ليسوا معادين للسامية.. عن حملة وصم الأميركيين المطالبين بوقف الحرب في غزة
تاريخ النشر: 7th, February 2024 GMT
إنها ذريعة واهية للرقابة التي تهدف إلى إسكات الأصوات المناهضة للإبادة الجماعية في الولايات المتحدة.
إنَّ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، استخدمت تهمة معاداة السامية لسنوات لإسكات أيّ شخص يجرؤ على انتقاد دولة إسرائيل. ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، استُخدم هذا المصطلح لتشويه سمعة المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين، وأولئك الذين يطالبون بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، خاصةً ضد المنظمات الطلابية والناشطين في الحرم الجامعي في جميع أنحاء البلاد.
على سبيل المثال، قامت مجموعة "أكيوراسي إن ميديا" في جامعة كولومبيا بتمويل "شاحنات التشهير"، التي كانت تتجوّل في الحرم الجامعي، وتعرض شاشات تحمل أسماء ووجوه الطلاب المؤيدين لفلسطين تحت عنوان: "معاداة السامية".
إن استخدام هذا المصطلح أصبح منتشرًا في كل مكان، لدرجة أنه عند العمل على تقرير عن قضية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدوليّة، كان العنوان الرئيسي للصحفية الأسترالية كيتلين جونستون، هو: "إسرائيل تتهم محكمة العدل الدولية بمعاداة السامية (أصبتم التخمين)".
أجرى أحد مصادر الأخبار القديمة -مجلة نيويورك- مقابلات مع ناشطي منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام، واكتشفت أنه لمدة 30 عامًا، رفضت المنظمة تهمة معاداة السامية، إذا كان الشخص معاديًا للصهيونية أو منتقدًا لإسرائيل
لكن حركة المطالبة بوقف إطلاق النار، أظهرت أن المطالبات بإنهاء الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة لا علاقة لها بكراهية الشعب اليهودي.
بينما كانت القنابل الإسرائيلية تنهمر على غزة، كان الصحفيون الفلسطينيون شهودًا على المعاناة، ونقلوا تلك الفظائع التي وثّقوها أمام عيون العالم. وقد أدت مشاهدة الإبادة الجماعية بالتزامن مع حدوثها، مع الصور التي أظهرت حجم الدمار المفجع، إلى خروج احتجاجات في جميع أنحاء العالم؛ تضامنًا مع شعب غزة.
وفي الولايات المتحدة، كان العديد من المظاهرات الأكثر فاعليّة هي تلك التي أعلنت "المقاطعة" و"قطع العلاقات" إلى أن تتم الدعوة إلى وقف إطلاق النار. وقام الشباب، وخاصة المتظاهرين الذين حشدتهم منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام، وحركة "إف نوت ناو"، بإغلاق مراكز النقل الرئيسية في أعمال أدّت إلى إغلاق جسر مانهاتن، وإغلاق المحطة المركزية الكبرى في مدينة نيويورك، وتطويق تمثال الحرية.
وكانت الصور الدرامية للمتظاهرين الذين تم اعتقالهم وهم يرتدون قمصانًا سوداء مطبوعًا عليها عبارة: "ليس باسمنا" و"اليهود يقولون أوقفوا إطلاق النار الآن"، مثيرةً للغاية لدرجة أنها حظيت بتغطية إعلامية رئيسية.
تحدثت الناشطة اليهودية الشابة إيلينا ستاين، مديرة الإستراتيجية التنظيمية للصوت اليهودي من أجل السلام، في مظاهرة خارج الأمم المتحدة، وقالت للحشد المتجمع: إنها كانت هناك "نيابة عن مئات الآلاف من اليهود الأميركيين الذين يقولون: هذا ليس باسمنا، أوقفوا إطلاق النار الآن". وقالت موجهة هذا النداء: "مع دعم كل أسلافي اليهود لي، أولئك الذين نجوا وكل أولئك الذين لم ينجوا".
وساعدت ستاين في تنظيم بعض كبرى المظاهرات للشعب اليهودي؛ تضامنًا مع الحرية الفلسطينية. وفي وقت لاحق، قامت ستاين بتفنيد تأكيدات الصحافة السائدة بأنّ الحرب بين إسرائيل وحماس كانت "معقدة"، قائلة: "إنها ليست معقّدة على الإطلاق، فقط اتبع قيمك".
لم يفلت المنظمون اليهود الشباب من تهمة معاداة السامية. فقد زعمت جماعة الضغط الصهيونية الإسرائيلية القوية، التي تسمى برابطة مكافحة التشهير، أنه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، زادت معاداة السامية بنسبة 400 بالمائة تقريبًا في الولايات المتحدة.
وانتشرت العناوين الرئيسية التي تكرر هذا الرقْم في جميع وسائل الإعلام الرسمية، من رويترز إلى شبكة سي بي إس نيوز.
وعلى الرغم من أن رابطة مكافحة التشهير نفت أنها اعتبرت المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين معادية للسامية، فإن موقع إنترسبت أظهر أن المنظمة فعلت ذلك بالضبط.
