نشرت صحيفة "الكونفيدينسيال" الإسبانية تقريرا تحدثت فيه عن المفاوضات غير المباشرة بشأن وقف إطلاق النار في غزة التي لم تنقطع، على الرغم من وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو للشروط التي وضعتها حركة حماس الفلسطينية للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بـ "الوهمية".

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إنه من خلال وسطاء، من مصر إلى الولايات المتحدة مرورا بقطر، مازالت المفاوضات مستمرة عبر الوسائل الإلكترونية وفي القاهرة.



وكتب المعلق بصحيفة هآرتس الإسرائيلية عاموس هرئيل: "هناك مجال للمناورة"، مبديًا تفاؤلا غير عادي بشأن زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ويليام بيرنز إلى القاهرة للقاء الوفود المصرية والقطرية وربما حتى الإسرائيلية.

لكن هذه المفاوضات، حتى لو كانت من أجل وقف مؤقت لإطلاق النار لا تنهي الاحتلال الإسرائيلي لغزة، ولا تزال تواجه تحديات كثيرة، كما شهدنا في أحدث جولة من المفاوضات بشأن الشروط ورفض الاتفاقات بين إسرائيل وحركة حماس خلال الأسابيع الأخيرة.




وذكرت الصحيفة أنه بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على بدء الاجتياح البري لقطاع غزة، فإن إسرائيل لم تحقق بعد أهدافها بالكامل ولا يبدو أنها ستحققها. ورغم مستوى الدمار الذي لحق بمساحة تبلغ 365 كيلومترا مربعا، فإن الجيش الإسرائيلي لم يحتلها بالكامل ولم تطأ أقدام قواته بعد بعض مخيمات اللاجئين في وسط غزة وفي رفح، المدينة الحدودية مع مصر.

بالإضافة إلى ذلك، لم تقض الغارات على كبار قادة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني. ويتذكر الجنرال المتقاعد فرانك ماكنزي، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، على شاشة التلفزيون، أن الإسرائيليين "حددوا هدفا للقضاء على الطبقة السياسية والقيادية العسكرية لحركة حماس عند دخولهم". وأكد في الرابع من فبراير/شباط أن "هذه الإجراءات لم تكن ناجحة حتى الآن".

وفي الواقع، لم يشمل الاقتراح الأول للتوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وحماس، الذي تم إعداده في باريس في نهاية كانون الثاني/يناير من قبل ممثلين عن الولايات المتحدة وقطر ومصر، أي مطلب إسرائيلي بمغادرة القادة العسكريين للحركة المسلحة الفلسطينية غزة إلى المنفى في بعض الدول العربية.




وينص اتفاق باريس الأدنى على هدنة إنسانية على ثلاث مراحل. تبدأ الفترة الأولى لمدة ثلاثة أسابيع وتستمر في المجمل 135 يوما، وذلك وفقا لوكالة رويترز للأنباء. وخلال كل هذه الفترات، سيتم إطلاق سراح مجموعة من الرهائن الإسرائيليين البالغ عددهم 132 الذين تحتجزهم حماس والذين ما زالوا على قيد الحياة. ووفقا للجيش الإسرائيلي، قُتل حوالي 32 شخص لأسباب مختلفة، معظمهم بسبب القصف، وسيتم تسليم جثث الذين ماتوا في الأسر. وفي المقابل، سيتم إطلاق سراح مئات السجناء الفلسطينيين.

إلى جانب هذا الاتفاق الأولي، لا تزال هناك خمس عقبات رئيسية أمام إنهاء الحرب:

1.تطالب حماس بإطلاق سراح ما لا يقل عن 1500 أسير فلسطيني، وهو رقم مبالغ فيه في رأي المجلس الوزاري الإسرائيلي. وقبل بدء الحرب، كان هناك 4763 أسيرا فلسطينيا في السجون الإسرائيلية، لكن عددهم تضاعف منذ ذلك الحين. ومن بين الأشخاص الذين يؤمل إطلاق سراحهم مروان البرغوثي، أحد قادة فتح، المنافسة لحماس، الذي قضى 22 سنة خلف القضبان. وثلث الذين تم الإفراج عنهم كان محكوما عليهم بالسجن المؤبد. أما بالنسبة لأولئك الذين سيواصلون قضاء عقوباتهم أو هم في الاعتقال الإداري، تطالب حماس بتحسين ظروف سجنهم.

