أحمد المسلماني يكتب: حول العالم في 200 كتاب
تاريخ النشر: 5th, February 2024 GMT
فى القرن التاسع عشر نشر الكاتب الفرنسى «جول فيرن» كتابه الشهير «حول العالم فى 80 يوماً»، وهو الكتاب الذى تم إنتاجه فى فيلم سينمائى عام 1956.
يعدّ كثيرون من مؤرخى الأدب أن «فيرن» هو أول كاتب خيال علمى، وأنه تنبأ بإطلاق رواد فضاء إلى القمر، واختراعات الكهرباء والسيارات والطائرات قبل عشرات السنين من توصل الإنسان لها.
فى سيرة «جول فيرن» أنه ولد فى جزيرة، وكان يستمع لقصص البحارة وحكاياتهم مع السفن والبحار والموانئ، حتى إنه حاول الهروب على سفينة وهو فى الحادية عشرة من عمره؛ لكى يعيش مغامرات البحر، وقصص البحارّة بنفسه، لكن والده نجح فى استرجاعه، ومنعه من المغادرة، فلجأ إلى السفر بالخيال.
ألَّف «فيرن» كتبه واسعة الانتشار مثل «رحلة إلى مركز الأرض» و«عشرون ألف فرسخ تحت الماء».. وتمت ترجمة أعماله إلى العديد من اللغات، ليكون من أكثر الكتَّاب انتشاراً فى العالم.
فى القرن العشرين ألَّف الكاتب المصرى الشهير أنيس منصور كتابه «حول العالم فى 200 يوم»، وهو فى ذلك يحاكى عنوان فيرن «حول العالم فى 80 يوماً».
قبل أيام قال لى ابن شقيقتى: إننى ذاهب إلى معرض القاهرة الدولى للكتاب ولدىَّ خطة واضحة. قلت له: لا توجد خطط أخرى لكى تكون لديك خطة خاصة، فكلنا نشترى كتباً ونحضر الندوات، ونحتسى القهوة.. فما الذى يجعل خطتك الواضحة مختلفة عن هذا السياق العام؟
قال لى: لأننى ببساطة حدّدت عدد الكتب التى سأشتريها، ومجال الثقافة التى تتضمنها. فقد نويت شراء (200) كتاب، على أن تكون موضوعات الكتب متنوعة وعالمية تطوف البلدان والقارات، والبحار والمحيطات.
قلت له: ولماذا (200) كتاب؟، قال لى: لأننى استمتعت مؤخراً بقراءة كتاب أنيس منصور «حول العالم فى 200 يوم»، وقررت أن أطوف العالم فى 200 كتاب.
والمؤكد أن الرحلة الدولية عبْر الكتب ستكون أقل تكلفة وربما أكثر متعة.
قلت له: هل تعرف أن أستاذاً كبيراً فى جامعة هارفارد اسمه «ديفيد دامروش» قد ألَّف كتاباً بعنوان «حول العالم فى 80 كتاباً» على غرار جول فيرن فى «حول العالم فى 80 يوماً»؟.. وهكذا أنت تفعل مع أنيس منصور ما فعله ديفيد دامروش مع جول فيرن.. لكن لا تنسَ أنه طاف كاتباً وأنت تطوف قارئاً.
أعرف عشرات الأصدقاء من المصريين وغير المصريين الذين ذهبوا إلى معرض القاهرة الدولى للكتاب هذا العام، وهم يحملون خطة خاصة لشراء كتب بعينها، بعضها لهم، وبعضها لأبنائهم، وبعضها إهداءات لمن يحبون.
إن معرض القاهرة الدولى للكتاب هو أجمل أحداث عام 2024، وإنّ زواره الذين تجاوزوا الأربعة ملايين قبل نهايته بيوميْن، والمشاهد البهيجة للعائلات وهى تنتقل من قاعة إلى قاعة، ومشاهد الأطفال وهم يشترون ويمرحون.. كلها أعطت ذلك الحدث الثقافى الرفيع دوراً نفسياً واجتماعياً لا يقل أهمية، ذلك أن الخروج من زحام الحياة ومتطلبات المعيشة وأعباء العمل وأخبار النشرات المؤلمة على شاشات التليفزيون.. هو بمثابة الركون إلى واحةٍ جميلة، أو الاستلقاء تحت ظل شجرة وارفة، أو مغادرة الكوكب لعدة ساعات.. والعيش بين الفلاسفة والمفكرين، والأدباء والعلماء.. وصنّاع الجغرافيا وقادة التاريخ.
إن القراءة هى إضافة إلى عُمر الإنسان، وهى الطريقة الوحيدة ليعيش المرء مائة قرن أو مليون عام. إذْ تُضاف أعمال الكتَّاب جميعاً إلى عُمر القارئ، فيرى ما رأوْا ويشهد ما شهدوا.
