“دليل الطهي الحديث”: رؤية عمل المرأة السودانية من خلال كتاب اقتصاد منزلي باللغة العربية
تاريخ النشر: 15th, February 2024 GMT
“The Guide to Modern Cooking”: Viewing Sudanese Women’s Labor through an Arabic Home Economics Textbook
Heather Sharkey هيذر شاركي
تقديم: هذه ترجمة لبعض ما جاء في ورقة قدمتها هيذر شاركي (الأستاذة بجامعة بنسلفانيا الأمريكية) في يناير من عام 2014م لمؤتمر بباريس عنوانه "منهجيات إبداعية: التقاط قصص نساء الطبقات الشعبية العاملات في البيئة الحضرية الأفريقية، 1920 – 1970م".
المترجم
********** ********** ********
1/ ذكرت الكاتبة في مقدمتها أن الغرض من هذه الورقة الأولية preliminary هو تتبع تاريخ "النساء العاملات بأجر working women" – وأيضا تاريخ من يعملن في منازلهن women working بلا أجر. واستخدمت لهذه الدراسة كتاباً عربياً (سودانياً) للطهي من أجل تقديم بعض الرؤى والأفكار عن عمل المرأة في داخل الأسرة؛ وعنوان الكتاب هو "دليل الطهي الحديث" الذي صدر بقلم مدينة بابكر الغالي ونفيسة خليل جبارة، ونشرته المطبعة الحكومية عام 1973م بالخرطوم. وبالكتاب العديد من الرسومات التوضيحية (باللونين الأبيض والأسود).
عملت المؤلفة الأولى رئيسةً لقسم الاقتصاد المنزلي بمعهد تدريب معلمات المرحلة الثانوية، بينما عملت الثانية بكلية تدريب المعلمات. ويُعد هذا الكتاب "كتاباً دراسيا textbook" و"كتابا للطهيcookbook " في آن معاً، ويغطي جوانب متعددة في مجالات التغذية والنظم الغذائية والتمارين الرياضية، ويقدم نصائح في مجال "التدبير المنزلي" ووسائل نظافة البيت، وعدد من الوصفات الغذائية، مرتبة بحسب أنواع الأطعمة (أطباق اللحوم والخضروات، والحلويات الباردة والحارة، الخ). ويعتبر هذا الكتاب الآن من الكتب النادرة، وليس له ذكر في سجلات WorldCat (وهو فهرس موحد، تابع لمركز المكتبة الرقمية على الإنترنت، يجمع محتوى أكثر من 17900 مكتبة في حوالي 123 دولة وإقليم حول العالم)، وتوجد منه نسخة واحدة فقط في مكتبة الكونغرس، ليست للاستعارة. ولعل ندرة هذا الكتابة تعد رمزاً أو كناية عن تاريخ النساء الخفي (أو المخفي في الغالب)، والذي يتعذر الوصول إليه. ويجمع المؤرخون على أن كتب الطهي في كل اللغات ترتبط بعمل النساء في البيت، ولا تُقَوَّمُ بحسبانها أعمالاً جديرة بالتصنيف كأعمال أكاديمية / علمية. ولعل هذا ما يفسر عزوف المكتبات عن جمع مثل تلك الكتب وإدراجها في فهارسها.
غير أن التأمل في كتاب "دليل الطهي الحديث" يقدم لنا دروساً عديدة يجدر بنا ذكرها للقراء. فهذا الكتاب يكشف عن المواقف حول الحياة النسوية المنزلية والجمال والصحة والنظافة. إنه يقدم معلومات حول التكنولوجيا والثقافة المادية، مما قد يشير إلى الكيفية التي تغيرت بها البيوت حتى صارت تحتوي على مطابخ بها أجهزة مثل الثلاجات. إنه يعكس القومية / الوطنية والديناميات الطبقية. وعندما نشرت الحكومة هذا الكتاب في عام 1973م - أثناء فترة الهدوء بين الحرب الأهلية الأولى والثانية (بجنوب السودان. المترجم) - كان تعليم البنات في مرحلة الثانوي يتوسع باضطراد. وفي هذا السياق، خاطبت المؤلفتان الفتيات بحسبانهن عضوات في الطبقات الوسطى المتطلعة والطموحة في السودان (1)، بينما قدمت المرأة السودانية على أنها امرأة مثقفة وعصرية، وفي ذات الوقت تحترم التقاليد.
