.
يعرف الجميع حكايته. هو الرجل الذي صرخ ثم بكي بصوت مرعب. ظل بين صراخ و بكاء. تم ركض حول الحي يردد ما معقول ما معقول. رددّها إلي أن جفّ حلْقَهُ ثم ىسقط من الإعياء. حملوه. لم يكن يسمعهم و هم يقولون
استغفر الله يا زول،
البركة فيك،
الموت حق.
عرفوا من الزائر الذي جاءه بالأمس أنه فقد أطفاله و زوجته. ذهبوا به للمستشفي لم يكن هنالك طبيب يصف له شيئاً. حتي ما تمّ وصفه عن طريق الطبيب من أبناء الحي لم يكن موجودا في الصيدليات خالية الأرفف. عندما هدأ من الصُراخ ظل يبكي بصوت مكتوم. مُتكِوِمٌ علي الفراش. حوله جمعٌ. صامتون. الوقت يمُر بهم ببطء. جلس علي حافة السرير. بدأ ينظر إليهم بعينين حمراوتين و زائغتين. ناوله أحد الجالسين كوب ماء. قال أحدهم: ما تديهو موية. ثم غادر. جاء بعد قليل بين يديه صينية عليها كورية مغطاة و ملعقة. جلس إلي جواره ممسكاً بملعقة الشوربة قائلاً أشرب يا باشهمندس. تناول معلقة واحدة. أصرَ عليه الجالسُ إلي جواره ليشرب فشرب. قال قريبه يا نادر استغفر الله. لم يرد. بدأ أحد الجالسين في قراءة "قل أعوذ برب الفلق" كررها ثلاثة مرات ثم قرأ "قل أعوذ برب الناس" ثلاث مرات أيضا ثم قرأ آية الكرسي. ردد الجمع اللهم إنه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أستغفرك و أتوب إليك. خرج من بينهم. كان بوسط الحوش ينظر للفراغ فوق رأسه. السماء منيرة بنجومها المشتتة كالأفكار في رأسه. دخل قائلاً: يا نصر الدين تعال. خرج وراءه إبن عمّه. تبعوهم بخطوات أبطأ. سمعوه يقول أنه يريد أن يسافر للمناقل. قال أحد الحاضرين سيطر الدعم السريع علي ود مدني ، كبري حنتوب مغلق و الجزيرة في حالة فوضي. قال نصر الدين حتي المناقل غير آمنة و لقد ذهب أهلنا إلي ربك. لا يوجد أحد في حلتنا. رجع إلي حيث كان. لم يتركوه ظلّوا إلي جواره.
مرّت عليهم ثلاث أيام بلياليها. لم يتكلم. جاء أحد الجيران و طلب منه حلاقة ذقنه و الإستحمام. ففعل ذلك بصمت. جلبوا له جردل ماء و صابون فاستحم. الماء البارد دفع خواطراً فجالت في نفسه، خيالات مبهمة و أصوات خافتة
وحيدٌ و بعيد، هكذا كان قلبه. لا يعرف درجة الحرارة علي وجه التحقق. كل ما صار يعرفه هو أن تلك الزهرات التي كانت ترافق بالعبير مشاويره قد ذَبُلَت. أحترقت دروب الحي بنار الشمس اللاهبة. في السماء حريق ، في الشوارع رملٌ ساخن. لم يكن الفصل صيفاً. كانت أيام الدَرَت. شمس الخير هذه لم يكن عندها ما تنضجه غير جلودهم. فلم يزرع أحد. المطرات القليلة أنبتت عشباً حانقاَ قد إصفرّ لونه الآن. عشبٌ ينظر للناس بغضب.
خرج من الحمام و صَلّي. نشر الحضور فرشات كانت مطوية و جلسوا عليها. تكلم نادر في اليوم الخامس و قال : عندي ثلاثة بنات و زوجتي كانت مدرسة، لا أعرف كيف أو أين ماتوا. ردّ عليه أحد الحاضرين قائلاً: سيكلمك نصر الدين، لكن الآن دعنا نقرأ الفاتحة و ندعو لهم فهم شهداء. قرأوا الفاتحة ثم انصرفوا.
