إسرائيل أزمة تلد أخرى
تاريخ النشر: 8th, February 2024 GMT
بقلم جاسم الحلفي ..
لم ينقذ عدم تأييد الكنيست الإسرائيلي الاثنين الفائت، اقتراح حجب الثقة عن حكومة بنيامين نتنياهو، الذي طرحه حزب “هناك مستقبل”، حكومة اليمين المتطرف من ازمتها المتفاقمة، وهي تواجه عدة ملفات حرجة في آن واحد. فهناك اعتصامات عوائل الرهائن المستمرة، ومطالباتها بوقف اطلاق النار وإعادة الرهائن، وهناك تصاعد وتيرة التظاهرات الغاضبة في الشوارع والساحات، وتداعيات قرار محكمة العدل الدولية، والقضايا المرفوعة امام محكمة الجنايات الدولية، والتظاهرات الأسبوعية للحركة الاجتماعية العالمية، الساخطة على دوامة حرب الإبادة التي ينفذها جيش الاحتلال، وفشل هذا الجيش في تحقيق أيّ هدف معلن، وكلفة الحرب وصعوبة ادارتها على أكثر من جبهة، وتفاقم الخلافات داخل المجلس الأمني المصغر بين نتنياهو وقادة الجيش، وأزمة الثقة بين نتنياهو وعدد من وزرائه وفي مقدمتهم وزير دفاعه يواف غالانت الذى يصطف معه زعماء اليمين المتطرف.
وكما هو حال المستبدين الذين يعيشون في وهم امتلاك القدرة المطلقة على تحقيق ما يرمون اليه، ما زال نتنياهو مع وزراء حكومته المتطرفين منفصلين عن الواقع، غارقين في أوهامهم الدينية، ورافضين ادراك حقيقة فشلهم في اخضاع شعب فلسطين، وكسر ارادته الحرة.
وقد أعاد نتنياهو تأكيد أهدافه التي اعلنها قبل شن العدوان على غزة، اذ قال في اجتماع حكومته يوم 4شباط الجاري إن “إسرائيل لن تنهي الحرب قبل أن تكمل جميع أهدافها: القضاء على حماس، وعودة جميع الرهائن، والتأكد من أن غزة لن تشكل بعد الآن تهديدا لإسرائيل”. والمضحك هو انه بينما كان يصرح بذلك، ناقشت حكومته تفاصيل الهدنة ومقترح وقف القتال في قطاع غزة. وأسهم هذا في تصعيد وتيرة الخلاف بين نتنياهو ووزراء في حكومته. والمضحك اكثر هو انه بعيدا عن اجتماع الحكومة المشار اليه، كان الفريق التفاوضي الإسرائيلي يعكف على وضع النقاط على حروف صفقة تبادل الاسرى المزمع إعلانها قريبا.
ويتضح ان فشل نتنياهو في تحقيق أيّ هدف من الأهداف المعلنة المذكورة، رغم مرور 120 يوما على اعلان الحرب، انما يكشف الفشل المركب الذي يعصف بحكومة اليمين المتطرف في تل أبيب. كما كشفت الحرب على غزة مدى تفكك المجتمع الإسرائيلي الهجين وتصدع نسيجه، فضلا عن هشاشة مشروع (الدولة القومية) ذات الطابع الديني والعنصري الاستيطاني الاحتلالي، وجميع حكوماتها التي مارست نهجا فاشيا عدوانيا سافرا.
وفي هذا السياق ليس هناك ابلغ مما توصل اليه المؤرخ الإسرائيلي “إيلان بابيه”، وهو يتحدث
عن “انكشاف الطابع العنصري الوحشي للكيان الإسرائيلي، وتجاوزه للأعراف والقوانين الدولية”. وهو يضيف قائلا ان “هذا العنف الإسرائيلي ليس جديدا فهو الوجه الدائم للصهيونية منذ تأسيس إسرائيل. ولذا فإن الحكومة الإسرائيلية ليس بمقدورها لعب دور الضحية، خاصة وأن قطاعات كبيرة من المجتمع المدني الغربي، لا يمكن خداعها بسهولة بهذا النفاق الذي تجلّى عند المقارنة مع الموقف من حالة أوكرانيا”.
جاسم الحلفي
المصدر: شبكة انباء العراق
كلمات دلالية: احتجاجات الانتخابات البرلمانية الجيش الروسي الصدر الكرملين اوكرانيا ايران تشرين تشكيل الحكومة تظاهرات ايران رئيس الوزراء المكلف روسيا غضب الشارع مصطفى الكاظمي مظاهرات وقفات
إقرأ أيضاً:
نتنياهو والصراع الداخلي ضدّه
تصاعد الصراع الداخلي ضد نتنياهو، بعد إطلاقه الحرب الثانية على قطاع غزة في 18/3/2025، إلى مستوى لم يعهده من قبل، طوال عهوده، في رئاسة الحكومة.
