جهاد الدفع والمقاومة.. نقاش فقهي وفكري في المفهوم والشروط والمواقف
تاريخ النشر: 8th, February 2024 GMT
في سياق تعليقها على ما تقوم به حركات المقاومة في فلسطين وغيرها من مواجهة العدو الصهيوني المحتل الغاصب وقتاله، ترتفع أصوات من أهل العلم الشرعي، تصف مقازمتها بأنها لم يستوفِ شروط الجهاد، ومنها وجوب إذن ولي الأمر، إذ الجهاد لا يصح ولا ينعقد إلا تحت رايته، فلا فرق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب في ذلك حسب رأيهم.
ولفت بعض المتصدرين للفتوى في هذا الشأن إلى حالة استثنائية في جهاد الدفع، تظهر في حال مداهمة عدو لبلد من بلاد المسلمين، وخاف أهل ذلك البلد أن يستولي العدو على بلدهم، ويستأصل شأفتهم، فيجوز لهم حينئذ دفع ذلك العدو الصائل دون إذن ولي الأمر، منبهين إلى أن تلك الحالة المذكورة تُعد استثناء بحكم الضرورة من القاعدة العامة التي يشترط فيها إذن ولي الأمر.
لكن ما يثير التساؤل في حالة مقاومة العدو الصهيوني في عموم فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص، وهو جهاد دفع تحديد من هو ولي الأمر الذي يجب أخذ إذنه في هذه الحالة؟ ومن هو ولي الأمر الذي لا تنعقد راية المقاومة إلا بأمره وتحت قيادته؟ وهل أحسن العلماء والفقهاء الذين يتصدرون لإصدار الفتاوى في هذه المسائل تصور المسألة تصورا صحيحا حتى تكون أحكامهم صحيحة وقويمة؟
أوضح أستاذ الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية، الدكتور عبد الله الكيلاني أن الحديث على "هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل ونظر في نتائج الأحكام"، مضيفا "يُعرف جهاد الدفع بأنه جهاد الكفار إذا هاجموا بلاد المسلمين وهو نوع من الصراع الذي لا يحتمل التأجيل فلا يحتاج إلى إذن من الإمام لأنه لا يحتمل التأجيل".
عبد الله الكيلاني، أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية
وتابع: "غير أن ما يحتاج إلى نظر وتحرير واحترام مؤسسات الدولة وعدم تجاوزها هو حكم الجهاد لتحرير الأرض التي تقع تحت الاحتلال كما في فلسطين والجولان، لأن اختيار الظرف المناسب للحرب يحتاج إلى مراعاة مجموع أمور لا يجوز أن تترك للأفراد".
وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول "وتفصيل الجواب على النحو التالي: جهاد الدفع له صورتان: الأولى: أن يداهم الكفار أرض الإسلام أو يقتربوا منها، والثانية: أن يقصدوا مسلما بعينه بقصد قتله، ففي هاتين الحالتين يجب الدفاع الشرعي ولا يتوقف الدفاع على إذن من أحد، فلكل إنسان الحق الشرعي أن يدفع من قصد الاعتداء عليه، ولا يحتاج هذا الحق إلى إذن فهو حق شرعي وطبيعي".
وأردف الكيلاني "والصورة الثانية من جهاد الدفع أن يدفع الإنسان الاعتداء عن نفسه وأهل بيته، وهو نوع من دفع الصائل، ونص الشافعية على وجوب جهاد المعتدي الصائل (فمن قُصِدَ) مِنْ المكلفين ولو عبدا، أو امرأة، أو مريضا أو نحوه (دفع عن نفسه) الكفار (بالممكن) له..".
وبيَّن ما امتنَّ الله تعالى به على عباده بأن خلق فيهم دافعية دفع المعتدي فقال سبحانه: {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡض لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ} [البقرة ٢٥١]، ففي هذه الآية حكمة من نظم العمران وأسباب بقاء الإنسان، وقد نسب الدفع إلى الله تعالى مع أن الدفع يكون من الدافع، لأن الله قدر أسبابه، وأودع في الإنسان خاصية الدفاع".
