إعادة ضبط إقليمية.. 3 نجاحات وإخفاقان لمصالحات تركيا في الشرق الأوسط
تاريخ النشر: 16th, February 2024 GMT
سلط الباحث المشارك في مركز الدراسات التركية التطبيقية التابع لمؤسسة العلوم والسياسة في برلين، سليم تشيفيك، الضوء على العلاقات التركية الخليجية في سياق المصالحة الإقليمية الجديدة، مشيرا إلى أن أنقرة أعادة ضبط سياساتها في الشرق الأوسط منذ عام 2021، وبدأت في التصالح مع منافسيها: مصر وإسرائيل والسعودية وسوريا والإمارات.
وذكر تشيفيك، في تحليل نشره موقع المركز العربي بواشنطن وترجمه "الخليج الجديد"، أن إعادة الضبط التركي لم تكن العملية خطية، ففي بعض الحالات كانت هناك انتكاسات أو حتى إخفاقات تامة، لكن المصالحة بين تركيا والإمارات برزت بشكل خاص، ليس فقط بسبب سرعتها النسبية، ولكن أيضًا بسبب إمكاناتها.
فالعلاقات التركية الإماراتية تشبه في بعض النواحي العلاقات التركية القطرية الناجحة وطويلة الأمد، لكنها لا تزال أقل من المستوى الاستراتيجي لتلك العلاقات.
وفي المقابل، لم تصل جهود تركيا للمصالحة مع سوريا إلى مستوى التطبيع السياسي، ويرجح تشيفيك أنها متعثرة بسبب عدم إمكانية التوفيق بين مطالب كل جانب، مشيرا إلى أن القضية الوحيدة التي تتفق عليها أنقرة ودمشق هي معارضة الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا. ولذلك فإن السيناريو غير المحتمل، المتمثل في تقدم المصالحة التركية السورية، قد يخلق صعوبات للولايات المتحدة، وهو عامل "يميز المصالحة التركية السورية عن جهود المصالحة الإقليمية الأخرى التي تبذلها تركيا"، بحسب تشيفيك.
أما عملية المصالحة التركية مع مصر فكانت أكثر نجاحا بكثير، فقد استعادت أنقرة والقاهرة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادلتا السفراء، كما التقى زعيما البلدين: عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، أكثر من مرة.
ومع ذلك، يبدو أن تحقيق المزيد من التقدم في العلاقات بين البلدين لايزال محدودا، حيث لا يزال لدى الجانبين وجهات نظر متعارضة بشأن ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.
وسمح الهدوء الحالي في مناطق الصراع الليبية لتركيا ومصر بتقسيم علاقتهما، والانخراط دبلوماسيا ومحاولة تعزيز العلاقات الاقتصادية على الرغم من المواقف المتباينة بشأن شرق البحر الأبيض المتوسط.
وقبل اندلاع الحرب في غزة، كانت المصالحة التركية الإسرائيلية قد مرت بنفس المراحل التي مرت بها العملية التركية المصرية، وجرى تحقيق التطبيع الدبلوماسي الكامل بين البلدين، وعقد أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اجتماعاً ثنائياً قبل أسابيع من 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وكان من المتوقع أن يزور نتنياهو تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني.
ولكن حتى ذلك الحين، لم يتم إحراز أي تقدم، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى التردد الإسرائيلي وانعدام الثقة في أردوغان. وفي أعقاب الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، يبدو أن إمكانية التعاون في مجال الطاقة بين أنقرة وتل أبيب قد اختفت.
اقرأ أيضاً
زيارة أردوغان للقاهرة.. لهذا تنهي مصر وتركيا خلافات 10 سنوات
وفي المقابل، سارت المصالحة التركية مع الثنائي الخليجي: السعودية والإمارات، بشكل أفضل بكثير، وإن كان بدرجات متفاوتة، ما يراه تشيفيك منطقيا بالنظر إلى أن دوافع المصالحة في تركيا اقتصادية وجيوسياسية.