2/ ذكرت الكاتبة أنها قرأت هذا الكتاب أول مرة باعتباره "كتاب طهي"، ضمن كتب أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أجل دراسة أبعاد الطهي في الثقافة الدينية لدى أصحاب الديات السماوية، وكيف أن كتب الطهي تبرز تقاليد الطعام عندهم (مثل الجلوس معاً حول نفس المائدة، وكيف أن مشاركة الطعام معاً تعزز من الاحترام المتبادل والشعور بالانتماء للمجتمع). وأشارت الكاتبة أيضاً إلى أن ذلك الكتاب السوداني أثار اهتمامها، ليس كمجرد كتاب للطهي، بل بحسبانه كتاباً دراسياً يقدم نماذج (models) للنساء السودانيات كربات منازل عصريات وزوجات وأمهات. وتسآلت الكاتبة عن تصور المؤلفتين لقارئات الكتاب: هل كن بالنسبة لهما "نساء عاملات" (أي عاملات وموظفات يعملن مقابل أجر خارج المنزل) أم كن فقط نساء يعملن في بيوتهن (من دون أجر معلوم)؟ واقترحت الكاتبة أن يقرأ الناس هذا الكتاب في سياق تاريخ العمل، سَواءً أكانت النساء ينلن أجراً على ما يقمن به من عمل، أو لا يحصلن على شيء (وهو ما يسميه علماء الاجتماع "العمل الخفي invisible labor" ضمن الاقتصاد غير الرسمي informal economy). وذهبت الكاتبة إلى أن الحقائق والتخيلات الاجتماعية التي قدمها كتاب "دليل الطهي الحديث" تقدم أشياء مشتركة بين الكثير من أقطار العالم؛ ولها صلة خاصة بالولايات المتحدة ومصر وبريطانيا، وهي دول مثلت قنوات لأفكار الاقتصاد المنزلي التي شقت طريقها إلى السودان (في بداية القرن العشرين).
3/ ذكرت الكاتبة أن ارتباط كتب الطهي العربية بالنساء هو ظاهرة تاريخية حديثة نسبياً. ففي العصور الإسلامية الباكرة (بين القرن العاشر تقريباً إلى القرن الخامس عشر الميلادي) ظهرت أعداد كبيرة الكتب المخصصة للطهي التي ألفها رجال كانوا في الغالب يعملون في قصور الخلفاء والسلاطين (استشهدت الكاتبة هنا بمؤلفات ليلى زوالي ونوال نصر الله وغيرهما، وبعدد من الأوراق الحديثة (2)). غير أن كتب الطهي العربية (خاصة بأقلام النساء) بدأت في الازدياد في مصر مع ازدياد التعليم في القرن العشرين، واكتسبت الكثير من الشعبية في أوساط القراء. ويؤكد صدور كتاب "دليل الطهي الحديث" السوداني مدى التوسع الذي حدث في مجال محو التعليم وتعليم البنات بالسودان، وتحول ديناميات النوع الاجتماعي في تاريخ القراءة والكتب.
