أفغانستان في ظل حكم طالبان.. المكتسبات والتحديات والفرص
تاريخ النشر: 18th, February 2024 GMT
بعد حرب استمرّت عشرين عامًا بين حركة طالبان الأفغانية وقوات الحلف الأطلسي (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة الأميركيّة وقبل مغادرة آخر وحدات الجيش الأميركي مطار كابل، سيطرت حركة طالبان على الأراضي الأفغانية وتوّجت انتصارها بالاستيلاء على العاصمة كابل في 15 من شهر أغسطس/ آب 2021م.
وبعد شهر تقريبًا من سيطرتها على كامل التراب الأفغاني، شكلت حركة طالبان إدارة سمتها حكومة تصريف الأعمال لإدارة شؤون البلاد، وبذلك بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الحركة، حيث تحولت من جماعة مسلحة تقاوم الاحتلال الأجنبي، إلى إدارة تسلّمت زمام الحكم وتدير أفغانستان.
وبعد مرور سنتين وسبعة أشهر من عمر حكومة إمارة أفغانستان الإسلامية، وبالرغم من عدم الاعتراف الرسمي بهذه الحكومة من قبل أي دولة في العالم، فإن تعامل دول العالم معها مستمرٌ على مختلف المستويات، وهناك جهود تبذل من قبل منظمة الأمم المتحدة لتوحيد موقف المجتمع الدولي من أفغانستان وتنسيق المساعدات الإنسانية الدولية للشعب الأفغاني.
ولعل الاجتماع الذي سيعقد بتاريخ 18 و19 من شهر فبراير/ شباط الجاري في العاصمة القطرية الدوحة برعاية الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، نموذج ومثال لتلك الجهود.
الصورة ليست سوداء أو بيضاءالأوضاع في أفغانستان ليست قاتمة سوداء كما تصورها شريحة كبيرة من وسائل الإعلام العالمي، خاصة الإعلام الغربي، وليست بيضاء خالية من المشكلات والتحديات، كما يتصور البعض، فبعد مرور سنتين وسبعة أشهر تقريبًا على تسلم حركة طالبان مقاليد الحكم في أفغانستان، ثمة إنجازات ومكتسبات مهمة للحكومة التي تقودها حركة طالبان، كما أن هناك مشاكل وتحديات كبيرة يواجهها حكم طالبان .
الإنجازات والمكتسباتويمكن إيجاز أبرز إنجازات ومكتسبات حكومة حركة طالبان خلال السنتين والسبعة أشهر الماضية في السطور التالية:
تحرير أفغانستان من الاحتلال الأميركي وتخليصها من تبعات الوجود الأجنبي المسلح وتدخله في شؤون البلاد. توقف الحرب والاقتتال الداخلي بين الأطراف الأفغانية. توفير الأمن بشكل جيد في كافة أرجاء البلاد بعد عقود من الفوضى. وجود إدارة وحكومة مركزية تسيطر على كامل الأراضي الأفغانية. تشكيل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية. إعلان العفو العام عن مسؤولي النظام السابق من قبل حكومة تصريف الأعمال لمنع استمرار مسلسل الانتقام والأحقاد. الاستقرار النسبي لحركة التجارة وتوفر السلع في الأسواق. تحسن ملموس لقيمة العملة الأفغانية، وارتفاع سعرها أمام الدولار وبقية العملات الأجنبية. تقليل الفساد الإداري في الأجهزة الحكومية. تقليل ملموس وكبير في زراعة المخدِّرات وترويجها وتصديرها. بدْء العمل على استخراج المعادن والذخائر الطبيعية بما فيها النفط والغاز الطبيعي. تحصيل الضرائب لدعم إيرادات الحكومة. اعتماد ميزانية الحكومة على الإيرادات الداخلية، وترشيد الإنفاق الحكومي. تنفيذ عدد من مشروعات البنى التحتية، كبناء الطرق وتصليحها واستغلال الثروة المائية. استمرار عمل الموانئ والمطارات وباتت مفتوحة أمام حركة النقل. وجود علاقات جيدة مع دول الجوار والمنطقة ومنع استخدام الأراضي الأفغانية للإضرار بمصالح الدول الأخرى. استمرار عمل المؤسسات الدولية في القطاع الصحي والإغاثي. فرصة للاستقرار والتنميةإن مجموع ما ذكر من مكتسبات وإنجازات لحكومة تصريف الأعمال، بالإضافة إلى أمور أخرى توفر فرصة كبيرة وتاريخية لأفغانستان للخروج التدريجي من تراكمات الماضي المليء بالحروب والانقسامات والنزاعات التي أنهكت الشعب، ودمرت الوطن، شريطة أن تحسن حركة طالبان والأطراف الأفغانية الأخرى التصرف، وذلك باستغلال الفرص المتاحة حاليًا للتوافق على المشتركات الوطنية – وهي من حسن الحظ كثيرة – للنهوض بأفغانستان نحو السلام والاستقرار الدائمين.
أفغانستان تملك حاليًا فرصة كبيرة لطي صفحة الماضي بكل سلبياتها وفتح باب جديد للتغلب على التحديات والسعي للاستقرار والتنمية من أجل غد أفضل للشعب الأفغاني، الذي ذاق ويلات الحرب والنزاعات منذ خمسة عقود تقريبًا.
من المقاومة إلى قيام الدولةحركة طالبان بحكم موقعها على رأس السلطة اليوم تتحمل مسؤولية أكبر تجاه الوطن والمواطن، فهناك فرق كبير بين كون حركة طالبان جماعة مقاتلة في السابق تقاوم الاحتلال، وبين كونها تمسك زمام الحكم وتدير البلاد حاليًا، فلكل مرحلة طبيعتها ومتطلباتها، فالجماعة المقاتلة لها هدف محدد ويتركز نشاطها ونضالها على القتال لتحرير الوطن.
أما الحكومة فتديرالبلاد ومسؤولة عن شؤون الدولة كلها، وينتظر المواطنون منها الحكم الراشد، وتوفير ظروف حياة كريمة، وعلى مستوى العلاقات الخارجية ينتظر المجتمع الدولي منها أن تكون دولة مسؤولة، تنسجم مع النظام الدولي، وتفي بمسؤولياتها، وتلتزم بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية ما لم تنتهك السيادة الوطنية والاستقلال.
ومن البَدَهي في هذه المرحلة أن تجد حركة طالبان – قيادة وقاعدة – نفسها أمام مسؤوليات كبيرة وتحديات تتطلب منها قدرًا كبيرًا من الوعي، والحنكة والحزم في التعامل مع الواقع الجديد وإفرازاته.
وكان نائب رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال الملا عبد الغني برادر يشير إلى هذه الحقيقة عندما قال في كلمته عقب دخول قوات حركة طالبان مدينة كابل: " من اليوم بدأ الاختبار الحقيقي لحركة الطالبان".
ولا شك أن النهوض بأفغانستان والخروج من تراكمات النزاع والصراع في الماضي يتطلب المساهمة والمشاركة والتعاون من جميع مكونات الشعب الأفغاني رجالًا ونساء على أرضية المشتركات الوطنية التي تجمع الشعب الأفغاني بكافة مكوناته وتوجهاته وخلفياته.
وعلى حركة طالبان وحكومتها أن توفر الظروف والإمكانات لجمْع الشعب الأفغاني على تلك المشتركات، وعلى بقية الفصائل والشخصيات الأفغانية أن تتعاون مع الحكومة لسوق البلاد نحو الاستقرار.
أولويات المرحلةنظرًا للتحديات التي تواجهها أفغانستان، يمكن تحديد الأولويات التي يجب أن تحظى باهتمام الحكومة والأطراف الأفغانية الأخرى في الوضع الراهن، في النقاط التالية:
المصالحة والتفاهم الوطني لبناء الدولة الحديثة والقضاء على احتمال نشوب الحرب والنزاع من جديد وقيادة البلاد نحو الاستقرار السياسي، ولا شك أن الاستقرار السياسي أساس لبناء الدولة القوية وإعادة إعمار أفغانستان والتنمية الاقتصادية، ولا يمكن تحقيق التنمية والتقدم في سائر مجالات الحياة بمعزل عن الأمن والاستقرار الدائمين.وثمة حقيقة مهمة أثبتها التاريخ الحديث لأفغانستان، وهي أن سيطرة جماعة أو حزب ما بقوة السلاح على أفغانستان، لا تعني بالضرورة القضاء على احتمالات نشوب الحرب وعودة الاضطرابات.
فبلد مثل أفغانستان الذي يعيش الحروب والاضطرابات منذ خمس وأربعين سنة أو أكثر، يحتاج لسنين ليصل إلى السلام والاستقرار الحقيقي، ويستعيد العافية، ويتم القضاء فيه على أسباب نشوب الحروب الداخلية والاضطرابات، وتعد المصالحة الوطنية الصادقة والشاملة، هي الضمان الحقيقي لسير البلد نحو الاستقرار.
وهناك شبه إجماع بين المراقبين على أن الشعب الأفغاني ينتظر من قيادات أفغانستان الجديدة أن تدرك روح العصر، وتتفهم احتياج أفغانستان لدولة عصرية تتمتع برضا الشعب الأفغاني وتأييده في الداخل، وتحظى بقبول المجتمع الدولي في الخارج، وتستطيع رعاية التوازن بين الحفاظ على قيم الشعب الأفغاني الدينية والثقافية والوطنية، وبين الالتزام بقيم التعايش العالمي بتعقيداته وظروفه.
وضع دستور للبلاد يعكس واقع أفغانستان، ويلبي تطلعات الشعب؛ لأن الدستور يشكل الإطار الأمثل لبناء الدولة وقيام نظام سياسي حديث ودائم للبلاد يقود أفغانستان نحو دولة القانون والاستقرار السياسي، ويغلق باب الفوضى وعدم الاستقرار في بلد أنهكته الحروب الأهلية والغزو الأجنبي.وغني عن القول إنه لا يمكن تحقيق الاستقرار والتنمية والحكم الراشد في غياب المرجعية الدستورية وحكم القانون.
التخطيط لتحسين الوضع الاقتصادي والسعي لجلب الاستثمار والمساعدات الدولية؛ لإعادة الإعمار وتلبية الحاجات الأساسية للبلد.النهوضُ باقتصاد أفغانستان في صورة الاهتمام الجاد بالبنية التحتية، وتوفير فرص العمل للشباب، وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين من تعليم، وعلاج، وكهرباء، ومواصلات، ومكافحة الفقر، من أكبر التحديات للحكم القائم في أفغانستان.
ولا شك أن ضعف أداء الحكومة أو فشلها في إصلاح الوضع الاقتصادي المتردي سيكون له انعكاسات كارثية على أفغانستان، ويفتح الأبواب لتردي الأوضاع على مختلف أصعدة الحياة السياسية والاجتماعية والتعليمية والأمنية وغيرها.
التعامل المناسب والحذر مع الواقع الجديد الذي تشكّل في أفغانستان خلال السنوات الثلاث والعشرين الماضية، حيث المجتمع الأفغاني اليوم يختلف عما كانت عليه الحال خلال فترة حكمِ طالبان الأوّل في التسعينيات من القرن المنصرم.بناءً على بعض الإحصائيات يكون الشباب نحو ستين بالمئة من مجموع سكان أفغانستان البالغ عددهم (35) مليون نسمة – وفق بعض التقديرات، وفي غياب إحصائية دقيقة – وقد نشأ هذا الجيل في عصر الإنترنت والهواتف الذكية والكمبيوتر والتلفاز والفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي، والتطور الذي حصل في مجالات التعليم والتعليم العالي. والإعلام في أفغانستان أسهم في نشأة جيل لا يقبل ما يفرض عليه بالقوة والعنف.
رفع القيود المفروضة على المرأة الأفغانية في مجالات التعليم والعمل، فقد أغلقت أبواب المدارس المتوسطة والثانوية أمام الفتيات، كما أن المرأة الأفغانية ممنوعة من الذهاب إلى الجامعات منذ شهر ديسمبر/كانون الأول 2022م، إضافةً إلى منع النساء من العمل في المؤسسات الحكومية – باستثناء قطاعات التعليم الابتدائي والصحة والأمن – الأمر الذي يعتبره كثير من المراقبين محاولة من حكومة تصريف الأعمال للتغييب التدريجي والممنهج للمرأة الأفغانية عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والسياسية، وتعطيل طاقات نصف المجتمع.سياسة حكومة تصريف الأعمال وتعاملها مع قضية المرأة، بحاجة إلى إعادة النظر؛ لأن استمرار منع تعليم الفتيات بعد المرحلة الابتدائية ومنع النساء من العمل قد تحول فعلًا إلى معضلة في الداخل، كما صار عائقًا أمام تطبيع علاقات المجتمع الدولي مع أفغانستان، واندماجها في الأسرة الدولية.
اتخاذ الخطوات والإجراءات الجادة والعملية لإعادة ثقة الشباب والكوادر الوطنية بالمستقبل، وتشجيعهم على البقاء في الوطن، وعدم مغادرة البلاد؛ لأن موجة هجرة الشباب والكوادر المتخصصة من أفغانستان مازالت موجودة بقوة ومثيرة للقلق، ولها انعكاسات سلبية خطيرة على مستقبل أفغانستان. النظر في كيفية التعامل مع ملف العلاقات الخارجية والتعامل البنّاء مع الدول والمنظمات الدولية، بحيث يحافظ ذلك على مصالح أفغانستان ويوطد الثقة ويبني الجسور، ولا يترك مجالًا لدفع أفغانستان إلى العزلة والقطيعة مع العالم .واليوم وبعد مرور سنتين وسبعة أشهر، لم تعترف أية دولة في العالم بالحكومة القائمة في أفغانستان ومازالت مشكلة عدم الاعتراف تعرقل عودة أفغانستان إلى الأسرة الدولية، وأخذ مكانتها الطبيعية في منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات والمؤسسات الدولية.
ولا شكّ أن التعاطي مع ملف الحصول على الاعتراف الدولي، يتطلب من السلطات الأفغانية التعامل الإيجابي مع مطالب المجتمع الدولي التي تتفق مع مطالب الشعب الأفغاني ولا تضرّ بمصالحه.
الحوار والتعاون على المشتركاتإن الحفاظ على المكتسبات والإنجازات ومواجهة التحديات التي تواجه أفغانستان- وفي مقدمة ذلك إعادة ثقة المواطن الأفغاني بالمستقبل- يتطلب درجة عالية من المعرفة، والخبرة، والحكمة، والدراية والحنكة، إضافة إلى رعاية التوازن بين مقتضيات الواقع الداخلي، والوضع الدولي.
إن إخراج البلاد من الأزمة يتطلب الحوار الداخلي الأفغاني، والتعاون والمشاركة البنّاءة من جميع الأطراف ومكونات المجتمع الأفغاني والنخب الأكاديمية والسياسية والاجتماعية؛ بغية التوصل إلى رؤية من شأنها التعرف على الأولويات الوطنية، والتغلب على التحديات، لضمان الاستقرار والسلام الدائمين في أفغانستان، وتطبيع علاقاتها بالمجتمع الدولي والاندماج فيه.
وللوصول إلى هذا الهدف، ثمة حاجة للحوار الداخلي الأفغاني بين مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية ومكونات المجتمع الأفغاني دون إقصاء جهة أو طرف.
وينبغي أن يتمخض الحوار الداخلي الأفغاني عن التوصل إلى رؤية وأرضية مشتركة قابلة للقبول للجميع، تشجع جميع الأطراف الأفغانية الفاعلة والمؤثرة على التفاهم والتقارب، ومن ثم التعاون لأجل عبور البلاد بسلام إلى السلم المجتمعي، والاستقرار الذي هو أساس لعملية التنمية وحل مشكلات البلد والتغلب على التحديات.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معنارابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حکومة تصریف الأعمال المجتمع الدولی الشعب الأفغانی فی أفغانستان حرکة طالبان ولا شک
إقرأ أيضاً:
من "طريق إجباري" إلى تطور الدراما اليمنية: التحديات والفرص في الإنتاج الفني (تقرير)
لا تزال الدراما اليمنية تثير الجدل وتلقى تداولاً واسعاً بين المتابعين اليمنيين، خاصة مع تنافس القنوات اليمنية المنتجة للدراما التي تلتصق بها صفة "الدراما الموسمية".
ومن بين ردود الفعل المختلفة، يتساءل المشاهدون عن مدى تواجد قضايا وطنية ومجتمعية هادفة في الأعمال المقدمة للجمهور، ومساحة هذه القضايا في المسلسلات والبرامج التوعوية التي تعرض.
بالإضافة إلى ذلك، تحظى بعض الأعمال الدرامية بمتابعة واسعة وأصداء إيجابية، مثل مسلسل "طريق إجباري"، الذي يُعد أول عمل درامي تقدمه قناة بلقيس اليمنية، إلى جانب العديد من الأعمال الأخرى التي برزت ولاقت استحسان المشاهدين.
تنحت قضايا المجتمع، مثل وضع المرأة اليمنية، وسلطة الشيخ القبلي على القرار، وزواج القاصرات، وصراعات الثأر، أحداث مسلسلات متعددة، لا تزال تُعرض باستمرار مع حلول شهر رمضان المبارك من كل عام. لكن طريقة تناول هذه القضايا في الدراما اليمنية تختلف من عمل محدد بعينه إلى آخر ومعها تتغير الوجوه الفنية المشاركة في هذه الأعمال.
اقرأ أيضا: مخرج مسلسل "طريق إجباري" عبد العزيز حشاد يكشف في حوار مع "الموقع بوست" تفاصيل الإخراج ويؤكد: كسر التابوهات وفتح آفاق جديدة للدراما اليمنية
ويلاحظ المشاهد اليمني هذا التغيير في كل عام، إذ يمتدح شخصيات فنية معينة ويفضل أعمالاً درامية محددة استناداً إلى ذائقته الخاصة التي يصعب حصرها.
لكن تظل قضية المسلسل وقصته وأحداثه هي التي تثير الجدل، حيث يتابع الجمهور اليمني حلقات المسلسل حتى نهاية الشهر الكريم، وقد يثني على مشاهد وأدوار معينة في حين ينتقد مشاهد أخرى، خاصة تلك التي وصفت بالضعيفة.
ولا يقتصر الحديث عن الدراما اليمنية على الصدى والجدل فقط؛ فهي بكل تفاصيلها ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئتها، واليمن، كأحد البلدان ذات الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.
وتعتبر هذه القضايا جزءاً أساسياً من جوهر الأعمال الدرامية، حيث يسعى القائمون على الإنتاج الفني والدرامي إلى تسليط الضوء عليها من خلال السيناريو والأحداث والإنتاج الذي يتضمن الصوت، وتوزيع الموسيقى، والإضاءة، والتصوير وغيرها من العوامل التي تتكامل حتى الوصول إلى حلقات متواصلة تصل إلى المشاهد المتابع والمراقب من خلف الشاشة الذي يرى بأن هناك اختلالات كثيرة حد وصفه مقدماً آراء كثيرة حول مسلسلات متعددة تثير حديثه وذائقته بمسار يراه القائمون على هذه الأعمال بأنه في موضع عدم المعرفة الكاملة بتفاصيل الإنتاج ومراحل العمل المتعددة.
الدراما في اليمن ينقصها الوسائل الحديثة
وعن تطور الدراما ومراحل الإنتاج الفني في اليمن، قال خالد المرولة، مدير شركة النبيل للإنتاج الفني إن "الدراما اليمنية شهدت في السنوات الأخيرة تسارعًا في التطور، حيث توجد العديد من القنوات اليمنية التي تعمل على إنتاج الأعمال الدرامية".
اقرأ أيضا: أغنية الفنانة أماني يا وحشتاه في مسلسل طريق إجباري على قناة بلقيس تتصدر الترند في اليمن
في حديثه لـ "الموقع بوست" يضيف المرولة "هذه العملية تتسم بالجودة، وكل عام تسعى القنوات اليمنية لتطوير قدراتها وإمكاناتها. ومع ذلك، لا يزال هناك نقص في الجانب التقني، خاصة فيما يتعلق بالمعدات والأدوات".
وتابع "في شركة النبيل للإنتاج الفني، لدينا تجارب متعددة في الإنتاج، وقد عملنا على تطوير ذلك الإنتاج في اليمن على مدار السنوات الخمس الماضية من خلال اشتغال بعض أعمالنا في جمهورية مصر العربية. وكان هناك فارق ملحوظ في الإنتاج الفني مقارنة ببقية الشركات من حيث الجودة والتقنية".
اقرأ أيضا: الكاتبة يسرى عباس في أول تصريح لها حول طريق إجباري: المسلسل يضم لأول مرة 17 وجها نسائيا ويظهر المرأة في مواجهة الرجل
وأشار إلى أن الدراما اليمنية تفتقر للطواقم الفنية المتخصصة، وهو جانب حيوي يتطلب التركيز على العنصر البشري والتقنيات الحديثة في الوقت نفسه.
وبشأن مراحل الإنتاج الفني للدراما وعلاقتها بالألحان والموسيقى التصويرية يقول المرولة "هذه الجزئية ليست بالأمر الصعب، لكنها تحتاج إلى دراسة دقيقة، من الضروري قراءة السيناريو بشكل جيد واختيار موزع موسيقى محترف يتمتع بمهارات عالية. في بعض المشاهد، نقترح إضافة أغاني هادفة تتناسب مع أجواء المشهد ، بحيث تكون الكلمات والألحان ملائمة تمامًا له".
واستدرك "الموسيقى التصويرية جزء أساسي من العمل الدرامي، وإذا لم تكن متوافقة مع السياق، فقد يفقد العمل تأثيره". وقال "في اليمن، لدينا قدرات متميزة في توزيع الموسيقى، لكنها بحاجة إلى التوجيه الصحيح".
وأعرب المرولة عن شكره للزميل إبراهيم بن طالب والموسيقار محمد برشان على تعاونهم معنا في عدة أعمال سابقة، وكذلك هذا العام، بالإضافة إلى الشعراء مثل أحمد أشرف المطري، الذين قدموا أعمالًا رائعة. العملية بأكملها تتطلب تناغمًا دقيقًا بين جميع العناصر، ثم يأتي دور المنتج الذي يقوم بتركيب المقاطع وتنسيقها وتوظيفها في سياق الحلقات والمشاهد الدرامية.
أدوات تصوير جاءت من مصر لتنفيذ "طريق إجباري"
وعلى الرغم من تشابه الملامح المجتمعية في البيئة المحلية بشكل عام، والتي تظهر بوضوح في الفن الدرامي الذي يصفه الكثيرون بأنه مجرد نقل وتكرار للواقع المعاش، فإن الفريق اليمني القائم على إنتاج الفنون المقدمة عبر مختلف الشاشات يشير إلى أن خطوات ومراحل الإنتاج التي يتم من خلالها تقديم الأعمال الدرامية اليمنية لا تختلف عن الأساليب المتبعة في إنتاج فنون الدراما في البلدان العربية والعالمية، سوى في نقص الإمكانيات والأدوات المتوفرة محلياً، بالإضافة إلى محدودية الخبرة اليمنية في مجالات التقنية والإنتاج.
اقرأ أيضا: انطباعات الجمهور بعد بث أول حلقتين من مسلسل طريق إجباري.. عمل فني رهيب يكسر المألوف
ويقول المرولة في حديثه عن بعض تفاصيل فريق العمل، موضحًا إسهام الكادر المصري الذي تم استدعاؤه من مصر للعمل على المسلسل "في هذا العام، كنت المنتج المنفذ لمسلسل "طريق إجباري". القصة وطريقة السيناريو جذبتني بشكل كبير، وقمنا بإجراء العديد من المعالجات الفنية.