فعلى المستوى الاقتصادي، سعت تركيا إلى ضخ أموال في اقتصادها الذي يعاني من عجز مالي، وعلى المستوى الجيوسياسي أرادت إنهاء عزلتها في العالم العربي وتقسيم التحالف المناهض لها في شرق البحر الأبيض المتوسط من خلال فصل منافسي تركيا السابقين: اليونان وقبرص، عن حلفائهم الجدد في الشرق الأوسط.
وبما أن العلاقات التركية اليونانية تشهد حاليًا فترة دافئة بشكل خاص، فقد تضاءلت الحاجة الملحة لتركيا للتصالح مع مصر وإسرائيل، مقابل حاجتها للتصالح مع دول الخليج، باعتبارها المالكة للمصادر اللازمة لمساعدة أنقرة اقتصادياً.
المصالحة مع الخليج
وفي هذا الإطار، تحركت مصالحة تركيا مع الإمارات بسرعة أكبر من المصالحة مع السعودية، إذ زار رئيس دولة الإمارات، محمد بن زايد آل نهيان، تركيا في وقت مبكر من نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وكان اللقاء بمثابة الاجتماع الأول على مستوى القادة لجميع عمليات المصالحة بالمنطقة. وكان بن زايد أيضاً من بين أوائل القادة الذين هنأوا أردوغان بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية اليت أجريت في مايو/أيار 2023.
وسرعان ما أدت عملية التطبيع بين البلدين إلى توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي مهمة، وأبرزها اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي تم التوقيع عليها في مارس/آذار 2023 وتم التصديق عليها بعد 3 أيام من فوز أردوغان في الانتخابات، والتي تهدف إلى زيادة التجارة الثنائية إلى 40 مليار دولار.
وزادت التجارة الثنائية بالفعل بنسبة 40% في الفترة من 2021 إلى 2022، لتصل إلى 18.9 مليار دولار، كما قدمت الإمارات دعمًا قويًا لصناعة الدفاع المتنامية في تركيا من خلال طلب عدد كبير من الطائرات المسيرة.
وإضافة لذلك، يعمل البلدان على تعميق تعاونهما في مجال تحول الطاقة، وبالنظر إلى تحديد تركيا للإمارات، خلال انتفاضات الربيع العربي عام 2011، باعتبارها خصمها "الرئيسي"، وليس السعودية أو مصر، فقد يكون من المفاجئ مدى سرعة حدوث المصالحة.
ويرى تشيفيك أن عدة عوامل ساهمت في هذه المصالحة السريعة، منها إظهار كل من بن زايد وأردوغان البرجماتية والرغبة في إعطاء الأولوية للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وتراجع النزاع الأيديولوجي بينهما، الذي كان نابعاً من ديناميكيات انتفاضات عام 2011.
ففي حين تنظر السعودية لإيران باعتبارها التهديد الإقليمي الرئيسي، تركزت مخاوف الإمارات على الإسلام السياسي، وخاصة الحركات المتحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت صاعدة إبان الربيع العربي في عدة دول عربية، وبدعم من تركيا.
وخلال انتفاضات 2011 وبعدها، نجحت القوى المضادة للثورة المدعومة من السعودية والإمارات في منع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة أو الاستمرار بها، لكن الصراعات الأيديولوجية تراجعت في نهاية المطاف، ولم تخسر جماعة الإخوان المسلمين في نهاية المطاف في سعيها إلى السلطة فحسب، بل بدت جاذبية الحركة مشوهة بشدة بسبب عقد من الفشل والانشقاقات الداخلية على نطاق واسع.
اقرأ أيضاً
عودة العلاقات الدبلوماسية تعزز التجارة بين تركيا ومصر.. وليبيا والإخوان أبرز ملفات المصالحة
وإضافة لذلك، ومع فقدان الحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين زخمها، تبنت القوى المحافظة والقوى المضادة للثورة في المنطقة، بقيادة الكتلة السعودية الإماراتية، نهجا أقل إثارة للقلق، وفتحت قنوات دبلوماسية جديدة مع تركيا وقطر.
وهنا يشير تشيفيك إلى أن تركيا لم تتخل تماماً عن حركة الإخوان المسلمين، لكن دعمها أثبت أنه مرن وعملي، وليس جامداً وذو دوافع أيديولوجية.
