التعليم في مدارس حجة.. واقع مؤلم وبؤس ومستقبل قاتم (تقرير)
تاريخ النشر: 5th, February 2024 GMT
"أقطع مسافة 5 كيلو مترات ذهابًا وإيابًا، مشيًا على الأقدام، للدراسة في إحدى مدارس محافظة حجة، واحصل على حصتين فقط وأحيانا لا نتلقى أي حصة دراسية من المقرر التعليمي؛ بسبب عدم توفر أساتذة متخصصين للمواد خاصة المواد العلمية التي تسرب مدرسيها بعد انقطاع المرتبات".. بهذه الكلمات يُلخّص الطالب عبد الكريم حاسر (16 عامًا) معاناته في تلقي التعليم في مديرية كعيدنة بمحافظة حجة (شمال غربي اليمن).
في حديثه لـ "الموقع بوست" يقول حاسر "غادرت مدرسة النهضة في حجة صوب مدينة الحديدة للحصول على بيئة تعليمية أفضل، بعد تدهور المستوى التعليمي بشكلٍ سيء في بلادي، خاصة بعد استقطاب متطوعين للتدريس بشهادة الثانوية العامة، لافتًا إلى أن هناك العديد من الطلاب الذين تركوا الدراسة في الريف، وانتقلوا إلى مدارس خاصة (أهلية) في المدن".
بحسب شهادات طلاب وتربويين أصبح وضع التعليم في محافظة حجة في حالة يرثى لها بعد انقطاع مرتبات المعلمين مما لجأ غالبيتهم إلى الانخراط في سوق العمل بحثًا عن مصدر معيشة لإعالة أسرهم.
وفي ذات السياق تحدث التربوي أحمد كرامة عن وضع التعليم في مدارس مديرية كعيدنة، حيث قال "منذ انقطاع المرتبات في 2016 بدأ التعليم يتراجع شيئاً فشيئا مع انخراط المعلمين في أعمال أخرى تكفل لهم ولأسرهم حياة معيشية كريمة، زاد التعليم سوءًا حيث سجل تراجعًا مخيفًا في مديريتنا وشهدت المدارس عزوفا عن التعليم".
في حديثه لـ "الموقع بوست" يقول كرامة وهو مدير مدرسة عقبة بن نافع "خلال السنوات الأخيرة واجهنا صعوبات وتحديات عديدة، مع الكثافة السكانية نشعر بالقصور الكبير أمام أبناءنا الطلاب، لقد عجزنا عن تقديم أبسط متطلبات التعليم من طباشير وأقلام سبورات ومياه للحمامات".
المشاركة المجتمعية
وأضاف "أيضًا الحلول التي وضعناها سابقًا لم تعد تجدي نفعًا، المشاركات المجتمعية التي كنا نجمعها من الطلاب لتوفير المستلزمات البسيطة لم نعد نحصل عليها، وأصبح الطالب في وضع أسوء من المعلم ومن الطبيعي أن تتلاشى المساهمات المجتمعية لدعم التعليم خصوصًا أن الظروف المعيشية الصعبة طالت الجميع بلا استثناء".
وتابع كرامة: "انعدام الكتاب المدرسي سبب أساسي في تردي التعليم، إذ لا تتوفر الكتب أبدا في المدارس الحكومية، منذ أربع سنوات، ولم نستلم أي كتاب جديد، من قبل مكتب التربية في المديرية، مع أن الرسوم لا زالت تورد للمكتب".
وعن ماهية الوضع في السنوات الماضية، أردف قائلاً "عملنا في الأعوام السابقة بالمتاح حيث قدمنا منهج واحد (للمعلم فقط) ويتم كتابة الدروس على السبورة بحيث ينقلها الطالب في كراسة، ولأن هذه العملية لم تنجح، عمدنا إلى تنزيل المناهج إلكترونيًا، لأن معظم الطلاب لا يملكون هواتف، حرصنا على إيصال الفكرة لآبائهم وإخوانهم حتى يتم منحهم فرصة لاستخدام هذه الأجهزة لبعض الوقت من أجل المذاكرة رغم ما ينطوي عليه هذا الأمر من مجازفة صريحة وضرر لا يكاد يخفى على أحد".
