لماذا الانتخابات الإندونيسية 2024 مهمة؟
تاريخ النشر: 7th, February 2024 GMT
جاكرتا- في الرابع عشر من فبراير/شباط الجاري، ستعقد إندونيسيا أكبر انتخابات في يوم واحد على مستوى العالم لانتخاب رئيس ونائب رئيس، إلى جانب قرابة 20 ألف نائب في البرلمان المركزي ومجلس الشيوخ والبرلمانات على مستوى الأقاليم والمحافظات والمدن، يخوض فيها السباق نحو ربع مليون مرشح.
ومنذ التحول الديمقراطي في إندونيسيا عام 1998، تحظى الانتخابات باهتمام شعبي وحزبي واسع، حيث يشارك قرابة 200 مليون ناخب بالاقتراع كل 5 سنوات، يتغير بموجبها حوالي نصف مشرعيهم في البرلمان المركزي ومئات من المجالس التشريعية المحلية.
إلا أن الانتخابات، التي ستجرى بعد أيام، تحظى بخصوصية عن سابقاتها، إذ تشكل عامل جذب للقارئ العربي لمتابعة مجرياتها ونتائجها، بحكم أنها أكبر بلد مسلم (حوالي 278 مليون نسمة)، ولاعتبارات أخرى داخلية وخارجية لها تأثيرها، نستعرضها في المحاور التالية:
رغم الحضور اللافت للإندونيسيين من أصل عربي (الحضارمة) في الحياة السياسية والعامة في البلاد، فإنها المرة الأولى التي يخوض سياسي من هذا الوسط السباق على رئاسة البلاد، ممن هاجر أجداده إلى إندونيسيا واستقروا فيها، وولد في غربي جزيرة جاوا.
وللمرشح الرئاسي أنيس باسويدان حضور وتجربة في الحياة السياسية، حين فاز في معركة شرسة في انتخابات حاكم جاكرتا عام 2017 في مواجهة تحالف واسع من الأحزاب السياسية، وانتهت ولايته في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، كان باسويدان ناشطا بشكل ملحوظ على المستوى الشعبي، ومهتما بقضايا المنطقة العربية وخصوصا القضية الفلسطينية بمختلف محطاتها وأحداثها.
يرى يون محمودي، مدير قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة إندونيسيا الحكومية، أن الشارع الإندونيسي لا يضع اعتبارا كبيرا للأصل العرقي للمرشحين سواء كان عربيا أو صينيا أو غيره، لكن قد يؤثر ذلك على اهتمام المواطن العربي بنَسب باسويدان في متابعة الانتخابات ونتائجها، لكنه غير مؤثر في الشارع الإندونيسي.
ويستدرك في حديثه للجزيرة نت، "لكن عامل النسب قد يكون له تأثير على شعبية باسويدان لدى الناخب الإندونيسي، بحكم أن جده عبد الرحمن باسويدان من أبطال حرب استقلال إندونيسيا وأحد مؤسسي الدولة"، فقد أعلنت جاكرتا استقلالها في بيت عبد الرحمن باسويدان.
فيما يرى الباحث والمحلل السياسي مولاورمان هانيسي أن جذور أنيس باسويدان العربية لها تأثير في شعبيته في المناطق التي يتركز فيها الإندونيسيون من أصول عربية، وهم بالملايين، تماما كما يستفيد المرشحون الآخرون من نَسبهم وأصولهم داخل البلاد.
القضية الحاضرةكانت إندونيسيا، تاريخيا، من الداعمين بقوة للقضية الفلسطينية على اختلاف توجهات رؤسائها من أحمد سوكارنو في ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، بكافة أشكال الدعم السياسي والإنساني والإعلامي، وقد اشتهرت جاكرتا وغيرها من المدن الإندونيسية مثل باندونغ وميدان وسورابايا بتنظيم مظاهرات حاشدة دعما لقطاع غزة وفلسطين في أوقات الأزمات.