2.تريد حماس أن تؤدي هذه الهدنات الإنسانية المتسلسلة الثلاث إلى وقف نهائي لإطلاق النار. في المقابل، يرفض نتنياهو القيام بذلك لأنه يريد أن يكون له مطلق الحرية في استئناف الهجوم إذا رأى ذلك ضروريا. وقد أخبر الوسطاء القطريين والمصريين حماس أنه عندما تنتهي هذه الهدنات، فإن الضغوط الدولية سوف تجعل من المستحيل تقريباً على الحكومة الإسرائيلية العودة إلى الحرب. 

3.تطالب حماس الجيش الإسرائيلي بالسماح، في المرحلة الأولى، بالتنقل بحرية داخل غزة، وبعودة مليون ونصف مدني إلى الشمال المدمر، وأخيرا انسحابهم من القطاع بأكمله. لكن الحكومة الإسرائيلية مستعدة فقط لسحب جيشها من المراكز الحضرية الرئيسية.

4.تريد حماس من إسرائيل أن تمنع زيارة اليهود، برفقة الجيش، إلى المسجد الأقصى، حيث سمحت لهم الحكومة الإسرائيلية بهذه الزيارات ابتداء من سنة 2003، ويعتبر المسلمون هذه الزيارات بمثابة استفزاز.  وأطلقت حماس على هجوم السابع من تشرين الأول /أكتوبر اسم "طوفان الأقصى".

5.تطالب حماس أيضا بفتح جميع حدود غزة لدخول المساعدات الإنسانية عبرها قبل إعادة إعمار القطاع، وهو ما قد يستغرق ثلاث سنوات على الأقل. ومن جانبها، ترغب إسرائيل في فرض سيطرتها على ما يدخل غزة برًا لمنع إدخال الأسلحة عبر معبر رفح مع مصر. وبالتوازي مع ذلك، سيتعين على تل أبيب والقاهرة الاتفاق على الكيفية التي سيتمكن بها الإسرائيليون من مراقبة الأنفاق، المغلقة الآن، بين شبه جزيرة سيناء وغزة، التي جلبت حماس من خلالها الأسلحة إلى غزة. ومن الممكن إعادة فتح معبر إيريز الحدودي بين إسرائيل والقطاع، مؤقتا ولكن بأي حال من الأحوال لا يمكن لليد العاملة الفلسطينية العودة للعمل هناك بحسب السلطات الإسرائيلية.

الهجوم على الجيب الأخير

بالتزامن مع المحادثات الجارية في القاهرة، أمر نتنياهو يوم الجمعة جيش الاحتلال بتقديم خطة مشتركة إلى المجلس الوزاري الاسرائيلي لإجلاء 1.7 مليون لاجئ من غزة بالقرب من رفح والقضاء على الكتائب الأربع لحماس التي يُزعم أنها متحصنة في تلك المدينة الحدودية. لكن المهمة مستحيلة لأن هؤلاء المدنيين ليس لديهم مكان يذهبون إليه ولا وسيلة للسفر.




بيّنت الصحيفة أن الأمر بشن الهجوم الكبير الأخير يعني أنه، بين النصر الكامل الواضح وإعادة الرهائن، اختار نتنياهو الأول. ربما يكون هذا هو القرار المفضل لأغلبية حكومته المكونة من وزراء متشددين، ولكن ليس من قبل الرأي العام. ويكشف الاستطلاع الذي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، والذي نُشر الأسبوع الماضي، أن 51 بالمئة من الإسرائيليين يعطون الأولوية لإنقاذ الرهائن، في حين يفضل 36 بالمئة فقط القضاء على حماس.

من جهته، لم يحدد نتنياهو متى يجب أن يبدأ الجيش تنفيذ هذا الأمر. وتمثل رد الفعل الوحيد للحركة الفلسطينية في إصدار بيان تعلن فيه أن أي "عدوان عسكري واسع النطاق" من شأنه أن يضع حدا فوريا لأي مفاوضات.

أضافت الصحيفة أن الصحافة الإسرائيلية لم تحدد تاريخ بدء الهجوم المعلن، لكنها أشارت إلى أنه يجب أن يكتمل بحلول العاشر من آذار/مارس، عندما يبدأ شهر رمضان. ومنذ أعلن نتنياهو نيته الاستيلاء على رفح، تعرض لانتقادات شديدة من الغرب والعالم العربي، نظرا لأن الاستيلاء على تلك المدينة الأخيرة من شأنه أن يسبب مجزرة. وقد تجاوز عدد القتلى 28 ألفا، حسب وزارة الصحة في غزة.