فعلى سبيل المثال، تحافظ تركيا على علاقات عمل مع الجماعات المتحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا وسوريا مع خفض الدعم للفرع المصري.
ودفع هذا النهج العملي، الذي اتبعته تركيا في علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين، إلأى مصالحة سريعة بين تركيا والإمارات.
وفي المقابل، اتبعت السعودية خلال العامين الماضيين، نهجا مخالفا للإمارات في مصالحتها مع تركيا، وكان ولي العهد الأمير، محمد بن سلمان آل سعود، أقل استعدادا للقاء أردوغان، وحتى وقت قريب لم تؤد الاجتماعات القليلة التي عقدت إلى تعاون اقتصادي كبير.
ويشير تشيفيك إلى أن هذا الموقف ليس مفاجئا من الناحية الاقتصادية، فقد كانت العلاقات الاقتصادية لتركيا مع الإمارات دائمًا أقوى من علاقاتها مع السعودية، والتي كانت في حدها الأدنى حتى قبل أن تذبل العلاقات الدبلوماسية بينهما.
ويعزو عديد المراقبين ذلك إلى العداء بين بن سلمان وأردوغان الناجم عن جريمة قتل الصحفي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، الذي قتله عملاء سعوديون داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018.
فرغم جهود المصالحة المستمرة، لم ينس بن سلمان الحملة الدبلوماسية التركية ضد السعودية وقت جريمة الاغتيال، واتضح ذلك بنهجه الدقيق في اجتماعاته الأخيرة مع أردوغان، إذ حاول دائمًا وضع نفسه كشخصية مهيمنة في لقاءاتهما.
وفي المقابل، أثبت محمد بن زايد أنه أكثر واقعية، حيث بدأ الزيارة الأولى إلى تركيا، وسمح لأردوغان بادعاء النصر في سياسته الداخلية وتقديم ذلك على أنه تراجع عن موقف الإمارات، بينما خرجت تركيا أقوى من قطيعة العلاقات التي استمرت عقدًا من الزمن.
ويلفت تشيفيك، في هذا الصدد إلى سبب هيكلي لتباين الموقف الإماراتي من تركيا عن نظيره السعودي، فبالنسبة لدولة أصغر، أثبتت الإمارات أنها أكثر مرونة بكثير من السعودية الأكبر حجمًا، حيث تتقدم على المملكة في علاقاتها مع إيران وإسرائيل، على سبيل المثال.
وعلى نحو متصل، لدى كل من تركيا والسعودية مطالبات معقولة بقيادة العالم الإسلامي السني، وبالتالي فإنهما ينخرطان حتماً في حالة من التنافس، بحسب تشيفيك.
وإضافة لذلك، فإن تعميق العلاقات بين أنقرة والرياض من شأنه أن يغير بشكل كبير ميزان القوى في المنطقة ويرسل رسالة تهديد إلى طهران بطريقة لا تفعلها المصالحة التركية الإماراتية.
ولأن جميع الأطراف تسعى جاهدة من أجل وقف التصعيد والاستقرار الإقليمي، فقد حرصت الرياض على تنسيق جهود المصالحة مع تركيا وإسرائيل وإيران، ولم تضع وزناً كبيراً في اتجاه واحد منها.
فصل البلدان
ويرى تشيفيك أن الاختلاف في سرعة ودرجة المصالحات التركية يعد علامة على فك الارتباط بين الكتل الإقليمية المختلفة التي تشكلت استجابة للربيع العربي، فبالإضافة إلى الكتلة الإقليمية التي شكلتها إيران ووكلائها، ظهرت كتلة سعودية إماراتية وأخرى تركية قطرية بعد انتفاضات 2011، لكن هذه البلدان بدأت في التصرف بشكل أكثر استقلالية نتيجة لعملية المصالحة الإقليمية.
فعلى سبيل المثال، اختلفت الإمارات والسعودية بشكل كبير في سياساتهما الخارجية، ونشأ التنافس بينهما، كما اتضح من التهافت على استضافة المقرات الإقليمية للشركات العالمية.