4/ تناولت الكاتبة أيضاً موضوع دخول "الاقتصاد المنزلي" إلى السودان عبر مصر، وذكرت بأن ذلك العلم كان قد ظهر بالولايات المتحدة لأول مرة في العالم إبان سنوات القرن التاسع عشر الباكرة، ليس فقط كمادة أكاديمية لها أبعاد نظرية وعملية، بل كحركة عالمية تقودها النساء. ودخلت تلك المادة إلى مصر عن طريق مدارس التبشير المسيحي التي بدأها الأمريكيون في خمسينيات القرن التاسع عشر، ثم دخلت للسودان بعد عام 1900م. وكانت الحكومة المصرية في عهد الخديوي إسماعيل قد افتتحت في عام 1873م مدرسةً للبنات أدخلت في مناهجها مادة أُسْمِيَتْ "الفنون المنزلية". وفي تسعينيات القرن التاسع عشر بدأ الكتاب الوطنيون في مصر في مناقشة فائدة إدخال مادة "التدبير المنزلي" لخلق بيوت وعائلات عصرية، الأمر الذي كانوا يرون أنه سيفضي لخلق دولة عصرية. ومع بداية القرن العشرين شرع بعض الكتاب بمصر في الدعوة لإدخال مادة "التدبير المنزلي" في المدارس، وكانت النساء في أذهانهم وهو يدعون لذلك. وفي بداية ذلك القرن قامت امرأة لبنانية اسمها ملكة سعد بإصدار مجلة سمتها "الجنس اللطيف"، كانت تنادي أيضا بالاعتراف بأهمية "التدبير المنزلي" في البيوت المصرية الحديثة. وسرعان انتقلت تلك الأفكار للسودان بعد الغزو البريطاني – المصري، الذي افتتح بعض الإرساليات في الخرطوم الكبرى، كانت تدرس فيها مواد الحساب والقراءة والكتابة، وتعلم البنات أيضا التطريز (شُغْل الإبرة) وصنع مفارش الوسائد والمناديل المطرزة. وعندما أفتتح بابكر بدري مدرسة للبنات في رفاعة عام 1907م قلد النموذج التبشيري في تعليم البنات وأدخل شُغْل الإبرة في منهجه أيضاً؛ وكان يعد ذلك التعليم الموجه خصيصاً للإناث نوعاً من التطور والحداثة. ولم يدخل بابكر بدري مادة طهي الطعام، ربما لأن شُغْل الإبرة والتطريز أسهل في مواده المطلوبة من تعليم مادة الطهي الذي يتطلب مساحة أكبر ومواد ومعدات أكثر، وماء للنظافة). ويجب تذكر أنه كان من النادر جداً أن تجد بنتاً أو امرأة في السودان قبل القرن العشرين تجيد القراءة والكتابة. وبعد أن بدأ تعليم البنات في المدارس بالسودان كن يدرسن نفس المواد التي كان يدرسها الأولاد، مثل الحساب والدين (3).
وفي عشرينيات وثلاثينات القرن العشرين فتحت بعض المدارس التبشيرية والأهلية التي كان تعلم البنات فصولاً للتدرب على شُغْل الإبرة والتطريز سُمي الواحد منها "بيت الخياطة" (4). وكانت السودانيات اللواتي افتتحن مثل تلك الفصول الخاصة قد تعلمن شُغْل الإبرة والتطريز في المدارس التبشيرية. وكانت التلميذات السودانيات يأتين لبيوت المدرسات ليتعلمن الطبخ والتنظيف والخياطة. وفي غضون تلك السنوات تواصل في مصر التقدم في مجال الاقتصاد المنزلي. ففي عام 1939م قامت إحدى العاملات في وزارة التعليم المصرية (واسمها فاطمة فهمي) بإصدار كتاب دراسي (من ثلاثة أجزاء) عنوانه "التعليم المنزلي". وتوالى بعد ذلك إصدار كتب الطهي وإدارة البيت حتى ستينيات القرن الماضي. ولعل تلك الكتب كانت بمثابة النموذج الذي احتذته مدينة بابكر الغالي ونفيسة خليل جبارة في كتابهما. غير أن المؤلفتين السودانيتين أرادتا إصدار كتاب طهي سوداني ليدرج ضمن منهج تعليمي سوداني، تأكيداً للاستقلال الوطني والمعاصرة في فترة ما بعد الكلولونيالية. ولكن القارئة / القارئ قد لا يجد بهذا الكتاب الكثير من المحتويات السودانية الخالصة.