تحديات
المعلم أحمد محسن الحجوري، يعمل موجها في مديرية كشر تحدث عن التحديات التي تواجهها المجتمعات الريفية بما يخص التعليم وانشغال الناس بتوفير لقمة العيش، والعزوف الكبير الذي تشهده المدارس، وقال إن السبب الرئيس وراء هذا التدهور هو توقف صرف رواتب المعلمين، بالإضافة إلى مشكلة جوهرية وهي عدم توفر الكتاب المدرسي".
في حديث لـ "الموقع بوست" يرى الحجوري "أنه لا يمكن بأي حال تجاهل تبعات الحرب وما آل إليه الحال لا سيما في محافظة حجة، التي تعد واحدة من أكثر المحافظات تضررًا في هذا الجانب، فالمحافظة المترامية الأطراف تشكل نسبة الأرياف فيها نسبة أكبر من الحضر، تضررت بشكل مباشر على مستوى البنية التحتية للمؤسسات التعليمية التي دُمرت بالكامل، وأبرزها المدارس حيث بلغ عدد المدارس المتضررة في محافظة حجة 161 مدرسة".
وأضاف "لأن الأرياف في حجة تحتل مساحة أكبر من الحضر زاد تدهور التعليم بالمحافظة، الأمر الذي تسبب في آثار سلبية بالغة على الأجيال الحالية والقادمة في آن واحد خصوصا في الأرياف".
محمد حسن، رئيس مجلس الآباء في مديرية "قفل شمر"، هو الآخر تطرق عن معوقات التعليم قائلاً: "عدم توفر الكتاب المدرسي عامل من عوامل تدهور التعليم، ولعل ما يزيد الأمر سوءً هو وجود المعلم بين مطرقة الظروف المعيشية الصعبة وسندان انقطاع الرواتب، الأمر الذي فاقم حدة الفقر وانتشار البطالة في البلاد".
وأضاف: "المعلمون يعملون بجد وتفان لتعليم الأطفال والشباب، ولكنهم يعانون من ضغوط مالية كبيرة نتيجة عدم صرف رواتبهم الغائبة منذ نصف عقد، وهذا دفع معظم المعلمين لممارسة أعمال أخرى مثل البناء والخياطة والزراعة بجانب التدريس لتأمين بعض الاحتياجات الضرورية، والبعض الآخر هاجر إلى المدن للبحث عن فرص عمل، بعد أن قامت المدارس بتوفير معلمين بدلاء لهم من خريجي الثانوية العامة، ممن لا إلمام كاف لديهم لا بالمنهج ولا بطرق التدريس، وهذا الأمر حتمًا يؤثر سلبًا على جودة التعليم".
تذمر وقلق
وفي خضم هذا الوضع المتردي، يشكو المواطنون من ضعف العملية التعليمية في قراهم، بينما يشكو المعلمون من تكدس الديون على كاهلهم وانعدام أبسط مقومات الحياة في منازلهم، وفي هذا الصدد تحدث أحمد الجبر نائب مدير مكتب التربية والتعليم في محافظة حجة، أن التعليم يمر بأسوأ فتراته من ضعف المستوى والمخرجات وذلك يعود إلى عدة عوامل، منها الأحداث والمتغيرات السياسية والاقتصادية التي يمر بها الوطن بشكل عام وعدم توفر المرتبات للمعلمين، حيث أصبح معظمهم تحت خط الفقر".
في تصريح لـ "الموقع بوست" يضيف الجبر "عدم توفر الكتاب المدرسي والوسائل التعليمية اللازمة، وفي ظل هذا الواقع المؤلم، اضطرينا لاستخدام الطرق التقليدية في التعليم، كالإلقاء، والتلقين تماشيا مع الوضع".
وفي حديثه عن الحلول والوسائل التي يلجأ إليها مكاتب التربية يقول أحمد الجبر: "نحن نعمل بالحلول الممكنة لمشكلة عدم توفر الكتاب المدرسي، قمنا بتفعيل المشاركة المجتمعية ومساهمة الداعمين لتوفير الكتاب المدرسي للصفوف الأولى، واستخدمنا الكتاب الالكتروني من قبل طلاب المراحل المتقدمة، والاعتماد على ملخصات المعلمين، ومتابعة القنوات التعليمية والاستفادة منها قدر الإمكان".