وعن حكم قتال المحتل في البلاد التي يحتمل فيها تأجيل المواجهات العسكرية، أكدّ الكيلاني أن المحتل الظالم الذي يحتل أرضا من أراضي المسلمين، كما في فلسطين والجولان، فإن من حق الدولة التي تعرضت للعدوان إخراج المحتل، وهو حق مكفول شرعا وقانونا".
واستدرك "لكن هذا الحق يحتاج إلى مراعاة النتائج واختيار وقت الحرب المناسب، والأدوات المناسبة، ولذا لا بد من إذن الإمام واحترام مؤسسات الدولة، وأن لا يتحرك فيه الأفراد على نحو فردي لأنهم قد يعرضون بلادهم لمخاطر ومفاسد".
أما في حالة عدم وجود إمام للبلد الذي يقع تحت الاحتلال فأوضح الكيلاني أنه "إذا لم يكن في البلدة إمام كما في حال البلاد التي تعرضت للاحتلال زمن الاستعمار، وسقطت الدولة الوطنية، فهناك من الاجتهادات الفقهية التي يمكن التخريج عليها، منها ما ذكره الجويني عن الكافي ذي النجدة الذي يقوم مقام الإمام أو ما ذكره غيره عن الطائفة المنصورة التي نهضت لمقاومة الاحتلال كحركات التحرير الوطني، وتقوم مقام الإمام الشرعي في إعلان الجهاد".
من جهته قال الباحث المغربي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور أحمد زقاقي "لقد تبارت العقول المسلمة في بيان المفهوم القرآني للجهاد، وفي الشق التطبيقي شكلت السيرة النبوية نموذجا لتنزيل المفهوم، ثم تتابعت الاجتهادات فوصلت إلينا عبر الأجيال ثروة فقهية ثمينة حول (أحكام الجهاد)".
أحمد الزقاقي.. كاتب وباحث مغربي.
وأضاف: "وقد قاربت تلك الاجتهادات مسائل الجهاد انطلاقا من (قواعد معيارية) لا تترك مجالا لمعركة تنازع التعريف التي أججتها الاتجاهات والتيارات التي تجمد على حرفية الأقوال والأفعال، وتريد أن تثير الصدام مع العالم كله باسم (جهاد الطلب)، الذي لا يعني في حقيقته ترويع الآمنين والإكراه في الدين، وإنما ينصرف معناه إلى إزالة الحواجز المادية والمعنوية أمام بلوغ كلمة الإسلام وهدايته إلى العالمين، ليكون الناس أحرارا في اختياراتهم".
وتابع لـ"عربي21": "وبهذا المعنى اعتبر الفقهاء (جهاد الطلب) من الفروض الكفائية، أما (جهاد الدفع) فقد ذهب فقهاء المالكية والحنابلة والحنفية والشافعية إلى القول بتعينه أي اعتبروه (فرض عين)، ولا يشترط فيه إذن الإمام، بل إن الكثير من الفقهاء لم يشترطوا وجود الإمام للنهوض بأعباء الجهاد، لا سيما إن كان البلد مهددا من الأعداء، فلا تترك مواجهتهم ولو مع وجود حالة (الشغور)".
وردا على سؤال "عربي21" بشأن تنزيل تلك الأحكام على الحالة الفلسطينية، قال زقاقي "لقد صارت القضية الفلسطينية مثلا لكل تلك المذاهب والأقوال، فمن جهة أولى هناك عدو محتل منفلت من كل الضوابط الأخلاقية والإنسانية، ومن جهة ثانية هناك (رئيس/إمام) فلسطيني تشي مواقفه (بالعمالة والخيانة) فهل يتوقف جهاد المقاومة على أخذ موافقته وهو الذي يتربص بها الدوائر"؟
وأردف: "ومن جهة ثالثة هناك دول عربية مسلمة قريبة (مكانيا) من المحتلين المعتدين لكنها تَخذُل وتُخذِّل، والمعروف فقها أن (جهاد الدفع) في حق القريبين يكون أوكد وأوجب، ومن اشترط إذن (الإمام) اشترط أن يكون من أهل العدل، وهذا ما ذهب إليه ابن رشد الجد في (البيان والتحصيل)".