ومن جانب آخر، كتب وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على موقع "إكس"، يوم السبت، أن "توسيع العمليات العسكرية إلى رفح سيشكل تهديدا خطيرا لحياة أكثر من مليون لاجئ فلسطيني في المنطقة وسيزيد من الكارثة الإنسانية". 

واستنكر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، التصعيد العسكري الإسرائيلي في رفح الذي يهدف إلى "طرد الفلسطينيين من أراضيهم". وهذا بالضبط ما تخشاه مصر: أن يهرب عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين من التفجيرات، ويقتحموا نقاط التفتيش في رفح ويدخلوا إلى سيناء.

وفي محاولة لمنع حدوث ذلك، حذر نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي من أنه سيعلق معاهدة السلام مع إسرائيل إذا اقتحم جيشها رفح وتسبب في رحيل أعداد كبيرة من المدنيين، وذلك حسب صحيفة وول ستريت جورنال. ولا ينبغي أن يُقلق هذا التعليق نتنياهو كثيرا، لأن مصر لن تعيد بأي حال من الأحوال فتح ملف الصراع مع إسرائيل.

وفي الختام، أبرزت الصحيفة أنه على الأرض، اتخذ السيسي إجراءات وقائية أخرى مثل تركيب كاميرات على الجانب المصري من تلك الحدود يمكن من خلالها توقع النزوح البشري. كما قام ببناء جدار خرساني يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، يعلوه سياج من الأسلاك الشائكة، لمنع الدخول الجماعي للفلسطينيين. وعلى عكس سوريا أو الأردن أو لبنان، لم ترحب مصر باللاجئين الفلسطينيين إلا نادرا منذ قيام إسرائيل في سنة 1948.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة إسرائيلية غزة حماس مصر الاحتلال رفح مصر احتلال حماس غزة رفح صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تطالب حماس الصحیفة أن

إقرأ أيضاً:

عملية ما قبل غزو تايوان.. هل اقتربت حرب الصين الكبرى؟

في مطلع أبريل/نيسان الجاري، أطلقت الصين سلسلة مناورات عسكرية واسعة النطاق، بمشاركة كافة أفرع جيشها تقريبا، من القوات البحرية والجوية والوحدات الصاروخية.

لم تكن تلك مجرد تدريبات روتينية، بل محاكاة متقنة لسيناريو يُشبه الغزو الفعلي لجزيرة تايوان، حيث بدا واضحًا أن بكين تختبر خطة منسقة جرى إعدادها بغية الاستيلاء على المجالين البحري والجوي للجزيرة، وتتخللها عمليات حصار للممرات البحرية، وهجمات على مواقع برّية وبحرية معادية في المنطقة.

خريطة لتايوان والبر الرئيسي للصين و"خط الوسط" بينهما (الجزيرة)

من الناحية العملياتية، شهدت التدريبات مشاركة 76 طائرة مقاتلة، و21 سفينة حربية، من بينها مجموعة قتالية لحاملة طائرات مكوّنة من 8 سفن، بالإضافة إلى سفن من خفر السواحل؛ اقتربت بشكل غير مسبوق من السواحل التايوانية، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع التايوانية.

لكن اللافت أن هذه المناورات جاءت بصمت مريب من قبل الحكومة الصينية، ودون إعلان المدة الزمنية المتوقعة لإنهاء التدريبات، أو تحديد مناطق الحظر البحري، كما جرت العادة. هذا الغموض، إلى جانب التعقيد اللافت في المناورات، دفع بعض المراقبين لوصفها بأنها أقرب ما تكون إلى "عملية ما قبل الغزو".

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الصين تعلمت الدرس من اليابان.. كيف تهزم البحرية الأميركية؟list 2 of 2كندا لترامب وأوكرانيا لبوتين وتايوان لشي.. ملامح النظام العالمي الجديدend of list إعلان

لم تكتف الصين بالتحركات العسكرية فقط، بل شنّ إعلامها بالتزامن، بحسب الواشنطن بوست، حملة شخصية شرسة ضد الرئيس التايواني، لاي تشينغ تي، شبّهته بالمجرمين التاريخيين مثل أدولف هتلر، وبأشرار من عالم ألعاب الفيديو! كما اتهمته بممارسة القمع وتصفية خصومه بأساليب "مكارثية". ورافقت الحملة الدعائية ضد الرئيس لاي ملصقات حربية تدعي أن الجيش الصيني "يضيق الخناق" على من وصفتهم "بانفصاليي تايوان".