وفي مقال بعنوان: "رابطة مكافحة التشهير تصف مسيرات اليهود بهجمات معادية للسامية"، ذكر الموقع أن رابطة مكافحة التشهير وصفت الاحتجاجات العديدة التي يقودها اليهود بأنها "مجموعات كراهية".
أجرى أحد مصادر الأخبار القديمة- مجلة نيويورك- مقابلات مع ناشطي منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام، واكتشفت أنه لمدة 30 عامًا، رفضت المنظمة تهمة معاداة السامية، إذا كان الشخص معاديًا للصهيونية أو منتقدًا لإسرائيل.
وقد ناضلت منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام بنشاط لإنهاء الفصل العنصري الإسرائيلي، ومع تكشف أحداث الإبادة الجماعية، كانت القيادة الشابة الجديدة على وشْك القفز إلى مركز المناقشة والقول بقوة؛ إن تدمير غزة ليس السبيل للحفاظ على سلامة اليهود.
على عكس الأجيال التي سبقتهم، لم يعد العديد من الشباب اليهود يربطون هُويتهم بدولة إسرائيل. وبالنسبة للبعض، كانت الرحلة طويلة من تلقين أسطورة الدولة الإسرائيلية باعتبارها دولة نقية وديمقراطية وآمنة، إلى البحث عن الحقيقة والعثور عليها على الجانب الآخر من الجدار، حيث يتعرض الفلسطينيون للضرب والرعب ويجبرون على العيش بلا أمان أو حرية.
وفي مقطع فيديو حديث تم تداوله عبر الإنترنت، تحدث 50 جنديًا مختلفًا من جيش الدفاع الإسرائيلي علنًا عن الإرهاب المتعمّد للفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
يروي الفيلم الوثائقي قصة سيمون زيمرمان "الإسرائيلية"، التي ذهبت إلى إسرائيل، وهي تحلم أنها ستجد أرض الميعاد، لتكتشف الوحشية الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، التي جعلتها تتراجع.
عادت سيمون إلى الولايات المتحدة وشاركت في تأسيس مجموعة "إف نوت ناو"، التي كانت قوة رئيسية أخرى للحركة المناهضة للإبادة الجماعية التي تناضل من أجل حرية الفلسطينيين.
وقد انتشر الفيلم الوثائقي القوي كالنار في الهشيم، وأجرت وسائل الإعلام المستقلة مقابلات مع المنتجين والمخرجين والأبطال، ولكن عندما خططت تامي غولد، إحدى مخرجي الفيلم، لعرض فيلم عن إسرائيل في كلية هانتر في مدينة نيويورك، حيث تقوم بتدريس صناعة الأفلام، ألغت الجامعة الحدث الذي كان محجوزًا بالكامل.
وحتى ذلك الوقت، لم تخضع غولد أبدًا للرقابة خلال خبرتها التي امتدت لثلاثين عامًا داخل كلية هانتر في إنتاج أفلام مليئة بالتحديات حول مواضيع صعبة.
وقد اتخذ مديرو الكليات إجراءات مماثلة ضد مجموعات الطلاب الفلسطينيين في الجامعات في جميع أنحاء البلاد. وفي الوقت الذي تحظى فيه معارضة الإبادة الجماعية بأهمية تاريخية عالمية، فإن الجهود المؤسسية للقضاء عليها ليست فقط غير أخلاقية، بل هي انتهاك للحريات المدنية للطلاب وحرية التعبير. وكما قال أحد طلاب هانتر،: إن "الرقابة" تتعارض مع الغرض الكامل من وجودنا هنا في المقام الأول".
وحسب ديلان سابا، المحامي في منظمة فلسطين القانونية، فإنهم وثقوا تصاعدًا في القمع داخل الحرم الجامعي منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل أكثر من ضعف ما حدث في عام 2022، مع وجود أكثر من 700 طلب للحصول على الدعم القانونيّ.
أوضحت الكاتبة أن شاحنات أخرى مزودة بالشاشات تابعة لمجموعة "أكيوراسي إن ميديا" جابت العديد من الجامعات وهي تعرض أسماء أعضاء هيئة التدريس والطلاب. وفي كلية هانتر، كانت إحدى الشاحنات التي تعرض عبارة: "قادة معاداة السامية في جامعة مدينة نيويورك"، تحمل قائمة دورية بأسماء موظفي جامعة مدينة نيويورك الذين من المفترض أنهم "يقفون إلى جانب حماس".
يواجه الطلاب الذين يوصفون بمعاداة السامية عواقب وخيمة، خاصة الطلاب الفلسطينيين. ففي جامعة هارفارد، عندما تم نشر هُوية طالبة أميركية من أصل فلسطينيّ على شاحنة أخرى، أدّى ذلك إلى قيام صاحب عمل عرض عليها وظيفة في السابق بإلغاء العرض.
وفي بيان، ألمحت الشركة إلى أنها كانت من مؤيدي حماس، وخلَصت إلى أن "تلك القيم لا تتماشى مع قيم شركتهم". وقد كان التواصل النشط مع أصحاب العمل المستقبليين للناشطين الطلابيين المؤيدين للفلسطينيين، وحرمانهم من فرص العمل المستقبلية، إستراتيجية "كناري ميشن"، وهي مجموعة ضغط إسرائيلية تأسّست عام 2014.