ولعل القضية الخارجية الوحيدة التي تجد مكانا بارزا في البرنامج الانتخابي لكافة المرشحين للرئاسة هي القضية الفلسطينية والحرب على غزة.
يقول محمودي "فلسطين قضية عالمية، والعالم أجمع يهتم بها، فلا عجب أن تكون محل اهتمام كافة المرشحين فهي قضية حق سياسي وإنساني".
وعن موقف إندونيسيا الرسمي من القضية الفلسطينية، يضيف محمودي للجزيرة نت: "الدولة من البداية تهتم بهذه القضية وشعبها، ولذلك فاهتمام المرشحين بهذه القضية سيؤثر على مدى شعبيتهم في الانتخابات".
من جانبه، يرى الباحث هانيسي أن قضية فلسطين وغزة تحديدا كانت حاضرة بقوة في الانتخابات الإندونيسية عامي 2014 و2019. "وفي هذه الانتخابات تفرض الحرب في غزة نفسها على اهتمام العالم، فمن باب أولى على الانتخابات الإندونيسية".
لكنه يعتقد أن المرشحين في هذه الانتخابات لا يقدمون برنامجا واضحا تجاه القضية الفلسطينية مثل الانتخابات السابقة، رغم أنها جزء مهم من حملاتهم الانتخابية.
يعتقد مراقبون محليون أن هذه الانتخابات تعد اختبارا للمسار الديمقراطي في إندونيسيا الذي بدأ عام 1998 بعد سقوط نظام الرئيس السابق حاجي محمد سوهارتو. وحسب تقديرهم، إذا تمكنت دولة ما من اجتياز 5 انتخابات دون أن تعكرها سلوكيات غير ديمقراطية، يمكن اعتبار أنها اجتازت مرحلة التحول من الدكتاتورية إلى النظام الديمقراطي.
وإندونيسيا تجري الآن الانتخابات السادسة، بعد 5 سابقة سلسة، وإن شابتها انتقادات في مدى نزاهة بعض محطاتها.
لذلك يقول عضو مفوضية الانتخابات لأوغست ميلاز في حديث لصحيفة كومباس المحلية، "إن انتخابات 2024 ستحدد ما إذا كانت إندونيسيا قادرة على تأكيد التزامها بكونها دولة ديمقراطية وطريقة تطبيق هذه الديمقراطية".
وتجري انتقادات واسعة لسلوك الرئيس الحالي جوكو ويدودو (جوكووي) بتدخله بشكل مباشر وغير مباشر في هذه الانتخابات، من خلال ترشيح نجله (غيبران راكابومينغ راكا) نائبا للرئيس إلى جانب المرشح برابوو سوبيانتو، وذلك بعد تعديل قانوني للحد الأدنى لأعمار المترشحين أقرته المحكمة الدستورية قبل موعد تقديم أسماء المرشحين، وهو حكم قضائي أثار -وما زال- جدلا واسعا بين السياسيين والأكاديميين والقانونيين.
فضلا عن نشر جوكووي صورته إلى جانب برابوو ونجله، في الملصقات الانتخابية، رغم أنه لا يزال على رأس عمله كرئيس ويفترض أن يكون محايدا في الانتخابات.
لذلك يخشى بعض المراقبين من حصول تدخل مباشر أو غير مباشر في الانتخابات بما يؤثر على نتائجها.
ستجري هذه الانتخابات بمشاركة عدد كبير من الناخبين الشباب وتشكل لحظة تحول بين الأجيال بالنظر إلى أن عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و40 عاما يصل إلى قرابة 55% من الناخبين، ولذلك، يتوقع المراقبون أن يكون للشباب دور محوري في صياغة الخيارات السياسية المقبلة في إندونيسيا بما تفرزه هذه الانتخابات.
ولهذا، يعتقد محمودي أن جيل الشباب الذين يشكلون نسبة كبيرة من الناخبين، وينشطون بشكل لافت على منصات التواصل الاجتماعي، أقدر على البحث عن المعلومة عن المرشحين وتقييمها وتحديد خياراتهم بحرية بعيدا عن التأييد التقليدي للأحزاب والشخصيات التي تخوض الانتخابات.