قال نصر الدين: في طريقهم إلي القضارف، صادفتهم مجموعة من جنود بلباس عسكري. طلبوا ما عندهم، أخدوا السيارة و كل ما يملكون من مال، حُلِي، تلفونات و ملابس و عندما حاول أحدهم الإعتداء علي أحد الفتيات تصدي له الجميع فقتلوهم و تركوا جثامينهم علي الطريق . جاءت بعد ذلك سيارة، تَعرّف أحدُ ركابها عليهم من ملامحهم رغم الفوضي التي تركتها عمليات النهب، السَلْب و القتل علي أجسادهم فاتصل بنا . ذهبنا في سيارة أخري لندفنهم و نصلي عليهم كان بينهم زوجتك و بناتك و بعضٌ من أهلنا كانوا، اربعة عشر شخص مقتولين ، لقد ترك السَلْب و النهب و الرصاص ملامح ماكثة و غير محايدة في المكان.
سمع ذلك عبر جلده و أحسّ به في في صدره كإختناق لأن أذنيه مشغولتان بتفاصيل السرذ السميكة. خرج عبر الباب إلي الشارع فتردد هذا الكلام في ذهنه للمرة الثالثة:
وحيدٌ و بعيد، هكذا كان قلبه. لا يعرف درجة الحرارة علي وجه التحقق. كل ما صار يعرفه هو أن تلك الزهرات التي كانت ترافق بالعبير مشاويره قد ذَبُلَت. أحترقت دروب الحي بنار الشمس اللاهبة. في السماء حريق ، في الشوارع رملٌ ساخن. لم يكن الفصل صيفاً. كانت أيام الدَرَت. شمس الخير هذه لم يكن عندها ما تنضجه غير جلودهم. فلم يزرع أحد. المطرات القليلة أنبتت عشباً حانقاَ قد إصفرّ لونه الآن. عشبٌ ينظر للناس بغضب. و يقول ماذا تنتظر؟
ماذا تنتظر؟ الحرب ماثلة! ماذا تنتظر؟
طه جعفر الخيفة
18 فبراير 2024م
اونتاريو – كندا
taha.e.taha@gmail.com
////////////////////////
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: نصر الدین لم یکن
إقرأ أيضاً:
الحوثي: استهداف القطع البحرية الأميركية مستمر بفعالية عالية
أعلن زعيم جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن عبد الملك الحوثي، اليوم الجمعة، أن عمليات استهداف القطع البحرية الأميركية مستمرة بفعالية عالية، وفق تعبيره.
وقال الحوثي، في كلمة مصورة، إن حاملة الطائرات الأميركية ترومان "في حالة مطاردة باستمرار، وهي تهرب في أقصى شمال البحر الأحمر"، مشيرا إلى أن جماعته في موقف وصفه بالمتقدم على المستوى البحري.
وأضاف عبد الملك الحوثي "سنواصل التصدي للأميركي الذي يشترك مع العدو الإسرائيلي ويسنده ويحميه ويشاركه في عدوانه على فلسطين وضد شعوب أمتنا".
وِأشار إلى إسقاط 17 طائرة مسيّرة أميركية من طراز (إم كيو-9) "وهذا عدد كبير وحالة فريدة لا نسمع بمثلها" دون أن يحدد المدة التي تم خلالها إسقاط تلك المسيّرات.
وكانت شبكة فوكس نيوز نقلت أمس الخميس عن مصادر أن الحوثيين أسقطوا مسيّرة أميركية أخرى من طراز "إم كيو-9″، وهي الثالثة التي يسقطونها في اليمن الشهر الماضي.