يدرك العديد من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والحركة الأوسع المؤيدة للفلسطينيين أن محاولات إسكات الانتقادات الموجهة لإسرائيل من خلال اتهام دعاة وقف إطلاق النار بمعاداة السامية ستؤدي في الواقع إلى تأجيج معاداة السامية، وهي مبنية على خيال مفاده أن جميع اليهود يهتفون للقصف المستمر، ومحاصرة ودفن وتجويع شعب غزة في إبادة جماعية أدانتها الجماهير العالمية على نطاق واسع، مما يترك جميع اليهود عرضةً للاستياء والرفض.
وقد أثارت تصرفات رئيس كلية هانتر استجابة أوسع من قبل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس. اتحدت مجموعات وأقسام الحرم الجامعي الأخرى لإدانة الإجراء أحادي الجانب، ونظم الطلاب اعتصامات واحتجاجات في هانتر، وحشدوا اجتماعًا لمجلس الجامعة – المكون من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين – الذي أصدر قرارًا يدين الإلغاء ويطالب بعرض الفيلم. وقد أثبت هذا أن الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، والحركة الأوسع المناهضة للإبادة الجماعية، لن يستسلموا تحت القمع أو الرقابة، وأن تهمة معاداة السامية فقدت قدرتها على إسكات الناس.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معنارابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: فی الولایات المتحدة الإبادة الجماعیة مکافحة التشهیر مدینة نیویورک الحرم الجامعی إطلاق النار إسرائیل فی العدید من فی جامعة فی جمیع
إقرأ أيضاً:
قراءة في موقف تقدم من جرائم الحرب .. هل كانت ظهيرا سياسيا للمليشيا.؟
24 مارس 2025
منذ تأسيسها وحتى إعلان فك الارتباط بين أطرافها، ظلت "تقدم" تدعو في خطابها السياسي إلى إنهاء الحرب عبر التفاوض بين الطرفين، مؤكدة مرارًا على التزامها الحياد. غير أن تساؤلات عدة أثيرت وانتقادات متفاوتة الحدة وُجِّهت حول مدى التزامها بهذا الحياد. ولتقييم مواقف "تقدم" من طرفي الحرب بعيدًا عن الجدل السياسي والاتهامات المرسلة، نستعرض في هذا المقال مواقفها المعلنة في بياناتها الرسمية، خاصة فيما يتعلق بجرائم الحرب التي ارتُكبت خلال النزاع. فهذه البيانات تعكس موقف "تقدم" من الحرب ومن طرفيها، كما تعكس مدى التزامها بمبادئ القانون وقيم العدالة.
تاسيسا للخوض في تلك المراجعة، لا بد من الإشارة إلى أن "قوى الحرية والتغيير" (قحت) والقوى الموقعة على الاتفاق الإطاري شكلت بعد أقل من أسبوعين من اندلاع الحرب "الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية"، والتي تحولت لاحقًا إلى "تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية - تقدم" في أكتوبر 2024.بالتحالف مع بعض الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا . في يناير 2024، عقب سيطرة مليشيا "الدعم السريع" على مدينة ود مدني، وقعت "تقدم" اتفاقًا سياسيًا معها عُرف بـ"إعلان أديس أبابا". وبعد أربعة أشهر، انعقد مؤتمر "تقدم" التأسيسي، حيث طرحت رؤيتها لوقف الحرب وتأسيس الدولة السودانية الجديدة. في يناير 2025، انقسمت "تقدم" نتيجة خلافات بين مؤيدي تشكيل حكومة بحماية "الدعم السريع" في مناطق سيطرته، وبين الرافضين لهذه الخطوة، في كل التحالفات السابقة، شكلت "قحت" التيار الرئيسي الذي بنيت على هدى خطابه رؤى التحالفين ومواقفهما السياسية.
اول البيانات بخصوص جرائم الحرب أصدرته الجبهة المدنية لايقاف الحرب واستعادة الديمقراطية حول جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقى و مقتل الوالى خميس ابكر في الجنينة على يد مليشيا الدعمالسريع .
1- بيان الجبهة المدنية حول تطورات الأوضاع في غرب دارفور
استهلت الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية بيانها، بإدانة مشددة لما وصفته بـ"التطورات الأخيرة في إقليم دارفور، والتي أدت الى وقوع انتهاكات وفظائع ضد المدنيين في الجنينة وزالنجي وكتم ومناطق أخرى " كما ادانت بشدة قيام قوات الدعم السريع باعتقال والي غرب دارفور خميس أبكر وحملتها كامل المسؤلية عن اغتياله، وطالبت بالتحقيق في هذه القضية وإلقاء القبض على مرتكبي هذه الجريمة الموثقة والتعامل معهم وفق القانون وكافة جرائم الحرب والإنتهاكات التي حدثت بمدينة الجنينة بواسطة طرفي النزاع " ودعت المجتمع الدولى لمراقبة الوضع في دارفور ، والضغط على الأطراف المتحاربة للكف عن استهداف المدنيين على أساسٍ عرقي أو قبلي، باعتبارها جرائم حرب لا يمكن مطلقاً التسامح مع مرتكبيها. هذه هي جل النقاط المتعلقة بموضوع المقال التي وردت في البيان ،
ويلاحظ فيه الاتى :
1- استخدمت الجبهة المدنية في مستهل بيانها، عبارات فضفاضة ومبهمة لتوصيف الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع في الجنينة،على شاكلة تطورات أخيرة، فظائع، انتهاكات ، ولم تستخدم التوصيف الحقيقى لها كجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقىى وتهجير قسرى ،رغم ان ذلك تم تأكيده من مصادر إعلامية عالمية وتقارير دولية ومحلية موثوقة اعتمادا على شهود عيان من المواطنين المهجرين ضحايا تلك الجرائم .