5/ أهدت المؤلفتان كتابهما إلى "الطالبات وربات البيوت، على حد سواء"، وكانتا بهذا العمل تتابعان وتساهمان في حركة النساء العالمية ذات الأبعاد الأكاديمية والمهنية. ووصفت المؤلفتان كتابهما في المقدمة بأنه دراسة "للمعلومات العلمية والعملية" المتوفرة عن "مبادئ التغذية". وقدمتا نصائح حول تحضير وجبات غذائية للأسر النواتية / النووية (central families)، وليس للأسر الممتدة (extended families)، ويظهر ذلك من كميات وأحجام المكونات المذكورة في الوصفات. وتطرقتا للمواد والأجهزة المطلوبة للمطبخ العصري، وللصحة العامة. وخصصتا فصلاً كاملاً عنوانه "دراسة الغسيل" تناولت فيه طرق غسل الملابس والعناية بمختلف أنواع الأقمشة. وفي ذلك الفصل نصحتا القارئات بالتوسط والتعقل والاعتدال، والابتعاد عن الإسراف والتفسخ. وربطتا بين الغذاء وبعض الحالات الصحية مثل السمنة المفرطة وسوء التغذية، ونصحتا بممارسة التمارين الرياضية كسبيل للحصول على صحة جيدة. وكانتا تصوران "المرأة العصرية" بحسبانها "امرأة بيت / أُسرَوِيّة domestic" وعلمية "scientific" في ذات الوقت. وقدمتا في كتابهما الكثير من المعلومات العلمية عن الفيتامينات والمعادن وعن دورهما في الصحة. وجلبتا لذلك الغرض العديد من الجداول عن القيم الغذائية لكثير من أنواع الأغذية (بالجرام والنسب المئوية). وفي هذا افتراض بأن (كل) القارئات على علم وقدرة بتفسير المعلومات المقدمة بالكلمات والأعداد. وخصصتا فصلا كاملاً للأطعمة الموجودة بالسودان، مثل الحبوب والبقوليات والأرز، والخضروات والألبان ومنتجاتها. ومعظم ما ذكرتاه هي من الأطعمة التي توجد في كل مكان بالعالم تقريبا (generic). وغابت عن هذا الكتاب نباتات شائعة الاستخدام في السودان مثل الملوخية والبامية. وربما كانت المؤلفتان قد اعتمدتا في هذا الجزء على كتب طهي مصرية، كانت قد اعتمدت بدورها على كتب بريطانية أو أمريكية.
واحتوى الكتاب على العديد من الوصفات الغذائية، التي لا يمكن وصف بعضها بأنها "سودانية خالصة"، فهي في الأصل وصفات تركية أو مصرية أو البانية أو غير ذلك. وخلا الكتاب من أي وصفات تستخدم الذرة (sorghum) وهو عماد طعام غالب السودانيين (على الأقل في بدايات القرن العشرين). وخصصت المؤلفتان فصلا كاملاً (مخصص للمسلمين بالطبع) عن التغذية في شهر رمضان، وعما يُنْصَح بتناوله في الإفطار وقبل النوم من أطعمة تعيد للجسم حيويته وإماهته / ترطيبه، مثل سلطة الروب مع العجور/ الخيار، وشوربة الطماطم.
6/ يفترض هذا الكتاب أن من سيقرأنه هن نساء مسلمات ومتعلمات وذكيات ومتزوجات (أو على وشك أن يتزوجن)، ومسؤولات عن أسرة أو أسر، ولهن بيوت حديثة تتوفر فيها مختلف أنواع الأطعمة. ومثل هذا الكتاب مرغوب عند أفراد الطبقات الوسطى المتطلعة، التي تتمتع بأسلوب حياة يجمع بين العمل والترفيه، وبين الراحة والجدارة بالاحترام (respectability) مع أناقة متبسطة زاهدة (austere elegance). وقد يتساءل البعض عن أعداد النساء السودانيات القارئات لهذا الكتاب اللواتي يملكن من الموارد ما يمكنهن من بلوغ معاييره (العالية نسبياً. المترجم). فكم منهن يملكن أفران الغاز أو الكهرباء التي وردت في إحدى رسومات غلاف الكتاب، أو المُجمِّد freezer لصنع الآيس كريم، المذكور في فصل الأطعمة المجمدة. وكم من طالبات "الاقتصاد المنزلي" يعشن في حياة مثل تلك التي يصفها ذلك الكتاب؟ لا ريب أن الأجوبة عن مثل تلك الأسئلة تتطلب المزيد من البحث والتقصي، وإجراء الكثير من الاستطلاعات والمقابلات الشخصية، ودراسة الإعلانات في الصحف والمجلات عن المواد الاستهلاكية لتقييم أسعارها ومدى توفرها، وبحث تغيرات أنماط استهلاك الغذاء. كل هذا مع ملاحظة أن هذا الكتاب كان قد صدر في عام 1973م، أي عند بدايات هجرة السودانيين للعمل في دول النفط الغنية مثل ليبيا والخليج العربي.