فنتنياهو تمرسّ في مواجهة خصومه الداخليين، والإفلات من الأزمات التي كان من الممكن أن تطيح به. ولكنه في هذه المرة، يواجه مستوى من الصراع الداخلي والتأزيم، راح يتهدّده بالسقوط، لا سيما إذا تحوّل التظاهر إلى الإضرابات، وأشكال العصيان المدني.
لو كان وضع الكيان الصهيوني، كأيّ دولة طبيعية، مشكّلة تاريخياً، لكان من السهل، توقع تطوّر ما يجري، من تظاهرات وصراعات داخلية، إلى المستوى الذي يطيح بنتنياهو وحكومته. ولكن، لأنه كيان استيطاني اقتلاعي- إحلالي عنصري، يصعب التأكد من توقع تطوّر هذه الأزمة إلى مستواها الأعلى، كما هو في الحالات الطبيعية.
ولعل أهم ما يشكّل الاختلاف، هو طبيعة الصراع الذي يخوضه الكيان ككل، مع الشعب الفلسطيني. وذلك باعتباره حرب وجود، وليس حرب حدود، أو حرباً لتغيير نظام (مثلاً من نظام أبارتايد إلى نظام دولة مساواة مواطنية، ما بين سكانها، أو مكوّناتها، أو مواطنيها).
وهذا يفسّر لماذا لجأ نتنياهو إلى الهروب من أزمته الداخلية، إلى شنّ حرب ضدّ غزة (طبعاً رغبته). وهذا يفسّر أيضاً المواقف الأمريكية، أو الغربية من الصراع عموماً، وحتى من احتمال شخصية رديئة، مُرتَكِبة جرائم إبادة، مثل شخصية نتنياهو.
ولكن، مع ذلك، لا بدّ من الرصد الدقيق للتصعيد، الذي راح يأخذ مداه الأعلى، في الصراع الداخلي ضدّ نتنياهو، وحكومته المتصادمَيْن مع تقاليد الكيان الصهيوني، ودولته العميقة، وتقاليده "الديمقراطية". وهي التقاليد التي أرساها المؤسّسون من العلمانيين المتدينين الصهاينة، اللابسين لبوس الحركات "العمالية اليسارية" الغربية، من أمثال بن غوريون، وشاريت، وبيريز ورابين.
لم تعد الأزمة التي يواجهها نتنياهو، مقتصرة على الموقف من الحرب، ومن معالجة قضية الأسرى فقط، وإنما أصبحت متعدّدة الأبعاد والاتجاهات والتوجهات، بما يمسّ بعض السمات المؤسّسة للكيان الصهيوني. وهو ما يسمح باعتبار نتنياهو، في أشدّ حالات ضُعفه، في موازين القوى، وفي أشدّ أزمة داخلية، واجهها حتى الآن. فالتظاهرات الأخيرة الحاشدة، لم تعد معبّرة عن دعم أسر الأسرى فحسب، وإنما أيضاً، أصبحت معبّرة عن اتجاهات كثيرة، معارِضة لنتنياهو وتحالفه: سموتريتش/ بن غفير، أو معبّرة عن اتجاهات، تدافع عن القضاء واستقلاليته، في وجه تغوّل نتنياهو عليه. وهو صراع يمسّ أساساً من أسس تشكيل الكيان الصهيوني.
بكلمة، لم تعد الأزمة التي يواجهها نتنياهو، مقتصرة على الموقف من الحرب، ومن معالجة قضية الأسرى فقط، وإنما أصبحت متعدّدة الأبعاد والاتجاهات والتوجهات، بما يمسّ بعض السمات المؤسّسة للكيان الصهيوني. وهو ما يسمح باعتبار نتنياهو، في أشدّ حالات ضُعفه، في موازين القوى، وفي أشدّ أزمة داخلية، واجهها حتى الآن.
وذلك فضلاً عن انهيار كل "استقلالية" له، في مواجهة ترامب، الذي أصبح نتنياهو، أسيراً له. وأصبح ترامب حاميه الوحيد. ولكنها حماية غير مضمونة البقاء، بسبب ترامب نفسه، غير المضمونة مواقفه، والقابلة للتقلب إلى حدّ انقلابه من "رجل سلام"، يريد أن يطفئ بؤر الحرب المتوترّة إلى آريس "إله الحرب في الأساطير الإغريقية"، حيث أعطى نتنياهو ضوءاً "أخضر" لشنّ الحرب الأخيرة على غزة. وأعلن حرباً ضروساً على اليمن، ما زال غارقاً فيها إلى أذنيه. وراح يدّق طبول حرب شبه عالمية، ضدّ إيران.
طبعاً هذا لا يعني أن ترامب، غير قابل للانقلاب مرّة أخرى (مثلاً على نتنياهو)، لابساً لبوساً مختلفاً.
ولهذا، فإن الصراع الداخلي المندلع ضد نتنياهو، يجب أن يراقَب جيداً. مما يسمح بتوقع الإطاحة به، أو فرض تراجعات مذلّة عليه. وذلك إذا ما تحرك، الهستدروت أيضاً.