فكيف يمكن قراءة المناورة الصينية؟ وهل ثمة تصعيد محتمل في الأفق تكشف عنه المناورة أم تضاف إلى سلسلة من المناورات التي اعتادتها الصين خلال السنوات القليلة الماضية في محيط تايوان رغم التعقيد العملياتي التي تشهده التحركات الحالية؟

إشارات غير معتادة

ثمة إشارات سياسية وعسكرية تطلقها هذه المناورات الصاخبة، فالصين تبدو وكأنها تلتقط اللحظة، مستثمرةً في قلق تايوان المتزايد من التردد الأميركي، لا سيما بعد مواقف إدارة ترامب المتقلبة تجاه دعم أوكرانيا.

وتحاول بكين تأكيد الرسالة التي لا شك أنها تقلق صناع القرار في تايوان، ومفادها أن واشنطن لن تقاتل من أجلهم، وأن دعمها للجزيرة قد يكون ظرفيا، وقد تُبادله واشنطن بمكاسب أخرى تتفاوض عليها مع الصين.

بيد أن ما يجري قد يكون أعمق من مجرد رسائل سياسية، فمن المحتمل أن يكون جزءا من استراتيجية متكاملة تهدف إلى تطويق الجزيرة بشكل مستدام، تمهيدًا لعمل عسكري مباشر.

وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن ثمة تحولا نوعيا في فلسفة التدريبات الصينية، فبينما كانت التدريبات في الأعوام السابقة تبدأ من الصفر، أي تنطلق من مرحلة بسيطة تتصاعد تدريجيًا. جاء عام 2025 بتبدّل لافت، إذ بدأ الجيش تدريباته من مستويات متقدمة وأكثر تعقيدا من الناحية التكتيكية، ما يعكس نضوجًا في التحضير واستعدادًا مختلفا.

وبصورة عامة، تزايدت الأنشطة العسكرية الصينية حول تايوان في الأشهر الأولى من العام الحالي، حيث تشير دراسة نشرتها كلية الحرب البحرية الأميركية إلى أن الجيش الصيني بات أكثر نشاطًا قرب تايوان مما كان عليه في الأعوام الماضية، مع زيادة العمليات اليومية، وزيادة وتيرة الدوريات والتدريبات.

إعلان

ووفقا للدراسة، ازداد عدد السفن الصينية العاملة في محيط تايوان خلال شهري يناير وفبراير حتى وصل إلى 419 سفينة، مقارنة بـ305 سفن في الفترة ذاتها من عام 2024، و218 فقط في 2023.

تدريب ولكن بطعم الحرب!

في المجمل لم يعد ممكنا قراءة التصعيد العسكري الصيني حول تايوان بكونه مجرد استعراض عضلات أو رسائل ضغط عابرة، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى ما يشبه "البروفات" الجادة لمعركة محتملة. فالمناورات التي تنفذها بكين باتت أقرب ما تكون إلى "تدريب قتالي واقعي"، يُمارس في ظل ظروف تحاكي ساحات القتال الفعلية، وسط تهديدات ملموسة، وتجاور خطير مع خصوم استراتيجيين بحسب وصف بكين.

ومفهوم "التدريب القتالي الواقعي" لا يعني مجرد حركة آلية للقوات، بل يشمل التمرين باستخدام الذخيرة الحية، في بيئات غير مستقرة وأجواء مناخية صعبة، وضمن سيناريوهات تقترب من واقع الحروب.

ما يجري في محيط تايوان، إذن، ليس عرضًا عسكريًا بحسب ما يرى عدد من الخبراء العسكريين، بل مختبرًا مفتوحًا للتجربة والخطأ، واستيعاب الدروس القتالية الحية.

تتعامل الصين مع محيط تايوان على أنه "ميدان تدريب ضد العدو"، حيث يُشكّل الوجود العسكري الأميركي والتايواني والياباني فرصة لا تُعوض لمحاكاة المواجهة الفعلية، بحسب الباحث "ك. تريستان تانغ"، الذي وثّق في تقريره مدى اقتراب الطائرات الصينية من نظيراتها الأميركية، في مناورات تنطوي على جرأة ومخاطرة محسوبة.