اقرأ أيضاً
تحديات هائلة.. أسطورة المصالحة الكاملة بين تركيا والنظام السوري
وهنا يشير تشيفيك إلى أن كلا من السعودية والإمارات تتمتعان بسلطات ورؤى مماثلة من شأنها أن تؤدي إلى تسريع وتيرة التنافس بينهما.
وفي حين أنه ليس من الممكن الحديث عن التنافس بين تركيا وقطر، فإن البلدين يتصرفان في بعض الأحيان بشكل أكثر استقلالية، إذ أدى رفع الحصار السعودي الإماراتي البحريني المصري عن قطر في يناير/كانون الثاني 2021 إلى تقليل اعتماد قطر على تركيا.
كما أن المصالحة التركية مع السعودية والإمارات تصب في إضعاف دور قطر الاقتصادي كأولوية بالنسبة لتركيا، وبالنظر إلى الوتيرة السريعة للمصالحة بين تركيا والإمارات، فقد تتفوق الإمارات على قطر في العلاقات الاقتصادية مع أنقرة.
الأبعاد الاقتصادية
وهنا ينوه تشيفيك إلى أن البعد الآخر للعلاقات الاقتصادية هو الاستثمار، لافتا إلى أن الإمارات أعلنت عزمها استثمار 15 مليار دولار في الاقتصاد التركي. وكانت قطر قد قدمت تعهدات مماثلة في الماضي، ولكن من غير الواضح ما إذا كانت قد تم الوفاء بها أم لا.
كما تقدم الإمارات خدمات مهمة على صعيد التمويل والقروض، ففي حين أن حجم اتفاقيات مبادلة العملات بين البنكين المركزيين في تركيا والإمارات يتضاءل مقارنة بتلك المبرمة بين قطر وتركيا، إلا أن الإمارات لعبت دورًا مهمًا في تقديم القروض للبنوك التركية.
وفي النصف الأول من عام 2023، قام بنكان إماراتيان بتوفير 61% من جميع القروض المشتركة لتركيا. ولا يزال تأمين التمويل الإماراتي مهمًا بالنسبة لتركيا، حيث أن المقرضين الغربيين أصبحوا حذرين بشكل متزايد بشأن إقراض أنقرة والبنوك التركية بسبب سياسات أردوغان النقدية غير التقليدية.
وفي حين أن البرجماتية التركية تجاه جماعة الإخوان المسلمين ورغبة الإمارات في مضاعفة شركائها الإقليميين ضمنت سير المصالحة بسلاسة، فإن هذا لا يعني أن هناك انسجامًا جيوسياسيًا كاملاً بين البلدين، حسبما يرى تشيفيك.
فرغم تراجع التوترات، يواصل كلا البلدين اتخاذ مواقف متعارضة في ليبيا، وعلى جبهة أخرى تبدو تركيا حريصة على عدم انتقاد الإمارات بسبب التزامها المستمر باتفاقات إبراهيم، إلا أنها كانت صريحة للغاية ضد الفظائع الإسرائيلية في غزة، بينما اصطفت تركيا وقطر بشكل ثابت في كل صراع إقليمي تقريبًا.
ورغم التحركات العملية التي اتخذها بن زايد لتسهيل عملية المصالحة، لا تزال الإمارات وقطر مختلفتين في علاقتهما مع أردوغان نفسه. وبينما بدأت المصالحة في عام 2021 وكان هناك العديد من الوعود بالتعاون الاقتصادي والاجتماعات الثنائية على مستوى القيادة طوال عام 2022، فإن أهم التطورات حدثت بعد فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار 2023.
فقد كانت الإمارات، مثل السعودية، تنتظر لترى ما إذا كان أردوغان سيبقى في السلطة، ونظراً لحاجة أردوغان الملحة إلى ضخ الأموال قبل الانتخابات، فإن المساعدة المحدودة من السعودية والإمارات بعثت برسالة مفادها أنهما على استعداد للعمل مع أردوغان دون تفضيل استمرار حكمه بقوة.
