لجريدة عمان:
2025-04-04@07:01:48 GMT

عبء الصمود

تاريخ النشر: 14th, February 2024 GMT

بطريقتين مختلفتين تمامًا تلقّى الناس الصورة -التي نشرها الجندي الإسرائيلي يوسي غامزو- لفلسطيني تحت التعذيب. جاءت صورة الرجل -جالسا على كرسي في إحدى مدارس مدينة غزة، وهو مقيد اليدين ومجرد من ثيابه باستثناء ملابسه الداخلية- كتوثيق آخر للانتهاكات المستمرة في القطاع. بشكل خاص لأن الحساب نفسه كان قد نشر قبلها مقطع فيديو للرجل وهو يسير بمرافقة الجند مقيدا لكن سليمًا، مما عنى أن جراحه تسبب بها تعرضه للتعذيب من قِبل آسريه.

حتى الرئاسة الأمريكية وجدتها -كما تجد «أحيانا» أمورا تحدث هذه الأيام في غزة- مزعجة للغاية!

أعادت هذه الصورة، وصور أخرى لأسرى فلسطينيين إلى الذاكرة فضيحة أبو غريب. الصور المنشورة للسجناء مثّلت بالطبع أدلة إدانة. الأوضاع المهينة التي ظهروا بها، جعل من يتناقلونها، أو من ينظرون إليها يحسون بالعار وبانقباض القلب. العار قادم من تماهٍ مع الضحية، خصوصا بالنسبة لمن يشتركون مع الضحايا في اللون والملامح، ومن يعتقدون أنه من غير المستبعد أن يكونوا محلهم يوما ما، ما دامت مصائرهم مرتبطة بأهواء أقوياء العالم المتنمرين. لكن العار أيضا قادم من الفرجة. من كون المرء يرى شخصًا ما يُهان، دون أن يدفعه ذلك لأن يتحرك، فيما يُشبه التواطؤ. والمُنكر الذي استعصى تغييره باليد واللسان، يُستنكر بالقلب، ويُصبح أضعف الإيمان أن يعمل جهده لئلا تُدوّر الصور.

حين نُفكر بمنطقية، نعرف أن العار يُفترض أن يلتصق بأولئك الذين يقفون -في الحقيقة- برأس مرفوع، بثقة وفخر في أزيائهم العسكرية الناصعة، حاملين أدوات التعذيب الصقيلة. لكنه لا يفعل. ما يحدث في الواقع هو أن الضحية تُعيّر بالجوع والإنهاك واليتم وقلة الحيلة في المعادلة غير المنصفة للعالم المتهكم. والمراقب المتعاطف، الذي يشعر أن هذه الصور تصرخ في وجهه لأن يفعل شيئا، يبحث عن وسيط يمرر عبره خزيه، هوانه، وانعدام حيلته. فتراه يتبنى مرة خطاب التباكي، من نوع «اعذروا تهاوننا وجبننا»، أو خطاب الأمثلة «يا لكم من أمثلة للبطولة والصمود».

عندما يُشاد بالصمود أو يُشجع على التحلي به من أفراد لا ينتمون للمجموعة التي يقع عليها الظلم -ليس بشكل مباشر على أي حال- ففي هذا إزاحة للمسؤولية من المتفرج إلى الضحية. يطلب المتفرج من الضحية أن تكون صبورة، وأن تتصرف وفق التصور الذي بناه المتفرجون عنها. «الصورة الخالدة للنضال» تتحول بشكل ما عائقًا أمام تغيير ظروف المُنتهكة حقوقهم، إذ إن ردة الفعل (الصمود) متسقة مع الفعل (الاحتلال، القتل، الأسر، التعذيب والإهانة)، ولا يُوجد بعد أي خَرق يستفز المتفرج للتحرك، أو يستلزم تدخله. والتعود على رؤية الضحية في وضع غير إنساني، رؤيتها كجثة، كجسد منتهك، يُرسخ صورة نمطية، تستديم عدم أنسنتها، وتُؤبد معاناتها. فالأم الفلسطينية سوپر-ماما، والطبيبة باسلة، والأسير لا يُمكن تقويضه.

الموت أهون من الإهانة - هذا ما نؤمن به. الجوع شيء يُمكن احتماله - نتخيل، البرد لدرجة ما، أما أن يُنال منك، أما انتهاك حرمة جسدك، فهذا يفوق الاحتمال. خطاب الصمود، خطابٌ يُطالب الآخرين باحتمال ما لا يُحتمل، ويضع عليهم وزرًا جديدا، فهم إن ضعفوا لوهلة، يأكلهم التخييب. ليس أصعب من رؤية طفلة تقول «أنا خايفة»، إلا سماعها تقول «أنا ما أخاف».