وتأكيدًا على مدى الجهوزية، يمكن النظر إلى التدريبات التي أجرتها الصين في فبراير/شباط 2025، والتي شهدت مشاركة واسعة لسفن إنزال برمائية من النوع "071"، وحوض مروحيات من الطراز "075"، إلى جانب مدمرات وفرقاطات وسفن دعم، في منطقة "جيا لو تانغ" جنوب غرب الجزيرة، وهو موقع يُعتقد أنه سيكون بوابة الإنزال الأولى في حال اندلاع الحرب.

وعلى مدار الشهور الأخيرة، صعّدت بكين من وتيرة الدوريات المشتركة بين قواتها البحرية والجوية حول تايوان، بمشاركة أصول من مختلف فروع الجيش، في نمط يؤكد أنها ليست مجرد طلعات استكشافية، بل تدريبات حقيقية تُختبر فيها الجهوزية وتُقاس فيها كفاءة التنسيق بين وحدات الجيش المختلفة.

إعلان

كل هذه المؤشرات ترسم صورة لبلد لا يخفي استعداده لاستخدام القوة من أجل "توحيد تايوان"، بل يبدو أنه يتقن استغلال هذه المناورات لاختبار ردود الفعل الإقليمية والدولية، وهو يبعث برسالة مفادها أن الصين لم تَعُد تتدرب فقط، بل تتهيأ.

هل اقتربت ساعة الصفر؟

ما تقدم من تحركات لا يمكن قراءته بمعزل عن الصورة الأشمل، التي تتشكل شيئًا فشيئًا حول تايوان، فالأفق بات ملبدًا بإشارات توحي بأن الصين قد تقترب من لحظة القرار العسكري. أحد أبرز هذه المؤشرات هو التوغلات الجوية المكثفة التي نفذتها الطائرات الحربية الصينية في الأجواء الدفاعية لتايوان، والتي تجاوزت 3000 مرة خلال عام 2024 وحده.

هذه التوغلات ليست فقط رسائل ضغط أو اختبار حدود، بل هي جزء من نمط محسوب يُسمى في أدبيات الصراع العسكري "حرب المنطقة الرمادية"، ذلك الفضاء المراوغ بين السلم والحرب، حيث تُمارس الضغوط والاستفزازات دون تجاوز العتبة التي تفرض ردًا عسكريًا تقليديًا.

وفق تعريف قيادة العمليات الخاصة الأميركية، فالمنطقة الرمادية هي حلبة تنافسية تتحرك فيها الدول والجهات الفاعلة دون الانزلاق الكامل إلى الحرب، لكنها تستخدم أدوات الحرب الخفية: إنهاك الخصم، جمع المعلومات، قياس ردة الفعل، وبث الخوف.

وفي هذا الإطار، تبدو التوغلات الجوية الصينية كأنها اختبار مستمر للدفاعات التايوانية، تهدف إلى استنزاف الموارد، ورصد نمط الاستجابة، واكتشاف مكامن الضعف، لا سيما في ظل الشكوك المتزايدة حول مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن الجزيرة.

وليس الأمر محصورًا في السماء، ففي البر والبحر، تعمل الصين على تعزيز أدواتها اللوجستية والهجومية استعدادًا لسيناريوهات أبعد من مجرد الضغط. ومن أبرز معالم هذه الاستعدادات ظهور ما يُعرف بـ "صنادل الإنزال المتخصصة"، المعروفة باسم "فئة شوكياو"، وهي آليات بحرية صُممت خصيصًا لنقل الدبابات والمدفعية والمعدات الثقيلة مباشرة إلى السواحل التي تفتقر إلى بنية تحتية مرفئية.

إعلان

ما يميز هذه الصنادل ليس فقط حمولتها، بل قدرتها على تشكيل جسور عائمة أو أرصفة مؤقتة، تُثبّت في قاع البحر بأرجل معدنية، لتسمح للمركبات بالنزول المباشر إلى البر، في ظل ظروف بحرية صعبة. وفي مشهد يُشبه البنية التحتية المتنقلة، وبذلك يصبح كل شاطئ وجهة محتملة للإبرار، وكل زاوية غير محصنة ثغرة يمكن اقتحامها.