2- رغم الأهمية القصوى للتوثيق القانوني والسياسي فى مثل هذا النوع من الجرائم،لاعداد لضحايا وبقية اثار الجرائم من تهجير قسرى وتدمير للملتلكات، الا ان البيان لم يخض مطلقا في هذا المنحى، بل انه لم يشر أصلا الى وجود ضحايا ، رغم توفر كافة الأدلة والمعلومات التي وثقتها تقارير أممية، ووكالات أنباء وصحف عالمية، زمنظمات المجتمع المدني وناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، تم تجميعها خلال خمسين يوما من استباحة المدينة ، وجميعها اكدت ان اعداد ضحايا جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقى قد فاق 15 الف انسان ، إضافة الى ان اعداد المهجرين قسرا كانت اضعاف ذلك العدد.
3- تجاهل بيانها تماما القانون الدولى، ولم يستخدمه كمرجعية لتعريف ووصف تلك الجرائم ، رغم مناشدته للمجتمع الدولى بممارسة الضغط على الأطراف و مراقبة الوضع في غرب دارفور .!!
4- تجاهل البيان تماما التفاصيل الميدانية لكيفية نشوب الصراع وطبيعة القوى المسلحة في المدينة، فمليشيا الدعم السريع هي التي اقتحمت المدينة ،في اليوم الأول لنشوب الحرب في الخرطوم ، مدججة بالعتاد الافراد، في وجود محدود لقوات الجيش السودانى والتي انسحبت في الأيام الأولى الى حاميتها خارج المدينة ، اما قوات حركة الوالى خميس ابوبكر فكانت محدودة للغاية لدرجة انها لم تستطع حتى الدفاع عنه ، وفي ظل هكذا وضع كان المواطنين من قبيلة المساليت لوحدهم في مواجهة المليشيا التي استباحت المدينة لمدة خمسين يوما .
5- اقحام البيان لعبارة "جرائم الحرب والإنتهاكات التي حدثت بمدينة الجنينة بواسطة طرفي النزاع " ومطالبته المجتمع الدولى ، بالضغط على "الأطراف المتحاربة للكف عن استهداف المدنيين على أساسٍ عرقي أو قبلي" هو تشويه ظالم للحقائق، يتنافى تماما مع وقائع الاحداث الموثقة،و يحول الضحايا الى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب، فكل الأدلة تؤكد ان مليشيا الدعم السريع هي الطرف بادر بالهجوم في اليوم الأول لاندلاع الحرب في الخرطوم ، وهى الطرف الذى ارتكب تلك جرائم الإبادة والتطهير العرقى ، وان موطنى الجنينة المنتمين لقبيلة المساليت كانوا هم ضحايا تلك الجرائم ،ولم يتم بالمقابل توثيق وقوع اى جرائم مضادة في حق االحواضن الاجتماعية لمليشيا الدعم السريع .
6- رغم كل هذه المعلومات المتاحة، اختارت الجبهة المدنية، في بيانها ، الالتفاف على الوقائع الموثقة، بتجنب توصيف تلك الجرائم الخطيرة وفق مرجعية القانون الدولى كجرائم ابادة جماعية وتطهير عرقى ، واغفلت عمدا الإشارة الى عددضحايا المهول لتلك الجرائم، و ذهبت الى ابعد من ذلك بمطالبتها بالتحقيق مع الضحايا أنفسهم كطرف متهم بارتكاب "جرائم حرب وانتهاكات". هذا النهج في قلب الحقائق الموثقة، والتجاهل للقانون الدولى ، فى البيان يكشف ان الجبهة المدنية ، قد حددت موقفها مسبقا، واختارت ان تكون ظهير سياسيا للمليشيا ، يوفر لها الغطاء السياسى ،ويسعى لتجنيبها المسؤوليةا لقانونية والسياسية عن هذه الجرائم .
2- قوى الحرية والتغيير بدورها أصدرت بيانًا أدانت فيه مقتل والي غرب دارفور، خميس أبكر، وطالبت بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة إقليمية ودولية للتحقيق في هذه الحادثة، وكذلك في جميع الانتهاكات التي شهدتها مدينة الجنينة. وشدد البيان على ضرورة تحديد المسؤولين عن هذه الجرائم، سواء المنفذين أو المخططين أو المحرضين، وتقديمهم للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب ،اواضافت ان الوضع بات يتطلب تدابيرا استثنائية بإرسال بعثة إقليمية ودولية لحماية المدنيين في الولاية.
هنا أيضا ساد النهج الذى تبنته الجبهة المدنية لوقف الحرب واستعادة الديمقراطية ، فرغم مطالبة "قحت" بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في الجنينة، وبتوفير حماية اقليمية ودولية ،الا أنها تجنبت توصيف جرائم "الإبادة الجماعية"و "التطهير العرقي"، بوصفها الحقيقى وفقًا للقانون الدولي، واستبدلته بمصطلح الانتهاكات ، كما لم يتضمن البيان أي أرقام أو إحصائيات حول اعداد الضحايا.ولم تقم بتحميل مليشيا الجنجاويد المسؤولية المباشرة عن الجرائم ، رغم توفر الأدلة والشهادات الحية التي تشكل أرضية صلبة لذلك الاتهام .
اما مطالبة بيان قحت بإرسال "بعثة إقليمية ودولية" لحماية المدنيين في غرب دارفور، فشكل اختلافا جوهريا في التعاطى مع الواقعة، بينها وبين الجبهة المدنية ، ويبدو ان هذه هذه المطالبة لم تكن التزامًا مبدئيًا بحماية المدنيين،بل كانت مجرد مناورة سياسية وتكيتيك مرحلى مرتبط بالتحولات السياسية والميدانية و تبدل الأجندة والمصالح،اذ لم يتم المطالبة في بقية مراحل الحرب المحتشدة بالجرائم المماثلة التي ارتكبتها المليشيا.
3- بيان "تقدم" حول الانتهاكات في ولاية الجزيرة – 30 مارس 2024
أصدرت "تقدم" بيانًا حول" الانتهاكات" التي وقعت في ولاية الجزيرة على يد قوات الدعم السريع، ذكرت في مستهله أنها تابعت "الأنباء المتواترة التي كشفت عن وقوع انتهاكات واسعة تجاه المدنيين بعدد من مناطق ولاية الجزيرة من قبل قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها في عدة قري وما تلاها من تهجير قسري لمواطني تلك القرى في ولاية الجزيرة".
وأضاف البيان "نعتبر الإجراءات التي تمت في تلك المناطق تجاه سكانها المدنيين جرائماً غير مقبولة او مبررة تجاه السكان المدنيين، وتعد في ذات الوقت خرقاً للإلتزامات الموقع عليها بين تنسيقية القوي الديمقراطية المدنية "تقدم" وقوات الدعم السريع في اعلان أديس ابابا المشترك في يناير 2024م عموماً والأحكام الخاصة بحماية وضمان سلامة المدنيين، والعمل على إرجاعهم لبيوتهم وأماكن سكانهم"
ثم ادانت تقدم تلك الانتهاكات "تدين تنسيقية القوي الديمقراطية المدنية هذه الإنتهاكات التي تتم تجاه المدنيين في الجزيرة " معتبرة "ان مسؤولية حماية المدنيين وسلامة ممتلكاتهم وأرواحهم هي مسؤولية الدعم السريع في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، " وأضافت "وطبقا لذلك فعلي قوات الدعم السريع ومن واقع تلك المسؤولية الاعتراف بهذه الجرائم والالتزام التام بعدم تكرار هذه الانتهاكات ووقفها بشكل فوري وحاسم وإتخاذ إجراءات شفافة وعلنية تجاه كل مرتكبي التجاوزات وتقديمهم لمحاكمة علنية وعادلة وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم."
في هذا البيان استخدمت تقدم في بيانها هذا ومنذ الوهلة الأولى ، تكتيكا واضحا للالتفاف على حقيقة وطبيعة الجرائم التي ارتكبها مليشيا الدعم السريع ، و عملت بشكل مباشر على اضفاء اكبر قدر ممكن من الشك والضبابية على تلك الجرائم يتبين ذلك في :
أولا: استخدمت تقدم لعدة مرات في بيانها ، لفظ انتهاكات الغارق في الضبابية والتعميم،لتوصيف جرائم القتل الجماعي، والاغتصاب الجماعى وجرائم الاختطاف، والاستعباد الجنسي، ونهب الممتلكات، وحرق المزارع، وتدمير البنية التحتية، والتهجير القسري للمواطنين، التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، وجميعها جرائم غاية في الخطورة والبشاعة ولها تسميات وتوصيف محدد، وفق معايير جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الواردة في القانون الدولى . وتماديا في التغطية على تلك الجرائم، اسمتها في فقرة أخرى من البيان بالتجاوزات، وفى أخرى وصفها ب"الإجراءات" وهى بالتأكيد عبارة لاتدل باى حال من الأحوال، على وقوع جرائم ، ناهيك عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بهذا القدر من الخطورة .هذا الالتفاف المتعمد واحاطة الجرائم بهذا القدر من الضبابية والتطفيف اللغوى ، لا تفسير له ، الا ان تقدم ارادت إخفاء بشاعة ووطأة تلك الجرائم وطمس الحقائق حولها ، بغرض ابعاد المسئولية عن مليشيا الدعم وحمايتها من التبعات المترتبة على ارتكاب تلك الجرائم.
