صحيفة الاتحاد:
2025-02-26@19:05:01 GMT

د. عبدالله الغذامي يكتب: نحن والتراث

تاريخ النشر: 17th, February 2024 GMT

لعل أبرز حضور لجملة «نحن والتراث» هي في عنوان كتاب محمد عابد الجابري، وهو الكتاب الذي صدر عام 1980، وفيه طرح الجابري معالم منهجيته العلمية التي رسمت خطه المنهجي في كل عمل أنتجه بعد ذلك الكتاب.
وفي هذا الكتاب تحرر الجابري من خطاب السياحة الفكرية كما كان كتابه السابق الذي كان بمثابة بيان ثقافي عن حال الثقافة العربية يومذاك وقد جاء كتابه «نحن والتراث» ليتخلص الجابري من الأكاديمية البحتة ويدخل في العلمية المعرفية.

وقيمة الكتاب تأتي في مقدماته المنهجية، ثم في طرحه لفكرة العلاقة بين العصر الحداثي وعصور المدونات الكبرى للموروث الفكري والذوقي العربي، وأهم ما في الأمر هو أن يعمد المؤلف لتأسيس وعيه النظري وترجمته إلى منظومة مصطلحية تجعل القارئ نفسه باحثاً من حيث يتزود القارئ بأدوات منهجية تمكنه من ممارسة نقد النقد، حيث سيكون في مُكنه أن يقيس تأسيسات المؤلف مع نتائجه التي تمثل مقولاته مبنيةً على مقدماته، وهذه دربةٌ ذهنية يجترحها المؤلف لنفسه أولاً بحيث يسير وفق خط ذهني يركز رؤيته ويغري قارئه للمشاركة في تحمل وعثاء الطريق مثلما يعلن الطيار عن مطبات هوائية فيطلب من الركاب العودة لمقاعدهم وربط الأحزمة. 
وهذا هو المجاز الثقافي لمفهوم المنهجية، أي أنها عهدٌ وتعهد بين طرف وأطراف، وهو طرف واحد بعقلية يبرهن عليها الكتاب أو يكشفها، بينما الأطراف ليست محددة ومن ثم فهي غير مكشوفة، ولهذا نجد الاختلافات حول أي مؤلف منهجي، لأن العقول بمطلقها ليست منضبطةً منهجياً وبعضها لا يتحمل المنهجية ويؤثر الحرية والانسيابية الفكرية، وهذه صفة تشيع بين عموم القراء الذين يميلون للمتعة أكثر من ميلهم للجدلية تبعاً للدربة الطويلة على القراءات المؤسسية التي تغلب على التعليم بعامة، مما يجعل وظيفة الكتاب هي الحصول على النجاح في حين أن الكتب غير المدرسية لا تضمن النجاح بل تفتح أبواب الشغب الذهني، وتتعمد ذلك في كثير من الأحيان.
ورغم أن المنهج في أصله هو انضباط وضبط ذهني لكنه يؤول دوماً لجدلية تحتمها المقارنة بين المقدمات والنتائج وهذه جدلية تغري بمواجهة مقولات المؤلف وتحولها من نظام القبول والتسليم إلى فضاء الاختلاف وتنوع الرؤى، وهذا ما جعل الجابري واحداً من أكثر الباحثين العرب جدليةً (طبعاً بعد طه حسين)، والخلاف معه وحوله يفوق كل فرص التوافق عليه، وهذه مزية من المزايا النادرة التي تقع في عالم المعرفة، ومن بلغها من أهل الفكر فهو الاسم الذي يظل موضع خصام دائم كما هو ظن المتنبي في نفسه وشعره، وهو الظن الذي تحقق عملياً مذ أصبح مغروساً في تموجات قوله (ويسهر الخلق جرّاها ويختصم)، ومن هنا فإن جملة الجابري «نحن والتراث» تحولت بحق لتكون الجدلية التي رسمها هو بنفسه ولنفسه وظل ويظل الجابري واحداً من مجموعة الجدل الأهم عربياً.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

أخبار ذات صلة د. عبدالله الغذامي يكتب: سجن الأفكار مهرجان الظفرة.. كرنفال للموروث والهوية

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الغذامي عبدالله الغذامي التراث

إقرأ أيضاً:

«ابن قلاقس.. سلني عن الحب يا من ليس يعرفه».. أحدث إصدارات هيئة الكتاب

أصدرت وزارة الثقافة، متمثلة في الهيئة المصرية العامة للكتاب، برئاسة الدكتور أحمد بهي الدين، ضمن إصدارات سلسلة ديوان الشعر المصري، كتاب «ابن قلاقس.. سلني عن الحب يا من ليس يعرفه»، من اختيار وتقديم الشاعر أحمد الشهاوي.