وقد رُصدت بالفعل ثلاث من هذه الصنادل في حوض بناء السفن بمدينة غوانغشو في يناير/كانون الثاني 2025، قبل أن تلتقطها الأقمار الصناعية خلال اختبارات قبالة الساحل الجنوبي للصين في مارس/آذار الماضي، وهي تمد جسورها على الماء، وتحاكي لحظة الوصول إلى اليابسة.

ويرى فريق من محللي الدفاع أن هذه الصنادل تمثل حجر زاوية في استراتيجية الصين لغزو تايوان، إذ تمنح الجيش الصيني مرونة كبيرة في اختيار نقاط الإنزال، بعيدًا عن المواقع المُحصنة تقليديًا. إنها تُمثل الوجه العملي لما تُخفيه الصين من استعداد مدروس، وخطة مرنة، وإصرار يتجاوز التلويح بالقوة إلى محاكاةٍ دقيقةٍ لتفاصيل المواجهة.

في مجمل المشهد، تتقدم الصين بثبات نحو إعادة صياغة الجغرافيا السياسية في مضيق تايوان، لا من خلال الكلمات أو البيانات، بل عبر الصلب والحديد والسماء التي تضيق يومًا بعد يوم.

طائرة مقاتلة نفاثة تقلع من حاملة الطائرات الصينية شاندونغ، فوق مياه المحيط الهادي. (رويترز) استعداد شامل

هكذا تشير التطورات إلى جهوزية كاملة للصين لعملية الغزو تنتظر القرار السياسي، فقد تزايدت أعداد القوات الصينية قرب تايوان بشكل هو الأكبر على الإطلاق، واقتربت السفن الحربية من السواحل التايوانية إلى مسافة لا تتجاوز 6 كلم (مسافة تكاد تُلامس النبض الدفاعي للجزيرة).

وفي العمق التايواني، تكشف التحقيقات عن تزايد حالات التسلل الاستخباراتي، مع ضبط عملاء صينيين يعملون في مواقع شديدة الحساسية، ما يوحي بأن المواجهة بدأت فعلًا، وإنْ كان ذلك عبر وجهها الخفي.

إعلان

لكن الصين لا تكتفي بالتفوق العسكري وحده، حيث تبني أرضية قانونية متقنة تُضفي على مشروع الغزو ملامح "المشروعية"، فيما يعرف في أدبيات الحرب باسم "الحرب القانونية"، وفي هذا السياق، تسنّ بكين القوانين وتُفعّل النصوص التي تمنح غطاءً قانونيًا لأي تحرك عسكري تجاه تايوان، سواء أمام الشعب الصيني أو على طاولة الرأي العام الدولي.

ويشكّل مبدأ "الصين الواحدة" العمود الفقري لهذه العقيدة، حيث تُصوِّر أي خطوة تجاه تايوان على أنها شؤون داخلية بحتة، لا يحق لأي قوة خارجية التدخل فيها.

ويعزّز هذا التوجه قانون مناهضة الانفصال (2005)، الذي يتيح للصين استخدام "وسائل غير سلمية" إذا ما سلكت تايوان طريق الانفصال أو تعذّر تحقيق التوحيد السلمي. يضاف إلى ذلك قانون الأمن القومي (2015) وقانون الدفاع الوطني (2020)، اللذان يدمجان الملف التايواني في منظومة الأمن القومي الشامل، ليجعل من الحل العسكري أداة شرعية لا بديل عنها، إذا ما اقتضت الضرورة.

متظاهرون مؤيدون للصين الواحدة وآخرون يؤيدون تايوان في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة عام 2017 (رويترز) متى وكيف؟

في عام 2021، أطلق الأدميرال الأميركي المتقاعد فيل ديفيدسون تحذيره الشهير: الصين قد تكون مستعدة لضم تايوان بحلول عام 2027.

ومنذ ذلك الحين، تحوّلت "نافذة ديفيدسون" إلى محور في تحليل الإستراتيجية الأميركية في المحيطين الهندي والهادي. ويرى العديد من المحللين أن هذه النافذة يمكن أن تتسع لتشمل ما بين عامي 2024 و2028، لتشكل فترة مثالية لشنّ عملية عسكرية، في ظل جهوزية الصين المتصاعدة، والتصدعات الظاهرة في الجبهة الغربية، لا سيما بين ضفتي المحيط الأطلسي.