القراءة تنقل الإنسان من هدف «العمر الطويل» إلى حقيقة «العمر العريض».. وفى معرض القاهرة الدولى للكتاب كانت الفرصة سانحة لأكثر من أربعة ملايين إنسان ليعيشوا ألف عام.
المصدر: الوطن
كلمات دلالية: معرض القاهرة الدولي للكتاب معرض القاهرة الدولى للکتاب
إقرأ أيضاً:
قرن على كتاب هز العقول !
(1)
في السابع من أبريل القادم يكون قد مر قرن كامل على صدور كتاب أثار وما زال يثير نقاشا حيويا وخصبا، يمكن اعتباره الكتاب المؤسس في الثقافة العربية الحديثة؛ وأول كتاب يثير من المعارك والجدال ما زال قائما حتى وقتنا هذا، رغم ما شهده هذا القرن من أحداث مهولة بل أحداث جسام!
عن كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، للشيخ الجليل المستنير علي عبد الرازق (1888-1966) الذي أقام الدنيا ولم يقعدها منذ ذلك الحين بكتابه هذا (لم يتجاوز عدد صفحاته الـ136 صفحة من القطع الأقل من المتوسط)، وهو كتاب دشّن (معركة القدامى والمحدثين) أو (صراع المحافظين والمجددين)؛ مرحلة الإعلان عن بنية الثقافة والدولة الحديثة، في مواجهة تصورات وأنظمة بشرية وتجارب تاريخية انتهت ومضت، ولن يعيد التاريخ دورتها لأن التاريخ لا يعيد نفسه مهما جرى!
هذا بالضبط ما حدا بالبعض إلى النظر للكتاب، وقيمته وأهميته، كما يقول المؤرخ القدير الدكتور محمد عفيفي، من ناحية هذا المضمون الفكري "التجديدي" في بيان تاريخية نظام الخلافة وبشريته، في مقابل مَن روَّج إلى قداسة نظام الخلافة؛ إذ أوضح أن الخلافة نظام سياسي ابتدعه المسلمون، وليس نظامًا مقدسًا لا يستقيم الإسلام بدونه.
في نشرته الأولى من الكتاب يقول الدكتور محمد عمارة في تصديره لهذه الطبعة (1971): "منذ أن عرفت الطباعة طريقها إلى بلادنا لم يحدث أن أخرجت المطبعة كتابا أثار من الجدل واللغط والمعارك والصراعات مثلما أثار كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق الذي نشر قبل ما يقرب من نصف قرن" (كتب هذه السطور سنة 1971).
(2)
وها نحن الآن، بدورنا، نؤكد صحة هذه الأسطر بعد مرور مائة عام على صدور الكتاب؛ لأسبابٍ كثيرة جدا منها أن الشيخ المستنير قد قدم وللمرة الأولى في تاريخ الثقافة العربية نقدا منهجيا لتجربة الحكم في ظلال ما سمي بالخلافة الإسلامية؛ وهي نظام للحكم أقيم على أسس حدّدتها سياقات الحكم والسياسة والعمران في وقتها؛ ولم يكن لها أدنى صلة بالعقيدة كعقيدة؛ إنما أريد لها ذلك في أزمنة تالية على نزول الوحي، ومن ثم تم تكريس هذا النظام باعتباره نظاما دينيا.
تاريخيا، وبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وما جرى للدولة العثمانية، رجل أوروبا المريض، ونجاح أتباع تركيا الفتاة، قرر المجلس الوطني الكبير في أنقرة في نوفمبر من سنة اثنتين وعشرين (1922)، إعلان تركيا "جمهورية" وفصلها عن الخلافة، وكان قرار الفصل بين منصب رئيس الجمهورية ومنصب الخليفة، يعني الاعتراف بالاستقلال السياسي الكامل والتام عن الأتراك.
وتصدى بعض الكتاب الأتراك -آنذاك- لتأليف الكتب والدراسات التي تعضد هذا الموقف، فخرج كتاب «الخلافة وسلطة الأمة» لعبد الغني السني بك الذي أعيد نشره، كدراسة فقهية اعتمد عليها الكماليون للفصل بين الخلافة والسلطة، وفي المقابل (خاصة في مصر) كتب آخرون يرفضون هذا الإجراء مثل الشيخ الأصولي محمد رشيد رضا في المنار، وكتاب لمصطفى صبري أحد المعارضين لحزب تركيا الفتاة.
وفي مارس من سنة 1924، أُلغي منصب الخلافة ذاته في تركيا، فسَعَت أطراف عديدة إلى حيازة اللقب وفي القلب منهم ملك مصر آنذاك الملك فؤاد الأول، وكان المؤتمر الإسلامي في القاهرة جزءا من هذه الجهود.