وهو ما يتفق معه هانيسي من أن الشباب الإندونيسي لديهم وعي سياسي قوي وقدرة على الوصول إلى المعلومة من وسائل الإعلام الحديثة، وتشكيل قناعتهم بأنفسهم دون تأثير خارجي على اختياراتهم.
الوزن الجيوإستراتيجي الكبير الذي تتمتع به إندونيسيا في منطقة جنوب شرق آسيا، جعلها على الدوام محل اهتمام وصراع على النفوذ بين القوى الكبرى منذ الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والمعسكر الغربي، وبقي هذا الصراع قائما بمنسوب متفاوت على مدى العقود الستة الماضية.
ومع تصاعد الصراع الأميركي الصيني في بحر جنوب الصين، تجد إندونيسيا نفسها في قلب هذا الصراع بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري، وتحكمها بعدد من أهم الممرات المائية في العالم وهو ممر ملاقا وغيره من الممرات القريبة منه.
ويمر عبر مضيق ملاقا حوالي ربع تجارة العالم من السلع (أكثر من 50 ألف سفينة تجارية سنويا)، وثلث إجمالي تجارة النفط الخام والمنتجات السائلة الأخرى وهو ما يجعله ثاني أهم ممر بحري لتجارة النفط العالمية بعد مضيق هرمز. كما أن حوالي 80% من صادرات الصين تمر عبر هذا المضيق وهو ما يعني أن مصيرها الاقتصادي يعتمد بشدة على استقرار الأوضاع فيه.
وفي فترة حكم الرئيس الإندونيسي الحالي ويدودو على مدى السنوات العشر الماضية، وجدت بكين موطئ قدم متزايدا في إندونيسيا من خلال المشاريع الاقتصادية الكبيرة، وهو ما عزز من حدة الصراع الصيني- الأميركي في هذا البلد.
يعتقد محمودي أن أميركا والصين تلعبان وتتدخلان في ملفات داخلية كثيرة في البلاد وبشكل مباشر. ويرى أنه يمكن توزيع ميول المرشحين الثلاثة تجاه القوى الخارجية على النحو التالي:
يميل باسويدان نحو الدول العربية والشرق الأوسط. فيما يعتبر برابوو أقرب إلى الصين بحكم ارتباطه بالرئيس جوكوي. بينما ينفتح غانجار على الصين وأميركا في آن واحد.فيما يرى محللون آخرون أن الأمر قد يتجاوز ذلك التوصيف، فأنيس باسويدان يلقى قبولا في عواصم غربية، ولبرابوو قنوات تواصل مع واشنطن قوّاها خلال تسلمه وزارة الدفاع في السنوات الماضية، أما غانجار برانوو فهو مقبول أيضا لدى عواصم آسيوية أخرى مثل سنغافورة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: القضیة الفلسطینیة هذه الانتخابات فی الانتخابات فی إندونیسیا على مدى وهو ما
إقرأ أيضاً:
لماذا سقط الحلاق المتحمّس؟!
معضلة المثقف، فيما يبدو عموما، في ثلاثة هموم؛ المنصة، والشهرة، والإحساس المتضخم بالأهمّية. بعض هذه الهموم لا يمكن إنكار معقوليتها، فالمثقف الذي وظيفته إنتاج المعرفة بحاجة إلى منصة تُقدِّم معرفته للناس، وهنا تتداخل هذه المشكلة مع عصب الهموم كلّها، وهو المال. لكنّ هذه المنصة، في زمن الشيوع، واحدة من ألاعيب التضليل الكبرى، فحتّى حينما لا يجد المثقف فرصته في منصة كبرى، توفّر له الوصول إلى الناس، أو الشهرة، أو حتى حينما يزهد صادقا في هذا المسلك الذي يحفه الريب من كل جانب، ويكتفي بحساب له على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّه قد يقع ضحية خوارزميات المنصّة، أو ضحية نفسه وجمهوره، وهو ما قد يعني أنّ المثقف أصلا، أقلّ أهمّية مما يتوهم، لأنّه مفعول به أكثر ممّا هو فاعل!