لكنّ بكين براغماتية على الدوام، لا تُراهن فقط على الضربة المفاجئة، فهناك سيناريو آخر، يطفو تدريجيًا إلى السطح، عنوانه "الحصار الخانق"، هدفه ليس غزو الجزيرة، بل البدء بعزْلها، وربما إخضاعها دون إطلاق رصاصة، ولو لم يحدث ذلك فربما يكون العزل مقدمة للغزو.

إعلان

فبحسب خبراء عسكريين تحدثوا إلى وول ستريت جورنال، فإن الصين طورت "قوة هجينة" تجمع بين العناصر العسكرية والمدنية، قادرة على تنفيذ حصار شامل يبدأ بضربة جوية تستهدف البنية التحتية الحيوية لتايوان، من المطارات والموانئ إلى محطات الطاقة والمنشآت العسكرية.

في هذا السياق تحلق المقاتلات، وتتغطى السماء بالطائرات المسيرة والمروحيات، بعد ذلك يبدأ بناء الحصار، حيث تدور السفن الحربية حول الجزيرة، محافظةً على مسافة من ساحل تايوان لتجنب الصواريخ المضادة للسفن المتمركزة على الشاطئ.

في قلب المشهد، تتربص مجموعة حاملة طائرات هجومية جنوب شرق تايوان، حيث تنطلق منها طائرات مقاتلة من طراز "جي-15″، هدفها ردع أي دعم خارجي، وتحديدًا الأميركي.

وعلى خط الساحل، ينتشر خفر السواحل الصيني، بينما تُزج السفن المدنية -من قوارب الصيد إلى ناقلات الشحن- لإغلاق الفجوات البحرية. فالصين تملك ما يمكن اعتبارها "مليشيا بحرية"، وهي عبارة عن سفن مدنية تعمل في الشحن أو الصيد تُنفّذ مهامّ عسكرية بغطاء مدني.

ولإبعاد السفن التجارية، ستزرع الغواصات الصينية ألغامًا في موانئ تايوان الرئيسية، ثم تعمل سفن الشرطة البحرية على مراقبة المنطقة وتمنع أي سفن أخرى من الاقتراب، كما ستوضع سفن شحن وسفن سياحة كبيرة عمدًا أمام الموانئ لمنع الدخول والخروج.

بعد ذلك، تبدأ عملية العزل السيبراني، فتسحب بعض سفن الشحن الصينية مراسيها على قاع البحر بهدف قطع كبلات الإنترنت التي تصل تايوان بالعالم، مع حرب إلكترونية صينية تستهدف قيادة الجيش التايواني والأنظمة المالية والمصرفية، مما يغرق البلاد في فوضى شاملة.

في ضوء هذه الصورة المتداخلة، من الجهوزية العسكرية إلى التعبئة القانونية، ومن التوغلات الرمادية إلى هندسة الحصار، تبدو الصين كأنها تسير بخطى مدروسة نحو هدفها التاريخي. قد لا تستعجل الحرب، لكنها في كل الأحوال لم تَعُد تخشاها.

إعلان

مقالات مشابهة

  • باحث: الاحتلال يرتكب إبادة جماعية بغزة لخدمة بقاء نتنياهو السياسي
  • إسرائيل تعلن اغتيال سعيد الخضري بغزة بزعم انه صراف مركزي لحماس
  • 17 قائدا أمنيا يواجهون نتنياهو: خطر وجودي يهدد إسرائيل
  • إسرائيل: العمليات في غزة ستتوسع تدريجياً وهذا هو الطريق الوحيد لوقف الحرب
  • أطفال غزة يدفعون الثمن.. قنابل أمريكية وحرب لا تنتهي لإطالة عمر نتنياهو
  • نبي الغضب الإسرائيلي يتحدث عن ضربة استراتيجية خطيرة لأمن إسرائيل في سوريا.. ما علاقة تركيا؟
  • خبراء قانونيون إسرائيليون يطالبون بالتحقيق في جرائم الحرب بغزة
  • “حماس”: الإدارة الأمريكية شريكة في ارتكاب مجزرة مدرسة “دار الأرقم” في غزة
  • "يموتونا ويريحونا من هاي العيشة".. نزوح مئات الآلاف من رفح بعد عودة الاحتلال الإسرائيلي
  • عملية ما قبل غزو تايوان.. هل اقتربت حرب الصين الكبرى؟