(3)
وفي وسط هذه الموجة المحمومة من التطلع إلى وراثة نظام الخلافة ولقب الخليفة، خرج الشيخ علي عبد الرازق في أبريل من عام 1925 بكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، ليعلن من خلاله أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين، أبدا، بل هي اجتهاد بشري للمسلمين،
واستعرض تاريخ الخلافة والفصل الفعلي بين الخلافة وغيرها منذ العصر العباسي حتى القرن العشرين. وهناك دائما فجوة بين النموذج النظري في كتب العقائد، وبين التحقق الفعلي في التاريخ الاجتماعي للمسلمين. وتلك هي الإشكالية التي يتعرض لها الكتاب. فمشكلة الخلافة ما زال البعض يناقشها من زاوية الدين، لا من زاوية الدنيا، ومن باب العقيدة، لا من باب السياسة.
(4)
إجمالًا -وإذن- يمكن القول إن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» قد ظهر في أعقاب إلغاء نظام الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924 حين انقسم الناس فريقين؛ فريق يطالب بإعادتها مرة ثانية (وستكون هذه الفكرة هي النواة التي التف حولها كل دعاة الإسلام السياسي وتسييس الإسلام من الشيخ رشيد رضا ومن بعد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان).. وتيار آخر يعيد النظر تماما ونقديا في نظام الخلافة، ويدعو إلى الحيلولة دون قيامها، ويتزعمه حزب (الأحرار الدستوريين)، الذي ينتمي إليه الشيخ علي عبد الرازق وعائلته، ويرأس تحرير صحيفته الدكتور محمد حسين هيكل (صاحب كتاب «حياة محمد») الذي احتفى بالكتاب احتفاءً كبيرًا في جريدة «السياسة»، لسان حال الحزب.
وقد عالج الكتاب قضية الخلافة من حيث نشأتها، وتاريخها وتطورها، وعلاقتها بالإسلام، كما يعرض لتفاصيل ذلك النظام السياسي الذي أوجده الإسلام منذ قيامه إلى زمن أو عصر المؤلف. وينتهي إلى أن الإسلام لا صلة له بالحكم، ولا بالمجتمع وشؤونه الدنيوية، وأنه يجب إنهاء الخلافة في العالم الإسلامي، بما أنها نظام غريب عن الإسلام، ولا أساس له في المصادر والأصول المعتمدة من كتاب وسنة وإجماع.
والكتاب عبارة عن مقدمة وثلاثة أقسام، القسم الأول بعنوان "الخلافة في الإسلام" تناول فيه طبيعة الخلافة، وحكم الخلافة، والخلافة من الوجهة الاجتماعية، أما القسم الثاني فيدور حول "الحكومة والإسلام" وقد تناول فيه الشيخ علي عبد الرازق نظام الحكم في عصر النبوة، مميزًا بين الرسالة والحكم، طارحًا فيه فكرته عن الإسلام باعتباره "رسالة لا حكم ودين لا دولة"، أما القسم الثالث فيتتبع فيه "الخلافة والحكومة في التاريخ"
ومنذ صدوره، أثار الكتاب جدلًا طويلًا في الأوساط الفكرية، وانقسم المثقفون إلى تيار "ليبرالي" مؤيد يمثله مفكرون ينتمون إلى حزبي (الوفد)، و(الأحرار الدستوريين)، وتيار سلفي معارض يأتي في طليعتهم الشيخ محمد رشيد رضا على صفحات مجلة «المنار»، والشيخ محمد الخضر حسين في كتابه «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»؛ فضلًا عن هيئة كبار علماء الأزهر.
وقد نشرت دراسات كثيرة حول الكتاب، باللغة العربية واللغات الأجنبية، ومن بينها كتابا «الإسلام والخلافة في العصر الحديث» لمحمد ضياء الدين الريس، و«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق «دراسة ووثائق» لمحمد عمارة، وهو الذي نعتمد عليه هنا في هذه الحلقة من مرفأ قراءة والحلقات التالية التي سنفصل فيها القول عن الكتاب وحوله بمشيئة الله.
(5)
لقد أراد الشيخ علي عبد الرازق من كتابه، وبما أعلنه من أفكار حرة جريئة، تحرير العقول الإسلامية؛ لكي يتمكن المسلمون من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.
وتلك ببساطة -مع ضرورات الاختزال والتكثيف لحدود المساحة- هي أهم الأفكار التي يقوم عليها كتاب الشيخ المستنير علي عبد الرازق الذي كان ثائرًا بحق على الأوتوقراطية والثيوقراطية معا، والذي التقط أسلحته من الإنجاز العقلاني التراثي الإسلامي الأصيل، ومن الإنجاز الموازي لدعاة الدولة المدنية في الغرب الأوروبي الذي كان يعرفه، ولا يتردد في الإفادة منه عملًا بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وكان هدفه إعادة فتح أبواب الاجتهاد على مصاريعها، وهو أمر لا يقل عن إيمانه بالدولة المدنية ودفاعه عنها.