البوابة نيوز:
2025-04-05@06:36:01 GMT

بدون كافيين فنجان هدوء لرجل حرب

تاريخ النشر: 15th, February 2024 GMT

لم أكن أتخيل أنني قد ألقى ذلك المشهد "فاضي شوية نشرب قهوة في حتة بعيدة".. تتحدث الأغنية لمن لم يسمعها عن دعوة لصديق أو حبيب أن يترك حياته من أجل فنجان قهوة محاط بالثرثرة حول حياة كل منهما. تقدم الأغنية الثرثرة كما لو كانت طريقة مثلى لإفراغ القلب من الوجع. كأن ما تحكيه مما يسيئك يغادر قلبك عن طريق لسانك.

ثم يشرع المطرب بعد ذلك في التندم على العمر الذي مضى دون أن يستغله كما يجب أن يكون هو وشريك القهوة. وجدت شابًا يهرب  من كل الضوضاء للهدوء. راقبت هدوءه. تذكرت ذلك التي تكررت أمامي في روايات عربية كثيرة "الهدوء الصاخب". تعلمت كيف أراقب الصخب في الهدوء. كاذب من يقول أن كل حالات الصمت متشابهة. هناك صمت ميت وآخر يحاول الموت وثالث يعلو صوته على الكل.

هو رجل حرب. يدير اليوم بطريقته وسط معارك لا يصنعها بل تأتيه وكأنها تبحث عنه. أخبرني أن عمله يأتي بها إليه. يصيد عمله المتاعب من تلقاء نفسه. لكنه لا يشعر بالراحة حتى يحقق النصر لنفسه. وهو ماهر في التخطيط بصمت لا يلاحظه إلا القليلون. لا بسبب أنه من هؤلاء الذين لا يملكون حضورًا. بل لأنه من الأذكياء الذين لا يريدون إلا جذب الأذكياء. يعلم كيف يتصرف لجعلهم مدار حوله. هو يمانع بشدة أن يسكن مدار أحد أيًا كان قربه منه. لكنه من الذكاء بمكان ليكون بصحبة أشخاص لهم مداراتهم الخاصة. هو لا يحب التابعين. ولا يتذكر أسماؤهم مهما قضى الوقت الطويل معهم. يعاني كثيرًا من محاولة تذكر أسماء هؤلاء. ليس سعيدًا بذلك. لكنه يشعر بالرضا في قرارة نفسه عن غيابهم عن ذاكرته. كأنه يختار ذلك ولا يصرح به.

في هذه الأيام ليس منا من لم يلاحقه الوجع واكتئاب الأحداث الصعبة. كل بيت يعاني وكل فرد يحاول أن يجد لحظات حياة مستقرة. هي أيام تذكرني بصوت الفرحة في نبرات صديقة مدرستي الثانوية ابنة بيروت "ميرفت" حين حدثتني عن فوز والدتها بلقب ملكة جمال المخبأ في حرب لبنان. كانت فخورة بأن الحرب لم تقتل فيهم حب الجمال حتى تحت الأرض. وتحت القصف. وفي ضوء الشموع الخافتة. انتخبوا أمها ملكة جمال من أجل حب الحياة الجميلة في أقل تفاصيلها. حملني ذلك لصوت طفل من غزة وهو يلعب الكرة مع رفقائه في أحد الشوارع ويقول" فيش مدرسة صار لازم نلعب. زهقنا من الحرب". جمل بسيطة تعبر أن الإنسانية تستطيع أن تجد طريقها لأوقات تحبها في أكثر الأوقات ظلامًا ووجعًا. 

وجدت على وجه رجل الحرب ابتسامة هادئة. كلامًا قليلًا. لكنه مدروس. ضحكات لا يعلو صوتها إلا قليلًا. للوهلة الأولى قد تظنه بريئًا لا خبرة لديه في الحياة لذا يراقب ويكرر عبارات محفوظة كأكلاشيه. وهو يريد ذلك. لكنه حين يفعل يظهر اختلافه. هو يجيد الذهاب بعيدًا في الأماكن الهادئة مع أشخاص يظنون أنهم يعرفونه. لكنهم يعرفون ما يريدهم هو أن يعرفوه. تأكدت خلال المرتين الأخيرتين التين رأيته فيهما أن هذا الشخص لا أحد يعرفه حقًا إلا نفسه. هو لا يتحدث ولا يطلب حتى الأشياء التي يريدها من أول مرة. لكنه يراقب ويفهم ويحرك الآخرين. كل هذا وهو في قلعة هدوئه بعيدًا يشرب القهوة ويدخن. أضحك كثيرًا حين أذكره. هو يجيد المفاجآت. تصرفاته تفاجئك بقوتها من قلب الهدوء. لأنها تصرفات تناسب التعامل مع الحرب لكنها ولدت في رحم الصمت.  