ويتناقض ذلك مع حلفاء أردوغان الأكثر ديمومة في الدوحة وموسكو، الذين بذلوا جهودا كبيرة لتزويده بالمساعدة المالية في وقت حرج، بحسب تشيفيك.
وفي ظل كل هذه العوامل، فحتى لو تفوقت الإمارات على قطر في علاقاتها الاقتصادية مع تركيا، فمن غير المرجح أن تصل علاقاتها مع أنقرة إلى مستوى التحالف التركي القطري بعلاقاتها الشخصية العميقة وتاريخها في اتخاذ مواقف مشتركة في الصراعات الإقليمية.
فالعلاقة التركية القطرية مجربة ومفيدة للطرفين وأثبتت مرونتها في أوقات الأزمات، ويعززها امتلاك تركيا لقاعدة عسكرية في قطر، توفر بعدًا مؤسسيًا قويًا وأساسًا للتعاون الأمني بين البلدين. وفي حين أن علاقات تركيا العميقة مع الإمارات قد لا ترحب بها قطر، في العصر الجديد من التحالفات المتعددة، قد لا يكون لدى الدوحة النفوذ، أو حتى الرغبة، لمنع أنقرة من تعميق علاقاتها مع أبوظبي.
رئاسة ترامب
ولطالما نظرت واشنطن إلى جهود المصالحة الإقليمية بشكل إيجابي، إلا أن اندلاع أعمال العنف الأخيرة يؤكد عجز هذه الجهود عن تعزيز السلام.
ودارت هذه المساعي التصالحية، التي تم تنظيمها في المقام الأول على مستويات النخبة، حول معالجة المشاكل الأساسية التي تعاني منها المنطقة، مثل القضية الفلسطينية، وانتشار الدول القمعية، والأزمات الاقتصادية، ومع ذلك فقد كشفت الأحداث التي تلت 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن تصميم واسع النطاق في جميع أنحاء المنطقة على حفظ المصالحة التي تم تحقيقها حتى الآن.
وبعيداً عن إسرائيل، تعمل كافة الجهات الفاعلة الرئيسية في المنطقة، فضلاً عن الولايات المتحدة، على احتواء الصراع في غزة، حتى مع تجاهلها للمستوى المروع من الشهداء بين الفلسطينيين في غزة. ويوضح هذا الواقع أهمية المصالحة الإقليمية بالنسبة للجهات الفاعلة المحلية ولأهداف السياسة الخارجية الأمريكية.
ومع ذلك، فإن احتمال عودة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 يلوح في الأفق كبديل، وهذا ليس لأن إدارة بايدن قطعت خطوات كبيرة في تعزيز السلام والاستقرار الإقليميين، ولكن لأنه ليس من المؤكد كيف ستتعامل السعودية والإمارات مع المصالحة في ظل رئاسة ترامب.
وفي ظل التفويض المطلق المتوقع من ترامب، هناك خطر عودة الولايات المتحدة إلى سياسة خارجية عدوانية ومواجهة في الشرق الأوسط، وهناك تساؤلات حول ما إذا كانت مثل هذه السياسات الأمريكية ستستهدف إيران فقط أم تمتد إلى تركيا وقطر. وتشير التوترات المتصاعدة بين تركيا وإيران إلى إمكانية اصطفاف تركيا في مواقف عدوانية ضد إيران، بحسب تشيفيك.
وعلى الرغم من مصالح تركيا الراسخة في الحفاظ على المصالحة مع دول الخليج وتعميق العلاقات في المنطقة، فإن الأعمال العدائية المحتملة من الشركاء في الشرق الأوسط قد تجبر تركيا على الرد بالمثل.
ويلفت تشيفيك إلى أن تاريخ تركيا في التخلي بسرعة عن جهود المصالحة، كما جرى في تقلبات علاقاتها مع إسرائيل على مدى العقود الأخيرة، يظهر كيف يتشكل نهجها العملي من خلال الديناميكيات المحلية والإقليمية.
غير أن الباحث المشارك في مركز الدراسات التركية التطبيقية يرجح أن لا تعترض تركيا على الجهود الأمريكية الرامية إلى المساعدة في استقرار المنطقة، في نهاية المطاف، وذلك من خلال مواجهة المشاكل البنيوية الأساسية التي ابتليت بها السياسة الخارجية الأمريكية والنجاح في منع الجهات الفاعلة من العودة إلى العدوان والصراع.
اقرأ أيضاً
صادرات تركيا إلى السعودية والإمارات خلال 2023 تفوق 11 مليار دولار
المصدر | سليم تشيفيك/المركز العربي بواشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديدالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: تركيا الإمارات السعودية مصر إسرائيل أردوغان محمد بن زايد محمد بن سلمان الإخوان المسلمين إيران جماعة الإخوان المسلمین السعودیة والإمارات العلاقات الترکیة ترکیا والإمارات فی الشرق الأوسط جهود المصالحة من السعودیة ملیار دولار المصالحة مع علاقاتها مع وفی المقابل بین البلدین ترکیا وقطر فی المنطقة بین ترکیا اقرأ أیضا مع ترکیا ترکیا فی بن زاید من خلال فی غزة حین أن
إقرأ أيضاً:
عن إجرام المجمع الصناعي العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط
لا يحتاج المرء إلى الكثير من الفطنة لكي يدرك بأنّ الولايات المتحدة تعيش على إذكاء الحروب في دول العالم، وخاصة في المنطقة العربية، وذلك من خلال دور المركّب الصناعي العسكري (Military – Industrial Complex) الذي يُعدّ مصدرًا أساسيًا لتمويل حروب الولايات المتحدة وحلفائها، وخاصة “إسرائيل”، باعتبارها الحليفة الأوثق في الشرق الأوسط منذ إنشائها في عام 1948.
إنّ عودة حرب الإبادة الجماعية التي تمارسها “إسرائيل” على غزّة والضفّة الغربية ما كانت لتكون وتستمر بهذه الوتيرة لولا الدعم الأمريكي المطلق لها، إذ لا يمكن فصل هذه الجرائم التي تقوم بها إزاء الشعب الفلسطيني عن دور المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يضطلع برفد الجيش “الإسرائيلي” بأحدث آلات القتل، وذلك من خلال شركات الأسلحة الأمريكية الشهيرة مثل: لوكهيد مارتن ورايثيون ونورثروب جرومان وجنرال دايناميكس وبوينغ … في الماضي، أثار الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور عند انتهاء ولايته في عام 1961، معضلة المجمع الصناعي العسكري وخطورته، حيث حذّر من هذا التحالف الذي يتكوّن من الكونغرس وشركات السلاح الرائدة ووزارة الدفاع الأمريكية. ووصف آنذاك الأمر بأنه تهديد للديمقراطية، فضلًا عن تأثيره المباشر في السياسة الخارجية الأمريكية.
يشكّل المُجمع الصناعي العسكري الأمريكي إلى جانب مجتمع الاستخبارات والبيروقراطية الاقتصادية ما يُسمّى بالدولة العميقة (Deep State) في الولايات المتحدة. وتُعرّف “الدولة العميقة” على أنّها مجموعة من الأفراد والمؤسسات التي تُعتبر ذات تأثير كبير في السياسات الأمريكية، ويُعتقد أنّ لديها نفوذًا كبيرًا في رسم السياسات الداخلية والخارجية، على الرغم من افتقارها إلى السلطة التشريعية الرسمية. وتشمل هذه المجموعة عناصر من الجيش، وأجهزة الاستخبارات، والبيروقراطية الحكومية، بالإضافة إلى قطاعات أخرى من المؤسسات التي يُعتقد بأنها تعمل في كثير من الأحيان بشكل مستقل عن الإرادة الشعبية أو الحكومة المنتخبة، وتهدف إلى الحفاظ على استمرارية الأوضاع التي تخدم مصالحها الخاصة. مع التأكيد على أنّ الدولة العميقة تستمدّ قوتها من أجهزة الأمن القومي والاستخبارات الأمريكية.
تشير الباحثة الأمريكية سارة لي ويتسن، إلى أنّ قطاع الصناعات العسكرية يعتمد على التأثير المباشر على المسؤولين الحكوميين، فعلى سبيل المثال تجاوزت التبرعات الانتخابية في عام 2020 عتبة الخمسين مليون دولار. وغالبًا ما يتم منح وظائف في هذا القطاع للمسؤولين الحكوميين والعسكريين، فبالنسبة إلى المسؤولين المدنيين، تُعدّ العديد من هذه الوظائف أدوات ضغط لصالح المؤسسات الدفاعية. أما المسؤولون العسكريون، فهم غالبًا ما يشغلون وظائف داخل المجمع الصناعي أو يعملون كمستشارين في البنتاغون وفروع الجيش، ويشاركون أيضًا في التفاوض وتنفيذ عقود المشتريات التي كانوا يمثلون فيها الحكومة الأمريكية سابقًا.
في انتخابات عام 2022، أنفق المجمع الصناعي العسكري ما يقارب 101 مليون دولار على جماعات الضغط، وساهم بأكثر من 18 مليون دولار في الحملات السياسية. معظم هذه الأموال كانت تذهب إلى السياسيين – سواء كانوا من الجمهوريين أو الديمقراطيين – الذين يشاركون في اللجان التي تحدد الانفاق الدفاعي السنوي. وعليه، يمكن للمقاولين توقع الحصول على حصة كبيرة من أي انفاق يخصصه الكونغرس والبنتاغون. وهذا إن دلّ على شيء، إنّما يدلُّ على مدى تغوّل وتأثير المركب الصناعي العسكري في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية.
على مدى عقود، اعتمدت استراتيجية الولايات المتحدة الدولية على إشعال الحروب في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، نظرًا لأهميته الجيوسياسية في العقل الأمريكي. واليوم، تتركز الأنظار أكثر من أي وقت مضى على لبنان وسورية والعراق واليمن وإيران وفلسطين، وخاصة بعد أن أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لحكومة “إسرائيل” في استئناف الحرب ضدّ الفلسطينيين في الضفّة الغربية وغزّة من ناحية، وشن غارات شبه يومية على لبنان وسورية من ناحية أخرى. ففي الحرب الجارية، تسببت القوّة النارية الهائلة لجيش الاحتلال في مقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين في غزّة وتدمير مدن كاملة، وذلك باستخدام أسلحة قدّمتها الولايات المتحدة. وتتولى الأخيرة في نفس الوقت مهمّة ردع اليمن عن مساندة غزّة والضفّة الغربية، على الرغم من أن عدوانها على اليمن لم يؤت أكله في عهد الإدارة السابقة، وعلى ما يبدو لن يحقق الأهداف المرجوة في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فاليمن له خصوصية واستقلالية في محور المقاومة، إذ يتمتع بهامش مناورة وإمكانات تجعله مستمرًا في إسناد الشعب الفلسطيني حتّى وقف العدوان الإسرائيلي.
تُعدّ “إسرائيل” أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية، وقد تمّ ترجمة ذلك من خلال مذكرة تفاهم تمتد لعشر سنوات (2019 – 2028). فبحسب تفاصيل المذكرة، تقدم الولايات المتحدة سنويًا 3.3 مليار دولار كجزء من التمويل العسكري الخارجي، بالإضافة إلى 500 مليون دولار لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي. والنقطة التي لا ينبغي إغفالها هو دور اللوبي الصهيوني وتأثيره في السياسات الأمريكية، كان من أبرز الذين أثاروا هذه المسألة هما المنظّران الأمريكيان جون ميرشايمر وستيفن والت، حين أشارا في كتابهما المعنون “اللوبي “الإسرائيلي” والسياسة الخارجية الأمريكية” (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy) إلى مدى قوة اللوبي “الإسرائيلي” مثل إيباك (AIPAC) في دفع الولايات المتحدة بما فيها من أكاديميين وموظفيين حكوميين وعسكريين ورجال أعمال ووسائل إعلام عالمية إلى تبني سردية ومقاربة “إسرائيلية” صرفة من أجل الحصول على كلّ أشكال الدعم الديبلوماسي والعسكري على حدّ سواء.
ولا شك في أنّ الدول العميقة بكلّ عناصرها في الولايات المتحدة تستلهم سياساتها الخارجية تجاه الدول الأخرى من المذاهب الواقعية، فالواقعيون (Realists) على اختلاف آرائهم لا يعترفون إلا بالقوّة كمحدّد محوري للبقاء والحفاظ على أمن ومصلحة الدولة. ولعلّ أكثر ما تتبنّاه السياسة الخارجية الأمريكية في هذا المضمار، هو رؤية الواقعية الهجومية (Offensive Realism) التي نظّر لها جون ميرشايمر، والتي تفترض أنّ الدول بطبيعتها تريد أن تحصل على ما أمكنها من القوّة للوصول إلى الهيمنة. وقد تجلّى ذلك من خلال الحروب العسكرية والاقتصادية والناعمة التي شنتها الولايات المتحدة على الدول التي لا تدور في فلكها، ولا أدلّ على ذلك من أمثلة، هو حروبها في فيتنام وأفغانستان والعراق…، وتمكين حليفتها “إسرائيل” من احتلال فلسطين وقضم الأراضي من دول الطوق. لذلك، لا يمكن فصل سياسات واشنطن في الماضي والحاضر عن المدرسة الفكرية التي اعتمدتها على مدى عقود، وهي مدرسة ترتكز على لغة القوّة والهيمنة، بل إن هذه المدرسة ترى لغة العدالة في النظام الدولي مناقضة لرؤيتها الفكرية ونهجها العملي. هذه النظرة الواقعية لا تسري فقط على خصوم وأعداء الولايات المتحدة، بل تمتد أيضًا لتشمل حلفاءها الأوروبيين التقليديين، وإن كان ذلك بدرجة أقل وبخطاب سياسي أكثر اعتدالًا.
في نهاية المطاف، يمكن القول إنّ المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يتمتع بأهمية كبيرة في دوائر صنع القرار، يعمل منذ عقود على تأجيج الحروب وخلق الفوضى في العالم، بهدف إنعاش الاقتصاد الأمريكي من جهة، وتقويض استقرار الدول للتمكّن من الهيمنة عليها من جهة أخرى. واليوم، نرى مفاعيله في غزّة والضفّة الغربية ولبنان واليمن وسورية والعراق. الموضوع هنا يتجاوز الوضع المأساوي في غزّة، حيث يسعى الأمريكيون و”الإسرائيليون” إلى تشكيل شرق أوسط خالٍ من أي مقاومة، وقائم على قهر إرادة الشعوب والسيطرة على المقدرات، تمهيدًا للتطبيع الجديد الذي يعطي “إسرائيل” جرعة إضافية تضمن استمرارية وجودها في منطقة معادية لها شعبيًا، وإن طبّعت بعض الأنظمة العربية معها، فالأغلبية الجماهيرية في الوطن العربي ينظرون إلى “إسرائيل” على أنّها كائن لقيط وظرفي، لن ينعم بالاستقرار على المدى القصير والطويل. ويأتي ذلك، على الرغم من أن القوى المناوئة للمشروع الأمريكي – “الإسرائيلي” تمرّ بمرحلة من الأفول، ولا نبالغ إذا قلنا بأنّ هذه القوى لا تقاتل “إسرائيل” فحسب، بل “الحضارة الغربية” المتوحشة التي خسرت سرديتها ومصداقيتها أمام شعوبها لناحية ادعائها الدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير المصير (Self – determination)، وهذا ما انعكس في خروج مظاهرات جماهيرية من أعرق جامعات العالم تنديدًا بالجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني. ولعلّ الواقعيين الكلاسيكيين (Classical Realists) أصابوا حينما قالوا، إن القوى الكبرى هي عدو لنفسها بالدرجة الأولى، لأن الهيمنة التي يولدها النجاح، تدفع الفاعلين إلى النظر إلى أنفسهم ككيانات منفصلة عن مجتمعاتهم وأعلى منها، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان التوازن، مما يستدعي الحاجة إلى إعادة الأمور إلى نصابها وضبط النفس الجامحة.