وقالت المصادر إن الحوثيين أسقطوا ما لا يقل عن 13 طائرة مسيّرة أميركية منذ بدء الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ونقلت القناة عن دائرة أبحاث الكونغرس أن تكلفة المسيّرة الواحدة من طراز إم كيو-9 تصل إلى 30 مليون دولار.
إعلانوشدد زعيم أنصار الله على أن القوات الصاروخية لجماعته "تؤدي واجبها وكذلك الطيران المسير والدفاع الجوي".
هجمات الأميركيين
وتابع أن "العدو الأميركي يعتمد في تصعيده على اليمن على طائرات الشبح وقاذفات القنابل التي تأتي من قواعد أخرى غير حاملة الطائرات ترومان"، دون مزيد من التفاصيل.
ولفت إلى أن الغارات الأميركية تصل في بعض الأيام إلى أكثر من 90 غارة، مشيرا إلى أن "واشنطن ترتكب الجرائم وهي في حالة عدوان على بلدنا دون أي مستند أبدا".
وذكر أن "العدوان الأميركي بكل همجية وإجرام يصعد ويستهدف الأعيان المدنية، لكنه لم يتمكن من تنفيذ أهدافه فيما يسميه بتصفية القيادات والقضاء على أحرار اليمن".
وأردف أن "المعركة هي ما بيننا وبين العدو الإسرائيلي، ونحن أعلنا موقفنا الكامل ومنه الدعم العسكري لإسناد الشعب الفلسطيني".
وأشار إلى أن "العمليات ضد العدو الإسرائيلي مستمرة وهو متوقف تماما عن الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب".
وأكد أن "العدوان الأميركي لم يتمكن من إيقاف العمليات العسكرية المساندة للشعب الفلسطيني ولا هو تمكن من توفير الحماية للملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب".
ومنذ 15 مارس/آذار الماضي وحتى مساء الأربعاء، تم رصد مئات الغارات الأميركية على اليمن، ما أدى إلى مقتل 66 مدنيا وإصابة 142 آخرين على الأقل، بينهم أطفال ونساء، حسب بيانات لجماعة الحوثي ولا تشمل البيانات القتلى العسكريين.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن منتصف مارس/آذار الماضي أنه أمر قواته بشن "هجوم كبير" ضد جماعة الحوثي في اليمن، قبل أن يهدد بـ"القضاء على الحوثيين تماما".
ورد الحوثيون بأن تهديد ترامب لن يثنيهم عن "مواصلة مناصرة غزة" حيث استأنفوا منذ أيام قصف مواقع داخل إسرائيل وسفن بالبحر الأحمر متوجهة إليها، بالتزامن مع استئناف الجيش الإسرائيلي منذ 18 مارس/آذار الماضي حرب الإبادة على غزة.
إعلانوفي السياق، قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية اليوم الجمعة نقلا عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" إنّ النجاح في تدمير ترسانة أنصار الله الحوثيين الضخمة من الصواريخ والطائرات دون طيار والقاذفات لم يكن كبيرا.
وحسب 3 مسؤولين في الكونغرس ومن الحلفاء تحدثوا للصحيفة فإن أنصار الله عززوا العديد من مخابئهم والمواقع المستهدفة الأخرى، مما أحبط قدرة الأميركيين على تعطيل الهجمات الصاروخية.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أنّ وزارة الدفاع الأميركية استخدمت خلال 3 أسابيع فقط من الغارات على الحوثيين ذخيرة بقيمة 200 مليون دولار، بالإضافة إلى التكاليف التشغيلية والبشرية لنشر حاملتي طائرات وقاذفات إضافية وطائرات مقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي "باتريوت" و"ثاد".
وأبلغ مسؤولون نيويورك تايمز أنّ الضربات الأميركية على مواقع الحوثيين في اليمن قد تستمر 6 أشهر على الأرجح.
وبدعم أميركي، ترتكب إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 جرائم إبادة جماعية بغزة خلّفت أكثر من 165 ألف شهيد وجريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود.