جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-05@21:14:40 GMT

الأُسطورة والوهم

تاريخ النشر: 17th, February 2024 GMT

الأُسطورة والوهم

 

د. صالح الفهدي

دخل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه، على رستم فرخزاد قائد جيش الإمبراطورية الفارسية في اعتدادٍ، وثقةٍ، وهو يمتطي فرسهُ، ويتمنطقُ بقطعةِ غنمها من الفرسِ إِذلالًا لهم، له منظرٌ مهيبٌ؛ فقد كان من أطول العرب شَعرًا ضفَرَه في أربع ضفائر، وحمل كنانة السهام على ظهره، وتمنطَّق بالسيف، وتدرَّع بالدرع والترس، وكانَ إلى جانبِ كونه قائدًا عسكريًا باسلًا، مفاوضًا شجاعًا؛ إذ قال لرستم: "لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" وكانت هذه الكلمات بمثابة هزيمة له قبل هزيمة الميدان.

وفي كتاب "الفتوحات الإِسلامية في عهدِ الصديق" وردَ أن خالد بن الوليد سار إلى الحيرةِ، وكان عليها من قِبل الفرس هانئ بن قبيصة الطائي، فقال له خالد: إنني أدعوكم إلى الله وإلى عبادته، وإلى الإِسلام، فإن قبلتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر. فقالوا: لا حاجة لنا في حربك، فصالحهم على تسعين ومئة ألف درهم".

تلك الأُمم- الرومانية والفارسية- في ذلك الوقت أحاطتها الأَساطير بالهالةِ الفخمة التي أشاعت الوهم بأنها أُمم لا يمكنُ أن تقهرَ جيوشها الجرَّارة، بيدَ أنَّ الأحداث التاريخية بيَّنت انكسارها، وهزيمتها على رغم أعدادها المهولة، وعتادها العظيم، والسببُ يعود في ذلك إلى العقيدة التي يمتلكها المسلمون الذي رسخ فيهم الإِيمانُ بالحقِّ، واليقين بنصرِ اللهِ لهم، ولهذا قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقائدٍ من قادةِ جنده وهو يودِّعه: "إن هُزمتَ فليس لقوةٍ في عدوك، وإنما لضعفٍ فيك" ليسبقَ أَيَّ عذرٍ يتعذَّرُ به القائد لاحقًا أمام أمير المؤمنين إنْ هُزِمَ جيشه.

العقيدة هي التي تتفوَّقُ على العدوِّ الذي لا يملكُ عقيدة ترتبطُ باللهِ، وإنما مجرَّد طاعة لحكَّامه، وإذعانا لقادته خاصَّة إن كان غازيًا، أو محتلًا، وهنا لا تُرهب صاحب العقيدة مخاوف لأنه ارتبط إيمانيًا بالله سبحانه وتعالى "قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 249).

ولننظر للأحداث العظيمة التي هزَّت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي "لا يقهر" في السابع من أكتوبر 2023؛ حيث تبيَّنَ بأنَّ تلك الأُسطورة الدعائية التي روَّج لها الكيان الغاصب وتبنَّتها الدول الغربية بل وبعض الدول العربية قد انهار وهمها، حتى في واقع المعارك فإِنَّ الأسلحة التي تفاخرُ بها الجيش الصهيوني كمركبة النِّمر، ودبابة الميركافا قد تحطَّمت بقذائف "الياسين 105" وهي قذيفة محلية الصنع تعمل بالترادف..! أما الجيش الذي صُوِّر للعرب بأنه الجيش الكاسح الذي لا يمكن أن يُهزم، فلم يكن السابع من أكتوبر قمة انكساره وهزيمته وحسب؛ بل وتوالت هزائمه وانكساراته المتوالية بعد دخوله غزَّة العزَّة وعلى أيدي فئة بسيطةٍ استطاعت أن تلقي الرُّعب في جنوده الذين يعالَجون بأعداد كبيرة من التداعيات النفسية الناتجة عن فقدان العقيدة الأصيلة، أما البعض الآخر فيعصي أوامر الدخول إلى غزة "مقبرة الغزاة" بحجَّة أنه لم يتلقَّ التدريبات الكافية، وهي حجَّة واهية؛ إذ الحقيقة أنه لا يملك عقيدةً تدفعه لإلقاء روحه في مهاوي الرَّدى فداءً لقضيَّةٍ عادلةٍ، وحقٍّ مكتسب، فهو يدرك أنَّه محتلُّ غاصب، لا يملكُ حقًّا في الأَرض، ولا في قتل الأبرياء من شعبها.

الأمر الأهم هو الطبيعة النفسية لليهود وهي طبيعةٌ تتسم بالجبن، يتوارثونها في جيناتهم الفاسدة، ذكرها القرآن الكريم منذ أكثر من 1400 عام؛ حيث نزلت آية تصفهم بالجبن في يهود بن النضير، يقول الحق سبحانه وتعالى: "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ" (الحشر: 14).

هكذا هو حالهم اليوم لم يتغيَّر أبدًا، تسمع تصريحات قادتهم في مجلس الحرب فتحسبهم جميعًا، ثم تعلم أنهم يتصارعون ويتلاعنون داخله وخارجه فقلوبهم شتَّى، زرع الله الرعب والجبن فيهم.

والمؤسف أن المسلمين لم يستوعبوا ما جاء في هذه الآية الكريمة وهم يقرأونها؛ بل استكانوا للأسطورة عن قصدٍ وغير قصد، حتى خرجت فئة لا يعنيها شيءٌ تحبُّ الموت حب العدو للحياة، ففقأت عين الفقاعة الموهومة، وأسقطت الجدار، وساقت الجرذان، وسَطَت على أوكار التجسس، فلجأ العدو إلى "حرب الجبناء" ليقصف الأبرياء من الجو ليقتل الأبرياء، ويحصد أرواح آلاف المدنيين من النساء والأطفال والرجال دون رحمة.

خلاصة القول.. إنَّ من يمتلك عقيدة راسخة الإيمان فلا أسطورة تخيفه، ولا وهم يرعبه، وإنَّما هو موقنٌ بالنصر "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (الحشر: 7)، وهُنا فإنَّ على الأمة العربية الإسلامية أن تسقط هذه الأوهام التي احتمت وراءها إسرائيل؛ فالهزيمة -كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه- إنما هي بفعل ضعف العقيدة وليس لقوة العدو، أفَبَعْدَ ما حدث لا تزال الأُسطورة الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية والأوروبية تخيفُ العرب المسلمين الذين سُلبت حقوقهم، ونهبت ثرواتهم، وخذلت دولهم؟!

إنَّ الأُسطورة لا شيء في حقيقتها غير الوهم الذي لا ينطلي سوى على المعدم من عقيدته، المفرغ من إيمانه، ضعيف اليقين بنصر الله له وتأييده له، أما من لم ينطلِ عليه الوهم فلم تضعفه قلة عدده وعتاده، وما يحدث في غزة هو الذي يُجلي بصائر وأبصار الذين يرشدون.

 

 

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الجيش: إزالة عوائق هندسية في اللبونة وإغلاق طريق بعد فتحها من قبل العدو

صدر عن قيادة الجيش - مديرية التوجيه البيان الآتي:

"عملت وحدة من الجيش في منطقة اللبونة - صور على إزالة عوائق هندسية كان العدو الإسرائيلي قد ركّزها داخل الأراضي اللبنانية، كما أغلقت طريقًا ترابيًّا بعدما فتحتها وحدة معادية في المنطقة نفسها. تُواصل قيادة الجيش العمل على إزالة الخروقات المعادية بالتنسيق الوثيق مع اللجنة الخماسية للإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار (Mechanism) وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل، وسط إمعان العدو في انتهاكاته للسيادة اللبنانية واستهدافه للمواطنين في مختلف المناطق اللبنانية". مواضيع ذات صلة "لبنان24": الجيش يعيد فتح طريق المطار بعد إغلاقه من قبل مُحتجين Lebanon 24 "لبنان24": الجيش يعيد فتح طريق المطار بعد إغلاقه من قبل مُحتجين 03/04/2025 11:34:39 03/04/2025 11:34:39 Lebanon 24 Lebanon 24 "لبنان 24": وصول الجيش لفتح طريق المطار بعد اغلاقها من بعض الشبان اعتراضاً على عدم السماح لطائرة ايرانية بالتوجه الى بيروت Lebanon 24 "لبنان 24": وصول الجيش لفتح طريق المطار بعد اغلاقها من بعض الشبان اعتراضاً على عدم السماح لطائرة ايرانية بالتوجه الى بيروت 03/04/2025 11:34:39 03/04/2025 11:34:39 Lebanon 24 Lebanon 24 إزالة العوائق من أمام مبنى فصيلة التل في طرابلس Lebanon 24 إزالة العوائق من أمام مبنى فصيلة التل في طرابلس 03/04/2025 11:34:39 03/04/2025 11:34:39 Lebanon 24 Lebanon 24 الخوري: الصناعة التكنولوجية أمرٌ أساسيّ وسنعمل على إزالة كل العوائق القانونية Lebanon 24 الخوري: الصناعة التكنولوجية أمرٌ أساسيّ وسنعمل على إزالة كل العوائق القانونية 03/04/2025 11:34:39 03/04/2025 11:34:39 Lebanon 24 Lebanon 24 قد يعجبك أيضاً رفع الحد الأدنى للأجور للقطاعين العام والخاص.. هذا ما سيحصل الأسبوع المُقبل Lebanon 24 رفع الحد الأدنى للأجور للقطاعين العام والخاص.. هذا ما سيحصل الأسبوع المُقبل 04:30 | 2025-04-03 03/04/2025 04:30:00 Lebanon 24 Lebanon 24 ملتقى التأثير المدني: الشَّعبويَّة والإرتجال والدّيماغوجيا والسِّياسويَّة مَقتَلَة! Lebanon 24 ملتقى التأثير المدني: الشَّعبويَّة والإرتجال والدّيماغوجيا والسِّياسويَّة مَقتَلَة! 04:18 | 2025-04-03 03/04/2025 04:18:28 Lebanon 24 Lebanon 24 ماندوليسي التقى رئيس بلدية خربة سلم لبحث الأوضاع الأمنية والاقتصادية Lebanon 24 ماندوليسي التقى رئيس بلدية خربة سلم لبحث الأوضاع الأمنية والاقتصادية 04:17 | 2025-04-03 03/04/2025 04:17:54 Lebanon 24 Lebanon 24 طقس ربيعي متقلب نسبياً حتى هذا التاريخ Lebanon 24 طقس ربيعي متقلب نسبياً حتى هذا التاريخ 04:10 | 2025-04-03 03/04/2025 04:10:19 Lebanon 24 Lebanon 24 الحريري في اليوم العالمي للتوحد: سنبقى معا من أجل مستقبل واعد لكل طفل في لبنان Lebanon 24 الحريري في اليوم العالمي للتوحد: سنبقى معا من أجل مستقبل واعد لكل طفل في لبنان 03:52 | 2025-04-03 03/04/2025 03:52:43 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة برفقة والدها... هذا ما قامت به ناديا شربل إبنة الممثلة كارين رزق الله (فيديو) Lebanon 24 برفقة والدها... هذا ما قامت به ناديا شربل إبنة الممثلة كارين رزق الله (فيديو) 06:40 | 2025-04-02 02/04/2025 06:40:00 Lebanon 24 Lebanon 24 هذا ما ينتظر لبنان بسبب "سلاح الحزب".. تقريرٌ أميركي يحسم Lebanon 24 هذا ما ينتظر لبنان بسبب "سلاح الحزب".. تقريرٌ أميركي يحسم 14:46 | 2025-04-02 02/04/2025 02:46:50 Lebanon 24 Lebanon 24 أرقام مثيرة عن لبنان.. كم يبلغ عدد الولادات يومياً؟ Lebanon 24 أرقام مثيرة عن لبنان.. كم يبلغ عدد الولادات يومياً؟ 11:00 | 2025-04-02 02/04/2025 11:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 من مصرف لبنان.. الـ100 ليرة ما زالت "موجودة" Lebanon 24 من مصرف لبنان.. الـ100 ليرة ما زالت "موجودة" 14:30 | 2025-04-02 02/04/2025 02:30:15 Lebanon 24 Lebanon 24 من المسؤول عن "صواريخ الجنوب"؟ إقرأوا آخر تقرير إسرائيليّ Lebanon 24 من المسؤول عن "صواريخ الجنوب"؟ إقرأوا آخر تقرير إسرائيليّ 16:35 | 2025-04-02 02/04/2025 04:35:45 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان 04:30 | 2025-04-03 رفع الحد الأدنى للأجور للقطاعين العام والخاص.. هذا ما سيحصل الأسبوع المُقبل 04:18 | 2025-04-03 ملتقى التأثير المدني: الشَّعبويَّة والإرتجال والدّيماغوجيا والسِّياسويَّة مَقتَلَة! 04:17 | 2025-04-03 ماندوليسي التقى رئيس بلدية خربة سلم لبحث الأوضاع الأمنية والاقتصادية 04:10 | 2025-04-03 طقس ربيعي متقلب نسبياً حتى هذا التاريخ 03:52 | 2025-04-03 الحريري في اليوم العالمي للتوحد: سنبقى معا من أجل مستقبل واعد لكل طفل في لبنان 03:51 | 2025-04-03 عون: الشعب يستحق منا التضحية فيديو صراخ وتدافع.. أسد يُهاجم مدربه خلال عرض سيرك في مصر وما حصل مرعب (فيديو) Lebanon 24 صراخ وتدافع.. أسد يُهاجم مدربه خلال عرض سيرك في مصر وما حصل مرعب (فيديو) 23:31 | 2025-04-01 03/04/2025 11:34:39 Lebanon 24 Lebanon 24 بالفيديو.. اعتقال عناصر لـ"حزب الله" في برشلونة Lebanon 24 بالفيديو.. اعتقال عناصر لـ"حزب الله" في برشلونة 11:48 | 2025-04-01 03/04/2025 11:34:39 Lebanon 24 Lebanon 24 تراجع فجأة خلال المباراة وفقد وعيه.. ملاكم توفي بطريقة مأساوية (فيديو) Lebanon 24 تراجع فجأة خلال المباراة وفقد وعيه.. ملاكم توفي بطريقة مأساوية (فيديو) 03:54 | 2025-04-01 03/04/2025 11:34:39 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان خاص إقتصاد عربي-دولي فنون ومشاهير متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24

مقالات مشابهة

  • قائد الحرس الثوري الإيراني: أمريكا فشلت في اليمن الذي يواصل الصمود رغم القصف المستمر
  • رئيس الوزراء: امريكا ستخسر امام شعبنا الذي اذهل العالم
  • بكري حسن صالح .. الرجل الذي أخذ معنى الإنسانية بحقها
  • عيد محور المقاومة الذي لا يشبه الأعياد
  • حماس: لن ننقل "الرهائن" من المناطق التي طلبت إسرائيل إخلائها
  • حماس: لن ننقل "الرهائن" من المناطق التي طلبت إسرائيل إخلائها
  • عاجل | السيد القائد: العدو الإسرائيلي استأنف الإجرام منذ أكثر من نصف شهر بذات الوحشية والعدوانية التي كان عليها لمدة 15 شهرا
  • حفظه الله عمكم البرهان الذي قضى على الجنجويد بالابرة
  • الجيش: إزالة عوائق هندسية في اللبونة وإغلاق طريق بعد فتحها من قبل العدو
  • أحمد محجوب سوار الدهب.. عين الجيش داخل العدو!