ويضيف: "نسير وفق خطط استراتيجية بحسب الموارد المتاحة للارتقاء بالعملية التعليمية، ومن أهم معالم تلك الخطط وما حققناه، أولا تفعيل دور المشاركة المجتمعية، وتنفيذ زيارات إشرافية لضمان انتظام الدوام في المدارس، كذلك تنفيذ زيارات تقييمية وإشرافية عن طريق قسم الاشراف التربوي، ووضع خطة احتياجات تدريبية يتم على ضوئها تنفيذ ورش تدريبية حسب الامكانات المتاحة، وانشاء صندوق الصمود التربوي والذي يسهم في تنفيذ برامج التأهيل المنفذة من قبل إدارة التربية".
وأردف "قمنا بتنفيذ اختبارات مركزية معدة من قسم الاشراف التربوي وبإشراف مباشر من إداريي إدارة التربية؛ وذلك لتقييم تلاميذ الصف الثالث الأساسي لقياس مستوى التعليم والمهارات الأساسية المكتسبة، إضافة إلى وضع الخطط والحلول الممكنة للارتقاء بالعملية الامتحانية من خلال تنفيذ خطة استراتيجية للقضاء على مشكلة الغش في الامتحانات العامة، حيث استطعنا تقليص ظاهرة الغش، وبالتالي أصبحت المراكز الاختبارية في المديرية نموذجا للهدوء والانضباط، ولم يعد هناك وجود لأي مظهر من مظاهر اختلالات العملية الاختبارية مثل التجمهر والابتزاز المادي وغير ذلك، وأصبحت لدى المجتمع ثقافة الاعتماد على النفس، حيث عملنا على توفير فلاشات تعليمية واستخدام وسائل التواصل لنشر الكتب والملخصات ونماذج الامتحانات للطلاب".
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: اليمن حجة التعليم الطلاب حقوق فی محافظة حجة الموقع بوست التعلیم فی
إقرأ أيضاً:
سد النهضة ومستقبل السودان: مخاطر تتزايد في ظل الحرب
سد النهضة ومستقبل السودان: مخاطر تتزايد في ظل الحرب
لابد من كشف المخطط قبل وقوع الكارثة …
بقلم: حاتم أبوسن
في غياب فهم منطقي للأسباب الحقيقية و دوافع القوي الخفية التي تدير هذه الحرب التي تستهدف السودان أرضا و شعبا تتفجر استفهامات حول ما إذا كان واحد من أغراض هذه الحرب تفريغ المدن السودانية علي الشريط النيلي، مما يثير تساؤلات خطيرة حول الأهداف الاستراتيجية وراء كل ما يحدث الآن من تآمر! هل يريدونها أرض بلا سكان؟ يثير ذلك مخاوف حقيقية حول إستهداف سد النهضة و إستخدام الحرب كغطاء مما سيؤدي حتما إلي كارثة مائية غير مسبوقة حيث أن السودان هو المتضرر الأول من أي انهيار محتمل. إن هذه التطورات تفرض علي الحكومة السودانية التعامل بحذر و جدية تامة مع التهديدات المحتملة، وأن تتحرك بسرعة لضمان ألا يتحول سد النهضة إلى سلاح مدمر يستخدم ضد السودان وشعبه و هنا يجب أن نذكر أن أي استهداف لهذا السد ليس مما ستقوم به مليشيا الدعم السريع و لكن سيكون إكتمال لأركان جريمة عالمية تم التخطيط لها مسبقا و ينبغي أن تتحمل إثيوبيا و قوي الشر العالمي التي خططت لهذا الدمار مسئولية و تبعات ذلك.
رغم كل التحديات الأخري فإن سد النهضة الإثيوبي يمثل خطرًا يفوق الحرب الحالية في حجمه وتأثيره. الحرب مهما بلغت شدتها، تبقى محصورة في مناطق معينة، ولكن انهيار سد النهضة أو استخدامه كسلاح سياسي قد يؤدي إلى محو أجزاء واسعة من السودان بالكامل، في كارثة تفوق كل ما شهده تاريخنا من دمار. هذا ليس تهويلًا ولا مبالغة، بل حقيقة علمية واستراتيجية يجب أن تتعامل معها الحكومة بجدية تامة. إن التقليل من شأن هذا التهديد، أو الاستمرار في التعامل معه بحسن نية، هو رهان خاسر ستكون عواقبه كارثية. السودان في موقف لا يسمح له بالتهاون، ولا مجال فيه للمجاملة أو التجاهل. على القيادة السودانية، رغم الظروف الصعبة، أن تضع ملف سد النهضة على رأس أولوياتها، وأن تتحرك بجدية وحزم لضمان أمن البلاد قبل فوات الأوان
هذه فرصة أخري للتذكير بفداحة هذا الأمر و التنبيه إلي أن سد النهضة الإثيوبي خطرًا استراتيجيًا لم يُعطَ حقه من التقدير. الآن أصبح السد أداة يمكن استخدامها كسلاح سياسي وأمني في أي لحظة. ومع تصاعد النزاعات في السودان، يصبح أمن السد و التحكم فيه قضية أمن قومي للسودان.