وزاد "من بين أروع القصص التي قمت بإنتاجها هي قصة "طريق إجباري". من الناحية الفنية، ونظرًا لعدم توفر الإمكانيات والأدوات المناسبة في اليمن، قمنا في شركة النبيل بإحضار معدات تصوير متطورة من جمهورية مصر العربية، كما استقدامنا طاقم مصري متخصص في التصوير. تعاقدنا أيضًا مع المخرج الكبير عبد العزيز حشاد، الذي قدم إلينا من القاهرة وكان له دور كبير في نجاح المسلسل".
واسترسل "الصورة كانت مكتملة من حيث الألوان والإخراج الفني، لكن أحد التحديات التي واجهتنا كانت مع بعض جمهورنا اليمني، حيث اعتقدوا في البداية أن طريقة التصوير السينمائي المتقدمة (الشولدر) هي اهتزاز مقصود. لكن بعد استيعابهم لهذه الطريقة مع مرور الحلقات، أصبحوا يتفهمون أن هذه طريقة تصوير عالمية مستخدمة في الأعمال السينمائية والمسلسلات الكبرى مثل "نتفليكس" و"شاهد" والمسلسلات التركية والأمريكية".
اقرأ أيضا: أغنية يا وحشتاه في مسلسل طريق إجباري تتجاوز 120 مليون مشاهدة في جميع المنصات
وقال "نحن نحرص على رفع مستوى الدراما اليمنية لتكون على مستوى الدراما العربية والعالمية، ونجح التعاون بين الكوادر اليمنية والمصرية في تقديم عمل درامي متميز". مشيرا إلى أنه تم تصوير المسلسل في مدينة تعز، التي أعتبرها مدينة إنتاج سينمائي، وأوجه الشكر لأهل قرية الدار في منطقة الضباب على فتحهم لنا أبواب بيوتهم.
واستطرد المرولة "ما يميز المسلسل هو القصة والإخراج والتصوير والإنتاج، حيث حرصنا على عدم تكرار المشاهد التي قد تُشعر المتابع بالملل، واعتمدنا على أسلوب الحدث السريع، مما أضاف إبداعًا للمسلسل وأسهم في نجاحه الكبير في الحلقات الماضية، وهو ما سيستمر في الحلقات القادمة."
ويؤكد المرولة في حديثه عن علاقة النص الدرامي بالإخراج والإنتاج الفني واحتياجات اليمن للتطوير في الجانب الفني قائلاً: "العلاقة بين الإنتاج الفني والسيناريو والحوار هي علاقة وثيقة ومترابطة. القصة والسيناريو والحوار تشكل الأساس لأي عمل درامي.
اقرأ أيضا: سالي حمادة تستذكر شخصيتها في أعمالها السابقة وتبشر: انتظروني في جسد وقلب امرأة جديدة بمسلسل طريق إجباري
وقال "إذا كان لديك سيناريو متميز، يمكنك تطويره بشكل احترافي وعرضه للمشاهد بطريقة متميزة. الدراما اليمنية تعاني من نقص كبير في الكُتّاب المتخصصين، لكن في الفترة الأخيرة بدأ يظهر العديد من الكتاب الموهوبين".
وأفاد "سنشهد في المستقبل أعمالًا من كتاب جدد ستترك أثرًا كبيرًا في الساحة الفنية، لأن الإنتاج الفني المحلي بحاجة إلى إمكانيات فنية متقدمة من أدوات تصوير وإضاءة، بالإضافة إلى ضرورة تأهيل الكوادر البشرية".
ولفت إلى أن هناك حاجة ماسة لتمكين الكوادر اليمنية عبر التعاون مع إنتاجات عربية، وهذا ما قمنا به في شركة النبيل من خلال مسلسل "طريق إجباري"، الذي تم بالشراكة مع كوادر مصرية. وقال "استفاد الكادر اليمني من مهارات وخبرات الكادر المصري هذا العام".
وخلص المرولة بالقول "رسالتي إلى العاملين في الدراما اليمنية هي أن نتحمل جميعًا مسؤولية الارتقاء بالدراما اليمنية والوصول بها إلى المستوى العربي والدولي. يجب أن يكون لدينا كوادر متخصصة ورؤية متقدمة في اختيار النصوص وتخصيص الوقت الكافي لتحضير تلك النصوص واختيار الكوادر المتميزة."