*أستاذة بقسم الإعلام – آداب المنصورة

المصدر: البوابة نيوز

إقرأ أيضاً:

صلاح الدين عووضة يكتب.. أأضحك أم أبكي؟!

 

ميني حكاية
أأضحك أم أبكي؟!
جلست ضحى أكتب..
وبما أن الكهرباء لم ترجع بعد – والطقس حار – فقد كان جلوسي في ظل شجرة بالخارج..
فأتاني مهرولا من بيته القريب ليترجاني الإشارة إليه في كتاباتي..
وكان يسرف في التظارف ، ويكثر من التودد..
فتساءلت في سري بكل معاني الدهشة: أتراه
نسي؟…أم يتناسى؟!..
فهو نفسه الذي أتاني بمثل هرولته هذه – قبل أشهر – يهددني بالدعامة إن لم أسدد له دينه..
ومبلغ الدين هذا 14 ألف جنيه عبارة عن قية أشياء اشتريتها منه ولما يمض عليه نصف شهرفقط..
فهو نائب فاعل ، أعني نائب تاجر ، حل محل صاحب المتجر الأصلي بعد حذفه..
بعد أن أضطرته ظروف الحرب إلى النزوح خوفا على بناته ؛ لا على نفسه..
ونائب الفاعل هذا هو جاره ، ومهنته حداد ، فاستأمنه على متجره ، وعى بيته أيضا..
وبما أن لديه زوجة ثانية فقد جلبها إلى البيت هذا ليستقرا فيه معا..
وأصبح تاجرا على حين فجأة..
إلا أنه – وعلى العكس من صاحب المتجر الأصلي – تاجر صعب ، صعب جدا..
ما كان يرحم ؛ ولا يضع اعتبارا لظروف الحرب القاسية هذه..
وتهديده لي بالدعامة هو عنوان واحد من عناوين تعامله مع الناس..
وهو في نفسه – سامي -ليس دعاميا ؛ ولكن يقال أن أصهاره كذلك..
وقد كنت شاهدا على اكتظاظ البيت في مناسبة عقد القران بالدعامة ، وعلى اصطخاب الجو بالأعيرة النارية..
ورغم إنه ليس دعاميا فقد كان على يقين ببقاء الدعم السريع إلى ما شاء الله..
وبما أن الدعامة باقون فهو باق كتاجر إلى ما شاء الله ،وكساكن في البيت الجديد إلى ماشاء الله ..
ثم هجم الجيش فجرا..
فتبين – صاحبنا – الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر حقائق الأشياء..
وسألني ضباط عن بعض الجيران من واقع معلومات أولية لديهم..
ومنهم صاحبنا نائب الفاعل هذا..
فأخبرتهم بما أعرفه ؛ بعيدا عن ضغينة التهديد بالدعامة تلك..
والآن هو يستعد – ومعه زوجته الثانية – إلى الرحيل بعيدا ؛ بعيدا عن المتجر ، وعن المسكن ، وعن الشعور بالعظمة..
وربما يعود إلى مهنته الأولى – والأصلية – كحداد..
والبارحة يطلب مني أن أكتب عنه..
وهاءنذا أفعل ؛ حبا وكرامة..
وليعذرني إن لم أجد ما أكتبه عنه سوى هذا..
وليالي حربنا هذه – وحتى نهاراتها هي محض ليال كالحة السواد – حبلى بكل ضروب المضحكات والمبكيات معا..
وأهل الدراما يسمون مثل هذه التناقضات الكوميتراجيديا..
إذن ؛ فتساؤلي – إزاء خاطرتنا هذه – في محله..
أأضحك أم أبكي؟!!.

مقالات مشابهة

  • دي بروين ينهي قصته مع مانشستر سيتي بصعوبة على نفسه
  • بعد اشتباكات بالمدينة.. هدوء حذر في صبراتة
  • صلاح الدين عووضة يكتب.. أأضحك أم أبكي؟!
  • كيان الاحتلال يقتل 100 طفل في اليوم والحصيلة تصل لـ322 شهيد
  • سر هدوء مسئولي الزمالك بشأن التجديد لـ زيزو.. إعلامي يطرح تساؤلا
  • عبث المليشيا.. وهمٌ يتجدد ومصيرٌ محتوم
  • طرفة الشريف: أخي كان متحمسًا لدوري في شارع الأعشى لكنه توفي قبل مشاهدته.. فيديو
  • بين قيود الأمس وأفق الغد: عقلٌ يتوق إلى التغيير لكنه يرتجف من الجديد
  • جامعة طنطا: العامل المصاب في واقعة السيرك يعاني من تهتك في اليد لكنه غير مهدد بالبتر
  • "هدوء ما قبل العاصفة".. سعر الذهب اليوم في بداية تعاملات الأربعاء 2 أبريل 2025