ويقول أحمد الشهاوي في تقديمه للكتاب: «يكاد يكون ابن قلاقس شاعرًا مجهولا في ثقافتنا العربية، على الرغم من أن خليل مطران قدم في بدايات القرن العشرين الميلادي منتخبات من شعره، لكنها للأسف لم يعد طبعها، كما لا توجد دراسات أكاديمية كافية حول شعره وحياته الغامضة الغريبة الملأى بالعجائب، إذ إنه ابن السفر والرحلة، وأيضًا هو لم يعش حياة طويلة مثل غيره من شعراء عصره، ولا أحد يذكره، ولا أحد يطبع شعره الذي كان شهيرًا في زمانه؛ كي يكون متاحا أمام قارئ الشعر خصوصا، والقارئ بشكل عام، هو عندي شاعر غريب في سلوكه وحياته، مات ولم يبلغ الأربعين من عمره في "عيذاب" على شاطئ البحر الأحمر شوال سنة سبع وستين وخمسمائة هجرية، وهو المكان نفسه الذي مات ودفن فيه القطب الصوفي أبو الحسن الشاذلي بعد ابن قلاقس بنحو مئة سنة، حيث توفي الشاذلي بوادي حميثرة بصحراء عيذاب، وكان متوجها إلى مكة في أوائل ذي القعدة ٦٥٦ هجرية، عاش ابن قلاقس - (وقلاقس : بقافين، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبينهما لام ألف وفي آخره سين مهملة، وهو جمع قلقاس بضم القاف وهو معروف فريدا سائحا جوالا، جواب آفاق، كان كثير الترحال، محبا لركوب البحر، وزاد من ذلك اشتغاله بالتجارة، وعبر عن هذا الحب بقوله: (والناس كثر ولكن لا يقدر لي.. إلا مرافقة الملاح والحادي)».

وأضاف: «كان ابن قلاقس شاعرًا مُكثرًا ، نشر ديوانه في سنة ١٩٠٥ ميلادية بتحقيق الشاعر خليل مطران في مصر، وكان مخطوط ديوانه في خزانة الشيخ علي الليثي بمصر، وفي المكتبة الأهلية بباريس، مخطوطة (رقم (۳۱۳۹)، ولابن نباتة المصري مختارات من ديوان ابن قلاقس، كما تُنسب إليه كتب أخرى من أشهرها: (الزهر الباسم في أوصاف القاسم "القائد الصقلي"، وروضة الأزهار في طبقات الشعراء، ومواطر الخواطر)، وقال عنه الزركلي هو : شاعر نبيل من كبار الكتاب المترسلين، كان في سيرته غموض».

مقالات مشابهة

  • أدعية شهر رمضان من الكتاب والسنة.. رددها طوال الوقت
  • «ابن قلاقس.. سلني عن الحب يا من ليس يعرفه».. أحدث إصدارات هيئة الكتاب
  • من أجمل ما قرأت
  • تجمع لأهالي مدينة حلب في ساحة سعد الله الجابري رفضاً للتصريحات الإسرائيلية الأخيرة ودعماً لوحدة الأراضي السورية
  • محجوب فضل بدری: صياد النجوم فی أبْ قَبَّة فحل الديوم !!
  • بعد الإمتناع عن اخراجهم ..رسالة إسرائيلية جديدة بشأن الإفراج عن 620 أسيرا فلسطينيا وهذه شروطها التي لا تصدق
  • ملحمة الشعب الفلسطيني: أنشودة الأرض، الدم، والتراث
  • فوزي عمّار يكتب: الليبي الذي اكتشف كروية الأرض
  • المغرب يحتل المرتبة 35 عالميًا في مؤشر الثقافة والتراث لعام 2025 ويواصل صدارته في شمال إفريقيا
  • رانيا يوسف وشيرين بصحبة مؤلف نص الشعب اسمه محمد بالكواليس