لسنوات، تعامل السودان مع سد النهضة بتهاون كامل مفترضًا أن إثيوبيا ستراعي مصالحه المائية والأمنية. لكن الواقع يكشف أن إثيوبيا، رغم وعودها، مضت قدمًا في بناء وتشغيل السد بشكل أحادي، متجاهلة المخاوف المشروعة للسودان ومصر. ومع غياب حكومة سودانية مستقرة، أصبحت الخرطوم في موقف ضعيف تفاوضيًا، مما يفتح الباب أمام كل الإحتمالات.
إن الوضع الحالي في السودان يجعل السيناريو الأسوأ أكثر احتمالًا: انهيار السد بسبب خطأ فني، أو استهدافه عسكريًا في ، أو حتى استخدامه كورقة ضغط. في كل هذه الحالات، السودان هو المتضرر الأكبر، نظرًا لقربه الجغرافي واعتماده المباشر على مياه النيل الأزرق. ومع غياب خطط طوارئ واضحة، فإن أي خلل في السد يمكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، لا يمكن استبعاد أي احتمال. إذا قررت إثيوبيا، لسبب أو لآخر، تقليل تدفق المياه أو حجزها لفترات طويلة، فسيعاني السودان من موجات جفاف خطيرة تؤثر على الزراعة وإمدادات المياه والكهرباء. و لكن يبقي الخطر الأعظم إذا تم إطلاق كميات هائلة من المياه بشكل مفاجئ، فقد تحدث فيضانات مدمرة تجرف قرى ومدنًا بأكملها.
أما على الصعيد العسكري، فإن احتمال استهداف السد في أي مواجهة إحتمال لا يمكن تجاهله. وإذا حدث ذلك سيكون السودان بالضرورة في قلب الكارثة، حيث ستجتاحه موجات مائية هائلة تدمر و تغرق آلاف الكيلومترات من أراضيه مما سيقود لكارثة إنسانية ستكون الأعظم في هذا العصر.
في ظل هذه المخاطر، لا بد من إعادة النظر في استراتيجية السودان تجاه سد النهضة و التعامل بصرامة مع إثيوبيا، المطلوب الآن ليس مجرد تصريحات أو بيانات، بل خطوات فعلية تشمل إعادة تقييم الموقف الرسمي بحيث يتبنى السودان موقفًا حازمًا يراعي تأمين البلاد و السكان أولا دون أي تنازلات . كما يجب المطالبة بآليات واضحة لإدارة السد، والضغط من خلال القنوات الدبلوماسية والقانونية لضمان شفافية تشغيله، وتحديد قواعد ملزمة تمنع أي استغلال سياسي له. السودان أيضًا بحاجة إلى تنسيق فعال مع الأطراف الدولية، واستغلال التغيرات السياسية الحالية لمطالبة الوسطاء الدوليين، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي، بضمانات واضحة حول سلامة السد وحماية السودان من أي تبعات محتملة. لابد من إطلاق صافرة الإنذار مبكرا لفضح أي مخطط يدور في الخفاء.
إلى جانب ذلك، يجب تطوير خطط طوارئ وطنية للتعامل مع أي طارئ متعلق بالسد و التركيز علي حماية السكان أولا إضافة إلي حماية مرافق الدولة الإستراتيجية من أي أحتمال سواء كان فيضانًا مفاجئًا، أو انقطاعًا طويلًا في تدفق المياه، أو انهيارًا كارثيًا. إن استمرار تجاهل هذا الملف، أو التعامل معه بسياسة الانتظار، قد يكلف السودان ثمنًا باهظًا في المستقبل القريب. الحل ليس في التصعيد غير المدروس، بل في تبني نهج ذكي ومتوازن يحمي مصالح السودان ويمنع أي إستخدام للمياه كسلاح..و تحميل إثيوبيا و من يقف خلفها المسئولية مقدما و التحذير الصارم من عواقب الإغراق المتعمد للسودان.
habusin@yahoo.com