ونقل عن ابن رشد قوله: "إن الإمام إذا كان غير عدل، لم يلزم استئذانه في مبارزة ولا قتال، لكونه غير عدل في أموره"، ولأنه ليس من أولي الأمر الذين تجب طاعتهم، بل هو ـ كما قال الزمخشري ـ من (اللصوص المتغلبة): "وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم اللصوص المتغلبة" وفق وصفه.
وخلص إلى القول "إن كنا قد أثبتنا نظريا تعين (جهاد الدفع)، وأن تركه إثم، فإن الحد الأدنى الذي يخرج من الإثم اعتقاد فرضيته على كل مسلم في السياقات المعاصرة المتسمة بتغول الدولة القطرية والتحكم في الحدود والخضوع لضغوط القوى الغربية الكبرى المتواطئة مع الكيان الصهيوني".
وفي ذات الإطار قال مدرس الفقه بجامعة الأزهر، وليد قاسم "إن مما اتفقت عليه كلمة المسلمين وجود الجهاد وتعينه على جميع المسلمين بحسب طاقتهم وقدرتهم، إذا فاجأ العدو أرض المسلمين وديارهم، بما يحقق الردع وصد العدوان، وهذا يسمى في الفقه الإسلامي (جهاد الدفع) أو (النفير العام)".
وليد قاسم، مدرس الفقه بجامعة الأزهر
وتابع: "حتى إن الفقهاء قالوا يجب الجهاد في هذه الحالة على الابن دون إذن من والديه، وعلى المرأة دون إذن من زوجها، وعلى المدين دون إذن من الدائن، وغير ذلك من الأمثلة التي تدل دلالة واضحة على أهمية الجهاد حينئذ وتعينه على جميع آحاد المسلمين، لأن انتظار الإذن في هذه الحالات ربما يؤدي إلى تمكن العدو من بلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم ومقدساتهم".
ونبّه في حديثه لـ"عربي21" إلى أن "الجهاد بإذن ولي الأمر أجمع للكلمة، وأقطع لدابر النزاع، وتتجلى فيه وحدة المسلمين وقوتهم، وعزتهم، ومن هنا اشترط الفقهاء إذن ولي الأمر في جهاد الطلب، أما بخصوص جهاد الدفع فإن تيسر إذن ولي الأمر فلا شك أنه مطلوب، وجوبا أو ندبا على أقل تقدير، وإن لم يتيسر إذن ولي الأمر فالجهاد فرض على آحاد المسلمين دون إذن، وهذا ما قرره جمهور الفقهاء، ولا أعلم فيه خلافا" على حد قوله.
واستشهد بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن أن كفارا من غطفان أغارت على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة، فتبعهم فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "خير رجالنا سلمة بن الأكوع" وأعطاه سهم فارس وراجل".
وأردف: "ومما يسترشد به في هذا الصدد ما تقرر عند فقهاء الشريعة الإسلامية (أن الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة)، وتقرير ذلك أنه إذا كان في حال جهاد الدفع يسقط إذن الوالدين، والزوج، والدائن، وغير هؤلاء ممن لهم ولاية خاصة في الفقه الإسلامي، فسقوط الإذن العام أولى".
ولفت قاسم إلى أن "هذه المسألة مسألة نظرية بحتة، فإنه لا يُتصور بحال من الأحوال أن ولي أمر المسلمين يمنع أحدا من الجهاد في حال جهاد الدفع، وإلا كان مفرطا في المهمة التي وُكلت إليه، فإن الإمامة معقودة لحراسة الدين وسياسة الدنيا، ومنع المسلمين من الجهاد في حال جهاد الدفع مما يتناقض مع مهام الإمام".
وأنهى حديثه بالتأكيد على أن "الشعب الفلسطيني وفصائله المسلحة، في حالة دفع للعدو الصهيوني، وهو من باب جهاد الدفع، وهو من أعظم الجهاد لعدو غاشم لا يعرف إلا لغة القوة والبطش، ولا بد من مجابهته باللغة التي يفهمها، كما قال شيخ الأزهر، وبناء عليه فلا يتُصور بحال من الأحوال منعه من ممارسة حقه في المقاومة، أو تُكبل يده عن ذلك، وهو الذي يقرر متى يبدأ معركته، ومتى يتوقف، حتى يحصل على حقوقه المشروعة، وحريته المسلوبة".