لنحتفظ بالفكرة المجردة «الموت أهون من الإهانة» الآن في بالنا، ولنُفكر بالواقعين تحت التعذيب والتهديد والإنهاك. إنهم يُفكرون على الأغلب: حسنًا سأموت وينتهي كل هذا. أو إذا كانت الفكرة أكثر تفاؤلا: سينتهي هذا، سأنجو، ويكون كأنه لم يحصل أبدا (لا أظن -بعد كل ما رأيناه ونراه يحدث ويشتد شراسة- أن فكرة القصاص تخطر ببالهم حتى). أقول إن المتعرضين للإهانة يُفكرون بهذا، دون أن يُدركوا على الأغلب أن ثمة متفرجا على تجربته، أن ثمة تذكارا وحشيا سيبقى حيّا إلى الأبد (أعني الصورة الملتقطة)، أن أمهاتهم -إن كان قد بقي لهم أمهات وأُخوة- سيتعرفن عليهم، فقط لتُفطر قلوبهن.

مع هذا، ثمة فارق في الصورة التي نتحدث عنها اليوم، مقارنة بصور أبو غريب مثلا. إذ لا ملمح لهذا العار (الذي قُلنا أنه لا يخضع للمنطق). إن ملامحه -على العكس- مرتاحة، وفي حين أن تأملات المتفرجين على صور أبو غريب لا تذهب أبعد من «أرجو ألا أكون مكان الضحايا»، تفتح هذه الصورة أُفقًا جديدا «لا أُريد أن أكون محلّه، لكني إذا ما حدث وكنت، فأُريد أن أكون مثله»، فتُغيّب الخيالات الجديدة الانفعال التلقائي، فلا يرى المتفرجون فيه بعد جسدًا مُهانًا، ويمضون متغنين بالصمود الذي لم يروا مثله.

لنا بالطبع أن نتأمل في أخلاقيات ذلك، لكن هذا يقع خارج إطار اهتمام هذا المقال. ما حاولتُ رصده هو فرادة هذه الصورة، والاستثناء الذي تصنعه بالرغم من تشككي الدائم -بشكل عام- حول خطاب الصمود.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

حطّم الرقم القياسي.. سيناتور أمريكي يلقي خطابًا مدته 20 ساعة ضد ترامب

ألقى سيناتور أمريكي ديمقراطي خطابًا احتجاجيًا حادًا ضد تصرفات الرئيس دونالد ترامب "غير الدستورية" في وقت متأخر من يوم الاثنين، ثم واصل خطابه، واستمر في خطابه حتى بعد أكثر من 20 ساعة يوم الثلاثاء.

أعاد خطاب السيناتور كوري بوكر إلى الأذهان المشهد الشهير في فيلم فرانك كابرا الكلاسيكي "السيد سميث يذهب إلى واشنطن" عام 1939.

وقال السيناتور البالغ من العمر 55 عامًا، والمولود في نيوجيرسي، وهو يُلقي خطابه: "أُنهي خطابي الليلة لأنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأن بلدنا في أزمة".

أضاف بوكر بصوتٍ مُتقطع: "هذه ليست أوقاتًا عادية في أمريكا، ولا ينبغي معاملتها على هذا النحو".

بدأ بوكر، المرشح الرئاسي السابق، خطابه في المجلس الساعة السابعة مساءً (23:00 بتوقيت جرينتش) يوم الاثنين، واستمر في حديثه حتى وقتٍ متأخر من ظهر يوم الثلاثاء.

انتقد سياسات ترامب الجذرية لخفض التكاليف، والتي دفعت كبير مستشاريه، إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، إلى تقليص برامج حكومية بأكملها دون موافقة الكونجرس.

وقال السيناتور إن استيلاء ترامب العدواني على المزيد من السلطة التنفيذية قد عرّض الديمقراطية الأمريكية للخطر.

وأضاف بوكر: "يتحمل الأمريكيون من جميع الخلفيات صعوباتٍ لا داعي لها والمؤسسات الخاصة في أمريكا، والثمينة والفريدة في بلدنا، تتعرض للتأثير والهجوم، بل والتدمير بتهور - بل وبشكلٍ غير دستوري".

وتابع: "في غضون 71 يومًا فقط، ألحق رئيس الولايات المتحدة ضررًا بالغًا بسلامة الأمريكيين واستقرارهم المالي، وهي الأسس الجوهرية لديمقراطيتنا".

ولأن عرقلة بوكر لم تحدث أثناء التصويت على أي مشروع قانون، فإنها لم تكن تقنيًا عرقلة لكن هذه هي المرة الأولى خلال ولاية ترامب التي يُعيق فيها الديمقراطيون أعمال مجلس الشيوخ عمدًا.

مقالات مشابهة

  • فقرات من كتاب العار
  • ???? خطاب مناوي .. شوية مع دول وشوية مع دول
  • مصرع شاب جراء التعذيب في إحدى معتقلات الدعم السريع بالخرطوم
  • عامان من الصمود.. «الحاجة عائشة» وقسوة حرب الخرطوم
  • بن غفير يفرض إجراءات عقابية على الأسرى.. ونادي الأسير يصفها بجرائم التعذيب
  • جشي من عيناثا: نطالب الدولة بأن تفي بالتزاماتها وتنفيذ ما ورد في خطاب القسم
  • رقم قياسي.. خطاب سيناتور يستمر لأكثر من 25 ساعة
  • حطّم الرقم القياسي.. سيناتور أمريكي يلقي خطابًا مدته 20 ساعة ضد ترامب
  • ما حقيقة مزاعم التعذيب في السجون التركية؟.. وزير العدل يرد
  • عودة الإسم القديم الجديد فی خطاب العيد !!