جرى التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها حالة تقدمية، من جهة أنها نتاج التطور التقني، ومن جهة أنّها تعبير عن ديمقراطية كونية. لكن هو هذا الدجل بعينه، فعلاوة على أنّك مثلا لو أخذت مجتمعا في بلد عربيّ ما، لتعرف من مواقع التواصل الاجتماعي موقفه من قضايا عامة، حرب غزّة مثلا، فإنّك ستعجز عن تقدير المزاج العام لهذا المجتمع، لأنّ السجن هو المصير الحتمي لمن يكتب خارج إرادة السلطة هناك، وذلك علاوة على تحكّم خوارزميات هذه المنصات في نسب الوصول، وعقابها الإلكتروني الصارم لمن يخالف "معايير مجتمعها"، في سخرية مهينة من هذا "المجتمع" الذي لم يُستشر في معاييره!
أرجو ألا تعتقد أنني أتحدث عن عدنان إبراهيم، فالتشابه هنا محض صدفة، وإنما الحديث عن حلاق مهذار، كان لا بدّ له أن يستعلن سقوطه، بعدما كان اكتشاف سقوطه الأصلي محتاجا من قبل إلى قليل من البحث من الزبائن المنبهرين بسعة اطلاعه
سوف يتحوّل الكثيرون إلى حكواتية على هذه المنصات، التي يملك كل إنسان حسابا عليها، ويبدؤون في مراقبة السبل لحشد المتابعين، أو تكثير التفاعل، فينزلق البعض عن الانغماس في الهمّ العام، أو إنتاج المعرفة، إلى ما من شأنه أن "يساوي همّه"، والهَمّ أن يصير مشهورا، وأن يحسّ بالجدوى الفورية التي صارت تقاس بعدد المتفاعلين، ويا حبذا لو أوقفه البعض في الشارع وقال له إنه يتابعه، فكيف إن طلب صورة معه؟! فتخيل لو التقطته مؤسسة كبيرة، فاشترته وأنتجت له برنامجا في واحدة من منصاتها الممولة بسخاء! وحتى لو ظلّ جادّا، فإنه مصاب بالإحساس المتضخم بالأهمية، عليه أن يقول، فالناس تنتظر قوله كما يتوهّم، مع أنّه لو جرّب وغاب دهرا فلن يسأل عنه أحد، وعليه أن يكون متميزا فيما يقول، والتميز اختصاره "أنا"، وقد ضربوا المثل قديما على هذا الصنف من الخلق، كالذي بال في زمزم ليشتهر!
هذه التقدمية الوهمية، تُحوّل من لديه حدّ معقول من الموهبة، إلى ما يشبه الحلاق المتحمس المعروف في الحكايات التراثية العتيقة، كثير الكلام في كلّ أمر، وهو ما ينمّ في الحقيقة عن خِفّة المعرفة، وشهوة الهذر، وبما أنّ هذا النموذج كاد أن ينقرض في زماننا، فيشبهه اليوم سائق التكسي المتحمّس، الذي غالبا إمّا أن يناقشك في السياسة، وعليك أن تكون حذرا والحالة هذه، أو أن يستعرض عليك معارفه الدينية التي التقطها في حلقة جهنمية مفرغة من "ريلز" الفيسبوك، أو "شورتس" اليوتيوب، أو من التيكتوك!