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير تقارير جهاد الدفع الفقه آراء فقه مفاهيم جهاد الدفع تقارير تقارير تقارير تقارير تقارير تقارير سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة یحتاج إلى دون إذن إذن من فی حال فی هذه
إقرأ أيضاً:
تسوية شكوى تمييز ضد المسلمين والفلسطينيين في جامعة أمريكية
أشارت وزارة التعليم الأمريكية، أمس الخميس، إلى مخاوف بشأن التمييز ضد الطلاب المسلمين والعرب والفلسطينيين في جامعة إيموري في أتلانتا بولاية جورجيا، وتوصلت إلى تسوية مع المؤسسة لحل القضية.
ووافقت الجامعة على مراجعة سياسات وإجراءات عدم التمييز، بما في ذلك السياسات المتعلقة بالاحتجاجات وتعريف التحرش، الذي يشمل التحرش على أساس أصول مشتركة فعلية أو متصورة.وقالت الوزارة، إن الجامعة وافقت أيضاً على تطوير التدريب والاستطلاعات أثناء تقييم تعاملها مع الاحتجاجات في الحرم الجامعي، والتي اندلعت العام الماضي ضد دعم الولايات المتحدة لحرب إسرائيل في غزة.
This is at Emory University, a PRIVATE university. They have an 11 BILLION dollar endowment, this is how they allow agents of the state to treat their paying students.
America is lost. pic.twitter.com/svIvmkYiHv
وقالت الجامعة إنه لم يتم العثور على أي مخالفات من جانبها، مضيفة أنها وقعت طواعية على اتفاقية حل لتحسين السياسات التي تعالج التمييز.
ولاحظ حقوقيون تزايد الحوادث المعادية للفلسطينيين والإسلام والسامية، منذ شنت إسرائيل هجومها على غزة بعد هجوم حركة حماس على جنوب إسرائيل، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
ويحظر العنوان السادس من قانون الحقوق المدنية لعام 1964 التمييز العنصري في برامج التعليم الأمريكية، التي تتلقى تمويلاً اتحادياً.
وشهدت جامعات أمريكية احتجاجات دامت شهوراً حيث طالب المتظاهرون بإنهاء الدعم الأمريكي لإسرائيل، وإنهاء استثمارات الكليات في الشركات التي يزعم أنها تدعم احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.
وكان ناشطون قد قالوا في إبريل (نيسان) من العام الماضي، إن السلطات وبناء على طلب من إدارة جامعة إيموري استخدمت أجهزة الصعق الكهربائي والغاز المسيل للدموع ضد الطلاب المحتجين.
‼️EMORY COPS ATTACK STUDENT PROTESTORS‼️
Today at Emory University, students gathered for a peaceful encampment protest on the campus quad to call for an end to Israel’s genocide of the Palestinian people.
In response, Emory called in Georgia State Patrol to brutalize them. pic.twitter.com/fDzQmH9BOo
وقالت وزارة التعليم إنها "قلقة من أن العنف غير المبرر لنشاط إنفاذ القانون الذي انعكس في مقاطع فيديو واسعة النطاق من الاعتقالات خلال احتجاجات إبريل (نيسان) 2024 ربما خلق بيئة معادية داخل مجتمع الحرم الجامعي لأعضاء الجامعة من الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين".
وتوصلت وكالات حكومية أمريكية إلى تسويات مماثلة مع مؤسسات وشركات أخرى منذ بدء حرب غزة، بما في ذلك مع جامعات مثل جامعة جونز هوبكنز وجامعة كاليفورنيا.
وتوصلت وزارة العدل أمس الخميس إلى اتفاق مع فندق دبل تري باي هيلتون أورلاندو في سي وورلد بولاية فلوريدا لحل مزاعم السياسة التمييزية ضد استضافة العرب.