ثانيا: كما تسترت في بيانها على الجرائم ، فانها تجاهلت تماما ذكر اعداد ضحايا ها من القتلى والمغتصبات والمهجرين ، واغفلت أيضا تسمية القرى والمناطق التي وقعت فيها تلك الجرائم، ولم تشير الى شهادات الضحايا ، رغم الأهمية القصوى لكل ذلك في التوثيق لتلك الجرائم ،هذا الاغفال المتعمد من البيان القى مزيدا من الغموض على تلك الجرائم ،وحوله من من بيان لكشفها وفضحها، الى أداة من ادوات إخفاء الحقائق حولها، ومنح مرتكبيها فرص الافلات من المسئولية والعقاب .
ثالثا :بينت تقدم ان معرفتها بوقوع مااسمتها "الانتهاكات"،كان عن طريق متابعتها "للانباء المتواترة"عن تلك الانتهاكات، ومصطلح انباء متواترة ، مصطلح إعلامي تستخدمه وسائل الاعلام والمؤسسات السياسية، عادة للإشارة الى معلومات متناقلة غير مؤكدة رسميا وبالتالي غير موثوقة ، ولم تذكر تقدم استعانتها باى مصادر أخرى ، لمعرفة حقيقة ما جرى، رغم انها كتحالف سياسى عريض، تمتلك كافة وسائل وامكانيات الحصول على ادق و اوثق المعلومات حول تلك الجرائم ،عن طريق قواعدها الاجتماعية واسعة الانتشار بين أبناء الجزيرة وفى كافة مناطق السودان، وعن طريق قنواتها التنظيمية المنضوية تحت لوائها، من أحزاب سياسية، ولجان مقاومة ومنظمات مجتمع مدنى كنقابة الصحفيين وتحالف المحامين الديمقراطيين، الا انها اختارت ان تنسب معرفتها بتلك الجرائم لاكثر المصادر قابلية للتشكيك والطعن في مصداقيته، رغم خطورة تلك الجرائم.الامر الذى يؤكد ان تقدم تعمدت وبصورة ممنهجة، اضفاء اكبر قدر من الشك حول تلك الجرائم، وهو مايشكل غطاءا سياسيا للمليشيا ، يصب في صالح افلاتها من المسئولية والعقاب.
رابعا: استخدام تقدم عبارة "جرائم غير مقبولة"لتوصيف مجموعة من ابشع جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، هو امعان متعمد، لتخفيف حدة تلك الجرائم، والتستر عليها، كذلك جعل اعلان اديس ابابا الذى وقعته مع المليشيا مرجعية بديلة للقانون الدولى، يعكس مدى حرص تقدم لتوفير غطاء سياسي لمليشيا وتجنبيها المسئولية عن كافة الجرائم بقدر الإمكان .
خامسا: مطالبة تقدم للمليشيا بالاعتراف بالجرائم بحكم مسئوليتها عن " حماية المدنيين وسلامة ممتلكاتهم وأرواحهم" في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، هو تعبير تمت صياغته بعناية ، ليمنح براءة مسبقة للمليشيا، فهو يبدل تماما وضعها القانوني من كونها الجهة التي ارتكبت تلك الجرائم ،الى جهة تنحصر مسئوليتها في وقوع تلك الجرائم فىى تقصير ها عن حماية الضحايا.
من كل ذلك يتضح ان تقدم، قد اتخذت موقفا مسبقا منحازا بشكل قاطع لصالح المليشيا، وبنت على ضوئه استراتيجية ممنهجة، للتغطية على ماترتكبه من جرائم ، تلخصت في اغفالها المتعمد للقانون الدولى كمرجعية لتوصيف تلك لجرائم ، والالتفاف على توصيفها باستخدام عبارات مبهمة وفضفاضة، وعدم التطرق لاعداد ضحاياها وتبعاتها على المدنيين، و اضفاء طابع من التشكيك والضبابية على المعلومات المتعلقة بتلك الجرائم، واهمال ماتم توثيقه من جوانبها،وعدم الاهتمام بجمع الحقائق والمعلومات حولها، رغم متلاك تقدم لكافة إمكانيات الوصول لتلك الحقائق . كذلك حرصت تقدم على عدم توجيه الاتهام للمليشيا بارتكاب تلك الجرائم.
4- بيان "تقدم" حول مقتل الأمين محمد نور في كسلا – سبتمبر 2024
أصدرت "تقدم" بيانًا أدانت فيه الجريمة التى وصفتها بالوحشية التي راح ضحيتها المواطن الأمين محمد نور، بعد تعرضه للتعذيب والقتل على يد جهاز الأمن في كسلا. و اعتبرت في بيانها، أالى ان الجريمة تمثل نهجًا متسقًا مع ممارسات جهاز الأمن والمخابرات خلال سنوات حكم النظام البائد، مشيرًة إلى التشابه في النهج و الأسلوب الإجراموى بين هذه الاجريمة وجريمة اغتيال الأستاذ الشهيد أحمد الخير في كسلا خلال ثورة ديسمبر،وطالبت بتسليم المتهمين وتقديمهم لمحاكمة عادلة وفورية لينالوا جزاءهم على ارتكاب هذه الجريمة النكراء، مؤكدة على ضرورة تحقيق العدالة وعدم إفلات الجناة من العقاب..