على أيّة حال، ؛ وأنت تشعر أنه يكاد يقفز من منبره إلى دمشق باحثا عن قبر معاوية لنبشه، لكنه سريعا ما يذكّرك أنّ العباسيين فعلوا هذا من قبل، وهو لن ينسى، على ذكر العباسيين، وظيفته التنويرية بالسخرية المقذعة من المحدثين، بوصفهم، حسب تعبيره، "الجهاز الأيديولوجي للاستبداد"، وعليك أن تحفظ هذه البطولة الاستثنائية لشاتم أموات القرون الأولى وأنت تلاحظ كيف صار هو عينه أحد الحرّاس المثيرين للشفقة والازدراء للاستبداد المعاصر، وبما أنّ القضية، حكواتي في قهوة، أو مهذار في صالون حلاقة، فكيف يكتفي بذلك؟! ألم يكن الحلاق العتيق، كما يُحكى، يقلع الأضراس ويعالج الصداع ويطبب الحروق؟! ألم يكن طبيبا علاوة على كونه حكواتيّا؟! يجب أن يكون صاحبنا الحلاق إذن فيلسوفا، وفيزيائيّا، مهتمّا بنحو خاص بالـ "Cosmology"، مبادرا إلى الحلول الفلسفية للمعضلات الفيزيائية الكبرى، مع قدر من الاهتمام الذي لا بدّ منه بالبيولوجيا ونظرية التطوّر، لا سيما وأنّه مارتن لوثر الإسلام! كلّ ذلك وليس لديه كتاب واحد! ولا حتى مقالة، ومع ذلك، هو مثقف ومفكر وإصلاحي، مع أنّه لن يزيد على حلاق قارئ، يقرأ كلّ أسبوع موضوعا ويحفظه جيدا ويسلّى به زبائنه، الذين لن يجدوا الدافعية الكافية للبحث في دقة معلوماته!
يمكن للحلاق أن يسخر مرّة من عذاب القبر، بأسلوبه المسرحي المستظهر لانتفاخه بقصد تأكيد الثقة به والإعجاب في نفوس زبائنه، ويمكنه مرّة أخرى أن يثبته لأنّ من اجتمع قلبه على الله تتحقّق له الكرامات كسماع الموتى أو رؤيتهم يعذبون، وصاحبنا الحلاق موهوب بالكرامات الإلهية فلا مانع من أن يثبت ما نفاه، وأن ينفي ما أثبته، فإذا قيل له ذلك، عدّه من علامات العبقرية.
وهذا الحلاق ناقد مرّ للتراث، فيبرئ البخاري مرّة من حيث أراد ذمّ أحمد بن حنبل، ثمّ يعود لاتهام البخاري مرّة أخرى من الحيثية نفسها، ولأنّ الزبائن لا وقت لديهم للتفتيش فلن يقرؤوا في المصادر الفلسفية والتراثية الشيعية التي يستقي منها الحلاق معلوماته ثمّ يعيد صياغتها بأسلوبه المسرحي، لكنه أبدا لن يخفي في حينه تعاطفه مع هؤلاء الشيعة، وإذا كان الأمر كذلك، وقد قُدِّر للحلاق أن يظهر على الفضائيات، فما الذي يمنعه مرّة أن يدعم الثورة السورية حتى ولو بالسلاح على بشار الأسد، وذلك على قناة الجزيرة، ثمّ يزعم على قناة الميادين لاحقا أنّه لم يدعم هذه الثورة ولا مرّة في حياته، وذلك قبل اصطفافه الأخير؟! وأرجو ألا تعتقد أنني أتحدث عن عدنان إبراهيم، فالتشابه هنا محض صدفة، وإنما الحديث عن حلاق مهذار، كان لا بدّ له أن يستعلن سقوطه، بعدما كان اكتشاف سقوطه الأصلي محتاجا من قبل إلى قليل من البحث من الزبائن المنبهرين بسعة اطلاعه!
