أخلاق الحرب في غزة
أخلاق الحرب تختلف عن أخلاق السلم لكنّ الأهم هنا هو الادعاءات الصهيونية بأنهم الجيش الأكثر أخلاقية في العالم!
الصورة التي قدمتها المقاومة بغزة هي الجبهة الأساسية للانتصار على توحش الاحتلال والمعين الذي تستمدّ منه قضية فلسطين ألقها في الخارج خاصة.
تكبد جيش الاحتلال أضخم خسائره الأخلاقية أمام العالم، بعد انكشاف طبيعة الاحتلال المتوحشة وهمجية المحتل وارتكابه بعض أكبر الجرائم ضد الانسانية.
المقاومة في غزة ملتزمة أخلاقيا بمنطلقات دينية عقائدية تمنع أي خرق أو تجاوز أخلاقي خلال الحرب، تفقدها مصداقيتها في غزة والعالم الإسلامي ويسيء لقضية فلسطين.
* * *
خلال الأشهر الأربعة التي هي عمر المذبحة الكبيرة ضد شعب غزة، شاهد العالم دروسا في أخلاق الحرب بين كلا الطرفين سواء من خلال معاملة الأسرى والرهائن أو من خلال التعامل مع العدو.
أخلاق الحرب تختلف عن أخلاق السلم لكنّ الأهم هنا هو الادعاءات الصهيونية بأنهم الجيش الأكثر أخلاقية في العالم.
بالنسبة إلى المقاومة في غزة فإنها ملتزمة أخلاقيا بمنطلقاتها الدينية العقائدية الذي تمنعها من أي خرق أو تجاوز أخلاقي خلال الحرب، يمكن أن يفقدها مصداقيتها في غزة وفي بقية العالم الإسلامي ويسيء إلى القضية الفلسطينية نفسها.
لا يمكن بناء عليه لرجال المقاومة خسارة الجبهة الأخلاقية للحرب لأنها هي التي خلقت حجم التعاطف العالمي الكبير مع نضال الشعب الفلسطيني.
لقد أبصر العالم على الشاشات كيف تمت معاملة الأسرى وكيف خرجت الدفعات الأولى منهم وهي تثني على رقيّ التعامل الأخلاقي معهم، رغم كونهم جنودا وأسرى حرب في منطقة محاصرة تتعرض للقصف بأطنان القنابل كل يوم.
إن الصورة التي قدمتها المقاومة في غزة هي الجبهة الأساسية للانتصار على توحش الاحتلال وهي المعين الذي تستمدّ منه القضية الفلسطينية ألقها في الخارج على وجه الخصوص.
أما على الجهة المقابلة فقد تكبدت فيالق المحتل أضخم خسائرها الأخلاقية، بعد أن انكشفت أمام العالم الطبيعة المتوحشة للاحتلال وهمجية المحتل. إن حصار مليونين ونصف من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال ومنع الغذاء والماء والدواء عنهم وقصفهم يوميا بالقنابل والصواريخ، يعتبر في حد ذاته واحدة من أكبر الجرائم ضد الانسانية.
إضافة إلى ذلك ارتكب العدوّ الصهيوني جرائم ساهمت بشكل كبير في كشف الصورة الأخلاقية الحقيقية للمجتمع الصهيوني، من خلال تصريحات المسؤولين السياسيين والإعلاميين الذين يطالبون بقتل النساء والأطفال في غزة.
لأول مرة في تاريخ الحروب الحديثة تقريبا نجد مسؤولا سياسيا وحتى دينيا يطالب بقتل الأطفال وحرق غزة بالقنابل النووية. ارتكبت في غزة كل الجرائم كهدم البيوت على ساكنيها والتعذيب في السجون والمعتقلات وقنص النساء والأطفال وقصف المستشفيات والمدارس واغتيال المرضى على أسرّة العلاج.
لم تنجح آلة الدعاية الصهيونية هذه المرة في إخفاء معالم الجريمة، بعد أن شاهد العالم إلى أي مدى وصلت بشاعة الجرائم والتطهير العرقي في غزة.
لم يصدّق كثيرون كيف لشعب يدعي المظلومية وأنه ضحية المحرقة النازية أن يرتكب مجازر تفوق في بشاعتها كل ما ادّعاه، بل يرى كثيرون أن الهزيمة الأخلاقية للجيش الصهيوني إنما هي المقدمة الحقيقية لنهايته الوجودية.
*د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون، باريس
المصدر | الوطنالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: غزة المقاومة إسرائيل الاحتلال التطهير العرقي الجيش الصهيوني العدو الصهيوني قضية فلسطين فی غزة
إقرأ أيضاً:
القوى العظمى تتسابق في حيازة القوة الفتاكة
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا، عن طائرة أو مقاتلة أف 47، وهي مقاتلة من الجيل السادس، كان قد تم تجريبها في تحليق تجريبي لمدة خمس سنوات بصورة سرية، وسيتم إنتاجها من قبل شركة بوينغ خلال سنتين، وستدخل الخدمة في القوة الجوية خلال رئاسته، وستجعل أمريكا عظيمة في مجال التفوق الجوي على مستوى العالم، حسب قوله.