يُلاحظ هنا في هذا البيان عن واقعة الاغتيال البشعة تلك، أن "تقدم" حرصت على توصيف الجريمة بشكل واضح ودقيق، رابطة اياها بالمنهج الإجرامي المعروف عن جهاز الأمن طوال تاريخه،هذا النهج في تحليل الجريمة السياسية من تقدم لاخلاف عليه، بل هو مطلوب كضرورة لكشف هذا النوع من الجرائم وفضح السياسات الاجرامية المنهجية، والجهات المتورطة فيها، لكن من نافلة القول ان هذا النهج يختفى تمامًا في بيانات"تقدم" عن الجرائم التي ارتكبها الجنجاويد خلال الحرب، رغم احتشاد تاريخهم بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المشابهة، وهو مايقود الى نتيجة مفادها عدم اتساق وحيادية تقدم في تناول الجرائم والانتهاكات وفق ذات المعايير.
5- بيان "تقدم" حول الغارات الجوية واستهداف المؤسسات المدنية – أبريل 2024
أصدرت "تقدم" بيانًا بخصوص الغارات الجوية التي شنها الجيش السوداني على مدينة مليط، والتي أسفرت، وفقًا للبيان، عن " سقوط ضحايا بين المدنيين وخسائر كبيرة في الممتلكات والماشية"، ووصفت تقدم هذه الهجمات بأنها جزء من "سلسلة غارات جوية مستمرة منذ بداية الحرب، اغفلت المنشآت العسكرية والحربية واستهدفت المنشآت المدنية من مواطنين ومساكن وممتلكات." مؤكدة أن هذه الغارات" تسببت في خسائر فادحة في الأرواح والبنية التحتية بمختلف أنحاء السودان، لا سيما في العاصمة، دارفور، كردفان، والجزيرة" وأكدت أيضا ان " استهداف الأعيان المدنية والمدنيين عبر استخدام البراميل المتفجرة ذات التأثير العشوائي والمدى التدميري الواسع هو امتداد لسلوك قديم تبنّته القوات الحكومية خلال الحروب الأهلية، بهدف تدمير حياة السكان في المناطق التي تقع خارج سيطرتها" وكررت الحديث عن الأثر المدمر لتلك الغارات على المدنيين وممتلكاتهم "الوقائع الميدانية على مدار أكثر من عام من الحرب أظهرت إصرارًا على تكرار أخطاء الماضي، ولكن على نطاق أوسع، ما أدى إلى خسائر مروعة في أرواح المدنيين وممتلكاتهم"، مؤكدة ادانتها لهذه الهجمات باعتبارها "جرائم حرب تنتهك القوانين الدولية ذات الصلة بالنزاعات المسلحة".واوضحت ان هذه الاحداث عززت "قناعتها بوجوب إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية بعد انتهاء الحرب، مع ضرورة إصلاح عقيدتها العسكرية"
هذا البيان البليغ والصارم جمعت فيه تقدم كل ماغاب عن بياناتها السابقة الخاصة بجرائم الدعم لسريع من إدانة مباشرة وتحليل وتوصيف سياسى وتكييف قانوني لجريمة القصف التي تتحدث عنها.
1 - صنفت الغارات بانها استهداف مباشر ومتسلسل للمدنيين ولممتلكاتهم وللبنية التحتية .
2- تحدث عن سقوط عدد كبير من الضحايا ووقوع خسائر فادحة في الممتلكات والبنية التحتية.
3- ربطت هذه الغارات بسلوك تاريخى قديم طالما اتبعته القوات المسلحة في قصف الاعيان المدنية والمدنيين.
4- لم تكتف بإدانة الغارات بل وسعت الإدانة لتشمل أيضا عقيدة الجيش القتالية، وصفتها بالخاطئة وتعهدت بإصلاحها انتهاء الحرب.
5- اعتمدت على القانون الدولى والمعاهدات الدولية لتوصيف الغارات بانها جريمة حرب وفقا لتلك القونين .
هذا المنهج القانوني والتحليلى الصارم الذى قامت فيه تقدم، بإدانة الغارات الجوية على المناطق المدنية،واعتمدت فيه على القانون الدولى، كمرجعية ،لتوصيفها كجرائم حرب، كاشفة عن طبيعتها وغرضها وجذورها، تقابله فى الناحية الاخرى، استراتيجية منهجية مغايرة تماما، اعتمدتها تقدم عند تناولها جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التى يرتكبها الجنجاويد، وعماد تلك الاستراتيجية،هو الاغفال التام والمتعمد للقانون الدولى كمرجعية للتوصيف والتكييف القانوني ، واحاطة الجرائم باكبر قدر ممكن من الضبابية والشك، بالالتفاف على توصيفها القانوني ، واستخدام الفاظ شديدة الضبابية والالتباس،تخفى طبيعة الجرائم ووتخفف من وطاتها، كذلك التشكيك في مصداقية الاخبار المتعلقة بها ،وعدم الحديث عن ضحاياها،ونتائجها من نهب وتدمير لممتلكات المواطنين وتخريب للبنية التحتية، خطورة اذدواجية المعايير التي تمارسها تقدم انها،لاتقتصر على البعد الاخلاقى فقط ، بل تمتد تاثير سياسى قانوني كبير، فهى تعكس تمثل موقف تقدم السياسى من هذه الجرائم ومن الصراع ككل، وهى بالتأكيد ستساهم في إعادة تشكيل السردية الدولية حول جرائم الحرب و الصراع في السودان، بما يخدم الأجندة السياسية للمليشيا ومن يقف ورائها على حساب تحقيق العدالة للضحايا .