والحلاق صوفي زاهد، من أهل الله، يحب جلال الدين الرومي، ويحفظ أشعاره المترجمة، ويستظهر مدلولاتها العرفانية. أليست له كرامات؟! فلماذا يسعى خلف الأثرياء والساسة ممن يملكون الفضائيات ويَقْدرون على مكافأته بالكثير من المال لأجل معرفته التي تتراقص على صوت المقص، أو تهتز على صوت ماكينة الحلاقة، لأنّ حلاقنا حداثيّ تنويري مهتمّ بالعلم والتكنلوجيا، يجمع بين المقصّ التراثي والماكينة المعاصرة، ويعرف جيدا كيف يُدخِل ستيفن هوكنغ الجنة؟ هذه المكافآت لا يستطيعها زبائنه في "صالونه النمساوي"، إنّه زاهد مكتف بمحبة المريدين ممن استنارت قلوبهم بنور معرفته. لكنّ الحلاق يُظهِر تاليا خلاف ذلك، ويسعى خلف الأثرياء والساسة، من بلاد طالما ذمّها، ويُطِلّ من فضائياتهم، ويقبل بمناصب استشارية في بلادهم، ويسكت طويلا، ولا تدري لم يعود إلى الحديث. هل يناقض ذلك الولاية الربانية والقطبانية العرفانية؟! أبدا، فقد حفظ الحلاق أنّ الولي لا يُسأل عمّا يفعل، وقد يفعل ما ظاهره مذموم، ولكن باطنه يكون حينئذ مشرقا بنور المعرفة!
الحلاق مهم، والفرصة المتاحة أيام "صالون الحلاقة النمساوي"، التحالف مع "الإسلاميين المتخلفين"، الذين اكتشف مبكرا جدّا تقدمه عليهم، إنهم لا يقرؤون، ولا يقدرونه حق قدره، ليسوا مثقفين، الإسلاميون لا ينتجون مثقفين، وهو مثقف، إنّه غريب بينهم، قرأ في مهاد طفولته ما تسامع به أكبرهم في شيخوخته، وربما لم يتسامع به حتى، لكن لا بأس، هو متحمس للإصلاح، فلماذا لا يَظهر في مشاريع بعضهم طالما أنهم يتحدثون عن الإصلاح؟ ولماذا لا يمدح القرضاوي على منبره "الصالوني" ويصفه بـ"من أعظم نعم الله تبارك تعالى، ومن أجل علماء الأمة في هذه الحقبة، وفي هذا الوقت الذي نعيش، الإمام الشيخ الفقيه الشاعر المجتهد الأصولي والمربي والمجاهد في سبيل الله منذ كان شابا شيخنا وشيخ أهل الذكر والفكر..."، ولماذا لا يصفق لشيخ مغربي يدافع عن الإخوان في مؤتمر نظمه إخواني كويتي! إنه إصلاحي ويفكك الاستبداد، بشتم معاوية وأحمد بن حنبل كل جمعة، وهؤلاء الإسلاميون يتحدثون عن الإصلاح، ولأنهم لا يقرؤون، فسوف ينبهرون بمعرفته، التي لم يؤكّدها حرف واحد مكتوب طوال ذلك الوقت. التحالف المصلحي المؤقت لا بدّ منه، لأنّ الأمر منوط بالفرص!
لكن إذا كان صاحبنا الحلاق، كثير التناقضات الدالة على عبقريته، كدعمه للثورة السورية مرّة في منصة، وزعمه أنه لم يفعل ذلك أبدا في منصة أخرى، فما الذي يمنعه من ذمّ القرضاوي أخيرا، وأن يجعل حسن البنا مرّة عميلا إنجليزيّا، ومرة شيعيّا مستترا، وقد كان الحلاق نفسه، ويا للمفارقة، هو المتهم بالتشيع!