وفي مقال لريبيكا غرانت في «فوكس نيوز»، نشر مؤخرا؛ جاء فيه أن الهدف من هذا التطوير في المجال الجوي ليس بسبب روسيا وإنما الصين. فالصين في السنوات الأخيرة كانت قد سبقت أمريكا في مجال القوة الجوية، وصناعة مقاتلات من الجيل السادس، وهي ج 36، ج 50.
إذن هو سباق تسلح بين القوى العظمى في العالم، على خلفية الصراع أو الحرب في أوكرانيا، وجهود أمريكا ترامب في وضع حد لها، بمعزل عن الإرادة الأوروبية، وبالذات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، هذه الدول الكبرى التي تشكل العمود الفقري، أو عمود القوة والإمكانية في مواجهة روسيا، التي بدأت تولي أهمية قصوى لتطوير قدراتها العسكرية وفي جميع المجالات. ألمانيا رصدت في الموازنة الحالية أكثر من ترليون يورو، منها 550 ترليون لأغراض الدفاع، بريطانيا أيضا، أولت أهمية كبيرة للتطوير الدفاعي على حساب الرفاهية، وفرنسا أيضا. إذن هو سباق تسلح، ربما لاحقا أيضا تحت ضغط التحولات والتغييرات المفترضة او المرتقبة، وبالذات بين روسيا والاتحاد الأوروبي؛ ينتج من هذا التسابق التسليحي؛ رفع مخزون القدرات النووية، ولو بطريقة خفية وتحاط بالسرية.
من المفارقات وازدواج المعايير في العالم، الذي تشرف عليه وتقوده، هذه الدول، سواء الكبرى، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أو العظمى، أمريكا والصين وروسيا؛ الظلم وانعدم العدالة والإنصاف.. إنه حقا؛ عالم يسود فيه الظلم بأوضح صورة. سباق التسلح؛ أساس أو مرتكز لفرض الهيمنة والنفوذ على كل بقاع المعمورة؛ عن طريق احتكار القوة والقدرة والإمكانية العسكرية، بحيث لا يكون هناك منافس لهم في العالم، ليستمروا لأطول مدى؛ هم الأقوى، وهم من يفرضون إراداتهم على الدول الأخرى، التي ليس في حوزتها، أو ليس لها القدرة العلمية والتقنية في إنتاجها محليا، كما في هذه الدول المتغولة، إنتاجا لزيادة ما في مخازنهم من أسلحة القوة والفتك والدمار وزرع الخراب في أي مكان من العالم، يختلف معهم أو لا يخضع لهم، أو لا تتماشى سياسته مع برامجهم في الاحتواء والاستحواذ، ومصادرة القرار الاقتصادي والسياسي وبالتالي تكسير أطر السيادة.
في الحرب في أوكرانيا؛ دولة عظمى هي روسيا غزت دولة أخرى مستقلة وذات سيادة. لم يصدر قرار من مجلس الأمن الدولي، بوقف الحرب، والانسحاب من أراضي أوكرانيا؛ لأن روسيا، قوة نووية عظمى، وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، بل على العكس تماما؛ يجري الآن البحث عن طريقة لإيقافها، بتلبية كل ما تريده روسيا وبمعاونة أمريكا ترامب، إنها القوة ولا شيء آخر غير القوة، وبالذات القوة والقدرة النووية؛ خوفا من أن تنزلق الحرب إلى حرب نووية، لتكون كارثة على الجميع، إضافة ونتيجة لمخرجات نهاية الحرب في أوكرانيا؛ هناك ملفات أخرى تنتظر التسويات كجزء من حزمة متكاملة؛ وهذا ما صرح به مؤخرا لافروف وزير خارجية روسيا، من قبيل التعاون في حقول الطاقة والفضاء والقطب الشمالي، أي الهيمنة والسيطرة على ما هو موجود تحت الثلوج؛ لتقاسم الاستثمار فيه، من دون تقاطع أو اختلاف، أو صراع على الثروات الموجودة هناك. من السخرية أن أوكرانيا ستمنح أمريكا الاستثمار في المعادن النادرة، أو بالأحرى المعادن بصورة عامة، مقابل استمرار الدعم الأمريكي ليس في مواصلة الحرب، بل في المساعدة والدعم الأمريكي لها للحصول على أكبر قدر من (التنازلات الروسية) وفي الحقيقة هي ليست تنازلات، بقدر المحافظة على أكبر ما يمكن من الحقوق، التي هي أصلا حقوق أوكرانيا قانونيا وشرعيا. ويأتي من يقول لك، إن هناك في العالم عدالة، وقانونا دوليا، تحترمه كل الدول العظمى والكبرى، وإن للشعوب التي تتعرض للحرب والغزو والعدوان من قوى دولية، أو من دولة لا قبل لها في صدها ومقارعتها؛ قانونا دوليا يحميها، ويحافظ على رضها وشعبها وخيراتها من النهب والسلب.