6- بيان "تقدم" حول قصف الدعم السريع في أم درمان – ديسمبر 2024
أصدرت تقدم بيانًا شديد اللهجة أدانت فيه الجرائم الوحشية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين الأبرياء في أم درمان، الثورة الحارة 17. قدّم البيان تفاصيل دقيقة عن موقع الجريمة، وأعداد الضحايا، مشيرًا إلى أن هذه الهجمات تندرج "ضمن سلسلة طويلة من الاعتداءات العشوائية التي تشهدها المدينة منذ أكثر من عام، وأدت إلى مقتل وإصابة المئات وتشريد آلاف الأسر، وأضافت "ان استهداف المدنيين بشكل متعمد يهدف تهجيرهم قسريًا وتدمير البنية التحتيةهو عمل إجرامي لا يمكن السكوت عنه " وأكدت أن هذه الجرائم تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ،وترتقى إلى مستوى جرائم الحرب التي تستوجب التحقيق والمحاسبة، كما دعا البيان المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الجرائم والضغط من اجل محاسبة مرتكبيها.
هذا البيان الصارم والمباشر فى ادانة جريمة القصف العشوائى التي ارتكبتها المليشيا،والذي استخدمت فيه تقدم للمرة الأولى القانون الدولى لتوصيف جريمة ترتكبها المليشيا، وحرصت فيه على ذكرعدد ضحاياها، وتحديد موقعها وتحليل اهدافها، جاء بمثابة انقلاب كامل على موقف تقدم، الذى ظل مساندا وداعما للمليشيا طوال الفترة الماضية، وعلى استراتيجيتها التى قامت من خلالها بالتغطية والتستر على كل جرائم المليشيا فى دارفور والخرطوم والجزيرة،السؤال الذى يطرح نفسه هنا ، لماذا انقلبت تقدم على موقفها من جرائم المليشيا في هذا البيان ؟
و الاجابة بكل بساطة هى ان تقدم التى تشكلت بعد ستة اشهرمن اشتعال الحرب، بنت موقفها المساند للمليشيا، على حسابات واجندة سياسية، وواقع عسكرى وميدانى، كانت المليشيا فيه فى قمة قوتها وعنفوانها، وكان نفوذها يزداد وسيطرتها تتوسع كل يوم، وكانت المدن والمواقع العسكرية تسقط فى يدها الواحدة بعد الاخرى، وكانت هزائم الجيش تتوالى، ومؤشرات انهياره تلوح في الأفق، فاختارت تقدم ذلك الموقف المساند للمليشيا، وفق الاستراتيجية التى اسهب المقال فى تفصيلها. وبعد التغيير الدراماتيكى فى موازين القوى الميدانية لصالح الجيش، بعد الهجوم الواسع الذى شنه فى كافة المحاور، في الشهور الأخير من نهاية العام الماضى ،و تمكنه من استعادة العديد من المدن والمواقع العسكرية، فى كافة المحاور الرئيسية، وتوالى هزائم وانسحابات المليشيا ، وظهور بوادر انهيارها ، قامت تقدم برفع غطائها عنها، باعتبارها رهانا خاسرا، و أصدرت هذا البيان شديد الصرامة فى ادانتها وفى تحميلها مسئولية ارتكاب جريمتها هذه كجريمة حرب وفقا للقانون الدولى.
خلاصة هذا الاستعراض والمقارنات، ان مواقف "تقدم" السابقة او الحالية من جرائم الحرب ومن طرفيها ،لم تكن محايدة بأي حال من الاحوال،فتقدم تموضعت بمواقفها ، طرفا اصيلا في الصراع ،وظهيرا ساند اللمليشا، وشكل غطاء سياسيا لتمرير جرائمها دون توصيفها كجرائم حرب او جرائم ضد الإنسانية ودون تحميلها اللمسئولية عن ارتكابها، اما موقفها الأخير في بيانها هذا ، والذى انقلبت به على موقفها القديم المساند للمليشيا ،فهولا يعكس التزاما من تقدم بمبادئ العدالة او القانون الدولى بقدر ما يعكس انتهازية تصنع موقفها بناء على الوضع الميدانى ووموازين القوى بين الطرفين. وبالطبع لا يمكننا التغاضى عن تاثير التداخلات والتحالفات الاقليمية والدولية في تشكيل الموقف الأخير للتحالف وذلك شان اخر وموضع لقراءات أخرى .
joejo714@gmail.com