لا بدّ وأنّ أيّ أحد، حلاقا كان أم غير ذلك، سيهتمّ لمصاب أبناء شعبه، وقد يعارض عملية السابع من أكتوبر، لأنّه رأى مآلاتها في حدود الراهن كارثية، لن يلومه أحد على ذلك، لكن أن يصف من فقدوا كلّ شيء، وصمدوا حتى آخر مقاتل، أنهم دبّروا عمليتهم بليل لتدمير شعبهم، فهذه كبيرة، وأكبر منها أن يقول إنه صمت حتى لا يُستخدم كلامه ضدّ شعبه، حتى لو تكلم لاحقا ليُستخدم كلامه ضدّ شعبه
ذلك كلّه يمكن أن يمرّ، لكن كيف يمكن أن يمرّ الانقلاب على مشروع تفكيك الاستبداد؟! كيف يمكن لمن اصطنع شهرته بالنبش عن جذور الاستبداد في التاريخ أن يدعم الاستبداد المعاصر؟! يعلم الحلاق أنّ هذه كبيرة، وتمريرها صعب، لكن لا بأس، هو يعلم أن العالم منكوس، فهل وقفت عليه هو؟! ثمّ هو وليٌّ لديه كرامات، لا ينبغي أن يُسأل، كما أنّه لم يعد يقيم وزنا لزبائن صالونه السويسري، لم يكن يأتي الصالون القديم بهمه، ولكل مرحلة صالوناتها، كأيّ ممثل، أو مغني مهرجانات، انطلق من حيّ شعبيّ وصار لا بدّ وبعد الشهرة والمال أن ينتقل للسكن في كومباوند، ألا يغني حمو بيكا للصحوبية؟ غدا يغني للإنسانية، إنه مصلح على طريقته، غنّى مثلا "إنت معلمة" في قفزة تقدمية كبيرة في الغناء العربي في دعم الحركة النسوية، وفي دمج الميتافيزيقا الكونية بالعلم التجريبي للبحث عن الطاقة في الأنثى!
ثمّ هو مهم، أي صاحبنا الحلاق، مثقف، استثنائي، هاتوا حلاقا مثله لو استطعتم! هل رأيتم حلاقا يحلّ معضلة نزول جبريل المستحيلة وفق آينشتاين؟! فإذا كان الله قد فتح عليه هذا الفتح، فلماذا لا يؤيد الاستبداد؟! لا سيما وأنّ الشخص المهم، المثقف، الاستثنائي، المغرم بقطة شرودنجر، والذي يحفظ ألوان جوارب دارون التي بدّلها طوال حياته، ينبغي أن يقف في المكان الفائز، وأن يصطف مع المنتصر. ذاته النرجسية لا تقبل أن يكون قديس القضايا الخاسرة، فالمثقف الاستثنائي لا يقول إلا صوابا، ولا يقف إلا مع المنتصر، حتى لو اضطر، لضرورات تقديم أوراق الاعتماد عند المشغل الجديد؛ أن يقول عن نفسه إنه "درويش في السياسة" اعتذارا عن دعمه السابق للثورات العربية، وخطاباته المناهضة للاستبداد، وكأنه يقول لهم، ما كان ينبغي أن تأخذوني بجدية يا جماعة الخير، أنا حلاق!
لكن من أقرّ على نفسه بأنه درويش في السياسة، لماذا يعود للحديث في السياسة، وهذه المرّة لإدانة بعض أبناء شعبه؟! هنا يجب أن نُذكّر أن صاحبنا الحلاق المتنقل بين النمسا والخليج، فلسطيني الأصل، من غزة (مرّة أخرى أيّ تشابه محض صدفة). طبعا لا بدّ وأنّ أيّ أحد، حلاقا كان أم غير ذلك، سيهتمّ لمصاب أبناء شعبه، وقد يعارض عملية السابع من أكتوبر، لأنّه رأى مآلاتها في حدود الراهن كارثية، لن يلومه أحد على ذلك، لكن أن يصف من فقدوا كلّ شيء، وصمدوا حتى آخر مقاتل، أنهم دبّروا عمليتهم بليل لتدمير شعبهم، فهذه كبيرة، وأكبر منها أن يقول إنه صمت حتى لا يُستخدم كلامه ضدّ شعبه، حتى لو تكلم لاحقا ليُستخدم كلامه ضدّ شعبه، فصاحبنا الحلاق معتاد على مثل هذه التناقضات الطريفة الدالة على عبقريته، لكنها وسعت جدّا منه، حينما اقترف أكثر من ذلك، وهو يثني على البلد التي قال سفيرها في الولايات المتحدة أخيرا إنه لا بديل عن خطة ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة. على كل حال من يهتمّ إذا كانت هذا ثمن صالون الحلاقة في الكومباوند الجديد؟!
x.com/sariorabi