من وجهة نظري فإن سباق التسلح بدأ الآن، وسيستمر أفقيا وعموديا، تراكم في الإنتاج والنوع عبر تمتين وترصين بحوث التطوير والابتكار في الحقل العسكري، وحتى في الحقل النووي، سواء في زيادة المخزون، أو في تطوير نوعيته، أو تطوير نواقله، جوا وبرا وبحرا. بينما يجري وفي الوقت عينه، أمام كل العالم الذي يسمي نفسه، العالم الحر، أو للدقة في التوصيف الموضوعي، الذي تنتجه حركة الواقع على الأرض؛ عالم القوة والجبروت؛ حرمان دول العالم الثالث، حتى من امتلاك برامج نووية للأغراض السلمية، دورة الوقود النووي، في توليد الطاقة الكهربائية، أو في الحقل الطبي او الزراعي، أو في البحث العلمي والطبي، أو في غير هذا وذاك؛ من مجالات الحياة؛ خشية أن يتحول ذات يوم إلى إنتاج السلاح النووي. لافروف في مقابلة له مؤخرا، قبل أيام، مع قناة روسيا الأولى الفضائية، قال التالي، كما ورد نصا: أدلت بكين مرارا وتكرارا بتعليقات ويمكن تلخيصها؛ بأن الترسانة النووية الصينية لا تتناسب مع الترسانات النووية للولايات المتحدة وروسيا. وبمجرد الوصول إلى مستوى مماثل، سيصبح من الممكن التفكير في كيفية تفاعل القوى النووية في المستقبل. ونحن نواصل العمل في الدول الخمس النووية على مستوى الممثلين لدى الأمم المتحدة. ترجمة صيغة «غورباتشوف – ريغان» التي تقول، إنه لا يمكن أن يكون هناك منتصر في أي حرب نووية، وينبغي عدم إطلاق العنان لذلك، إلى صيغة مكونة من خمسة أطراف. وقد كررت «الخمسة» النووية بأكملها هذه الصيغة. وما يتم مناقشته هناك هو في المقام الأول تدابير لبناء الثقة، غير مرتبطة بأي تخفيضات، أو حتى بمناقشة المعايير الكمية للترسانات النووية للدول، وتجنب أي حوادث.
ما قاله لافروف وزير خارجية روسيا؛ يعني في المقام الأول، إنه لا وجود لحرب بين القوى النووية الخمس، وهذه التوافقات أو الاتفاقات لا تعني التخفيض، ولا تعني عدم الزيادة في الكم والنوع. لافروف لم يقل عن أربع دول نووية أخرى في العالم، الهند، باكستان، الكيان الإسرائيلي، كوريا الشمالية، والأخيرة ارتبطت على خلفية الحرب في أوكرانيا؛ باتفاقية شراكة استراتيجية مع روسيا. في 1990 أو عام 1991؛ صدر قرار من مجلس الأمن الدولي، بإرادة أمريكية صرفة، بنزع أسلحة العراق، النووية والبيولوجية والكيماوية. في هذا القرار، فقرة ج؛ هذه الفقرة تقول؛ نزع أسلحة الدمار الشمال في كل دول المنطقة، أو في الشرق الأوسط، وجعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، والمقصود هنا هي إسرائيل. تخلص العراق من أسلحة الدمار الشامل، وبسبب كذبة بوش؛ بأن العراق لا يزال يحتفظ بأسلحته؛ تم غزوه واحتلاله وتدميره. بينما لم يتم نزع أسلحة الكيان الإسرائيلي، بل لم يجر أي حديث عن ذلك، لا من أمريكا ولا من أي دولة عظمى أو كبرى، من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي حتى الآن. والشيء بالشيء يذكر؛ الاحتلال الإسرائيلي، منذ أكثر من سنة ونصف السنة، يقوم بمواصلة جريمته في الإبادة الجماعية للشعب الغزاوي الفلسطيني، بمشاركة أمريكا؛ لم تشهد البشرية مثيلا لها في كل تاريخها. لم يصدر قرار ملزم، من مجلس الأمن الدولي بإيقاف هذه المذابح، خصوصا أن الاحتلال الإسرائيلي، وأمريكا ترامب أيضا؛ أعلانا جهارا؛ أن الهدف، هو تهجير الفلسطينيين من غزة؛ كما حدث حين ارتكب العراق خطيئة غزو واحتلال الكويت. لم يدعم عرب السلطة، دعما حقيقيا، المقاومة الفلسطينية سواء في غزة أو في الضفة الغربية؛ خشية من رد الفعل الأمريكي، وربما لأسباب أخرى.. هذا يعني أن حيازة القوة الفتاكة؛ تستخدمها القوى العظمى في تحقيق أهداف ومصالح غير مشروعة، بارتكاب جرائم مباشرة أو بأيادي الوكلاء.
(القدس العربي)