7/ خلصت الكاتبة أن كتاب " دليل الطهي الحديث " يبعث برسائل مختلطة عن النساء، وعن أجسادهن وعن أنواع سلوكهن. فهو مثلاً ينصح النساء بالرياضة، ويصور في أحد رسوماته بالكتاب (ص 38) المرأة السودانية وكأنها "دمية باربي Barbie doll"، مفرطة النحافة، وذات قدمين طويلين، وصدر مدبب بارز. هل كان هذا المُؤَلَّف كتاباً نِسوِيّاً (feminist) أم هو ضد النسوية؟ وهل يعمل على تمكين الشابات وتعزيز احترامهن لذواتهن بمعاملتهن كمهنيات محليات في المستقبل؟ أم أنه يعمل على إعاقة طموحات النساء، ويعزز من استمرار اعتمادهن اقتصادياً على الرجال عن طريق شغلهن بصنع الكيك في البيت؟
*********** ************* *************
إحالات مرجعية
1/ يمكن الاطلاع على مقالين يتناولان الطبقة الوسطى بالسودان في هذا الرابطين: https://shorturl.at/sCIW0 و https://shorturl.at/DHNP9
2/ اُنْظُرْ على سبيل المثال Anny Gaul. Gastronomica. 19, 2, 2019. 87 – 95
3/ استشهدت الكاتبة هنا بمقال سابق له تجد ترجمة له في هذا الرابط: https://shorturl.at/qzHL2
4/ لآيات مبارك النور مقال في صحيفة "المجهر السياسي" عن "بيت الخياطة" تجده في هذا الرابط https://shorturl.at/IMU57
alibadreldin@hotmail.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الاقتصاد المنزلی القرن العشرین ش غ ل الإبرة هذا الکتاب الکاتبة أن الکثیر من فی هذا
إقرأ أيضاً:
فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
#سواليف
في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من #غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في #فلسطين المحتلة، حيث قصف #جيش_الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.
بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما “الميزان” الفلسطينية و”بتسيليم” الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.
هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال #السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب “أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا”.
مقالات ذات صلةبسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة “إكسيليا”، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية “الجرف الصامد”. تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع “ديسكلوز” في تحقيق يورط فرنسا في #جرائم_إسرائيل في حق أهل غزة أثناء #حرب_الإبادة الدائرة حاليا.
رمادية فرنسية
قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على #جرائم حرب يصعب إخفاؤها.
بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.
في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.
يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.
منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.
موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.
لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة “لوموند” أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج “بيغاسوس” للتجسُّس، حيث يقول المصدر: “نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك”.
أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط
في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة “لوموند” أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.
وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.
بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع “ديسكلوز” الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة “أورولينكس” الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.
يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة “آي إم آي سيستمز” الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.
فضيحة المُسيَّرات
مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ “الزنّانات”.
شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم “سرب الطيور النارية”، بحسب ما نشر موقع “إسرائيل ديفِنس”، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة “هيرميس 900” التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.
لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.
في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي “ديسكلوز” وثائق تُثبت تورط شركة “تاليس” الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة “هيرميس 900″، من بينها قطعة “TSC 4000 IFF”، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات “الصديقة” التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.
يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.
ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.
يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة “إيلبيت سيستيمز” الإسرائيلية المصنعة لطائرات “هيرميس 900” ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.
ورغم ذلك، يقول موقع “ديسكلوز” إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.
كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية “أمنستي” بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.
سكوربيون
تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع “أوريان 21” عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.
تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.
وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.
منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة “بوكو حرام”، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.
تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.
ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي “برنامج سكوربيون”.
لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى “تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات”، المعروف اختصارا بـ”سكوربيون”، وهو برنامج “ذكي” سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.
أهم نقطة في برنامج “سكوربيون” هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.
لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع “جي بي إس” خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة “إلبيت” الإسرائيلية، من أجل حرب “بدون ضوضاء”، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.
عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.
كل هذا وأكثر يوجد في برنامج “سكوربيون” الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبذلك يبدو الموقف “المحايد” الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.