نار الأسعار أذابت برودة «طوبة»
تاريخ النشر: 3rd, February 2024 GMT
موجة الغلاء التى تشهدها البلاد والتى تعد الأكبر فى العصر الحديث، أصابت المصريين بحالة من الغليان والترقب نظرًا لقفزاتها المتوالية التى فاقت مقدرة الجيوب الفارغة والبطون الخاوية لغالبية الشعب.
وبات الغلاء القاسم المشترك فى الحديث بين جميع الطبقات، بل بين أفراد الأسرة الواحدة، خصوصًا بعدما طالت الزيادة المبالغ فيها وغير المبررة السلع الإستراتيجية والأساسية التى لا غنى عنها.
وأصبح مجرد التفكير فى بعض السلع بمثابة جريمة إنسانية يعاقب بها المواطن نفسه وأهله، وخاصة اللحوم والأسماك والدجاج وحتى غالبية الخضراوات والبقوليات، وغيرها.
الحكاية أصبحت أكبر من الاستغناء لمواجهة الغلاء، فالموجة السعرية المرتفعة لم تترك شيئًا إلا وطالته، وضاعفت ثمنه أكثر من مرة فى أوقات قصيرة متلاحقة، بل إن بعض السلع يزيد ثمنها فى اليوم الواحد بصورة متكررة ومتلاحقة.
من هنا لم تعد فكرة الاستغناء مجدية، والسبب ببساطة أن الأمر فى هذه الحالة سوف يعنى الصوم عن الطعام حتى الموت، فكل السلع باتت فوق مقدرة المواطن.
ميزانية الأسرة المصرية أصبحت معقدة جدًا بين الرواتب والدخل والمصروفات اليومية المتعلقة بالاحتياجات الأساسية والضرورية والتى لا غنى عنها، ولم تعد أكثر السيدات تدبيرًا قادرة على إدارة شئون المنزل لأيام تعد على أصابع اليد، وعجز جهابذة الاقتصاد عن وضع حلول عاجلة تنقذ الأسر المصرية.
اختفاء التسعيرة الجبرية والرقابة على الأسواق دفع التجار إلى تولى زمام الأمور بما يخدم مصالحهم فقط وفقًا لنظرية العرض والطلب، بل ووضع بورصة أسعار لكل سلعة من قبل تجار الجملة، أما أصحاب المحالّ فلكل منهم بورصته الخاصة يتحكم فيها كيفما شاء وبالطريقة التى تزيد أمواله تكدسًا.
خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى انتشر فى مصر نموذج التسعيرة الجبرية، حيث كانت الدولة ملزمة بتقدير قيمة البضائع فى الأسواق والتى تعد إحدى آليات الرقابة على الأسواق المرتبطة بالأنظمة الاشتراكية عبر وضع تسعير جبرى لكل سلعة، ويجرم كل من يبيع بغيرها، وفى نهاية الثمانينيات تحولت مصر تدريجيًا نحو السوق الحرة معتمدة على نظرية العرض والطلب.
واستغل السماسرة نظرية العرض والطلب فى خلق سوق سوداء تعتمد على احتكار السلع وإخفائها وتعطيش الأسواق، ومن ثم عرضها بأضعاف ثمنها، وعندما تدخلت الدولة وفرضت التسعيرة على 7 سلع استراتيجية انضبط السوق قليلًا ثم اختفت السلع من الأسواق لتعود بأسعار جديدة.
باختصار.. الاقتصاد الرأسمالى قائم على فكرة المنافسة بين التجار على السلع من حيث السعر والجودة والمستهلك صاحب القرار فى عملية الشراء وفقًا لإمكانياته، ولأن التجار فى غياب الأجهزة القادرة على ردع الاحتكار وإخفاء السلع وتعطيش السوق وإشعال السوق السوداء وفرض الأسعار المغالى فيها فإن مواجهتهم باتت أكثر صعوبة، بل إنهم يفرضون إرادتهم على الحكومة.
من هنا نرى أن الدولة مطالبة بأن تستورد بنفسها السلع الإستراتيجية التى يحتاجها المواطنون وأن تقوم ببيعها فى منافذها الخاصة بهامش ربح قليل، وهذا الأمر سيكون له فائدتان أولهما هى التخفيف عن كاهل المواطن وإشعاره أن الدولة تسانده وتقف بجانبه، وثانيهما أن هذا الأمر الذى تقدم عليه العديد من الدول فى مثل هذه الأحوال سوف يدفع التجار إلى خفض أسعارهم خاصة وأن أغلبهم يحقق هامش أرباح تفوق أضعاف الأرباح المستحقة مما يسهم بشكل كبير فى عودة الاستقرار إلى الأسواق خاصة إذا لم يكن هناك ما يدعو لهذه الزيادات غير المبررة.
تبقى كلمة.. لا يجب أن تتخلى الحكومة عن دورها لصالح التجار وأصحاب المصالح، فمسئوليتها فى المقام الأول هى حماية المجتمع وتوفير حياة كريمة لأفراده، وبالتالى يجب أن يكون توفير السلع الأساسية والضرورية للمواطنين بأسعار تتناسب مع إمكانياتهم على رأس أولويات الحكومة.
[email protected]
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: باختصار
إقرأ أيضاً:
في رحاب الشام يزور أسواق دمشق ويتعرف على تاريخها
ووفقا لحلقة 2025/4/3 من برنامج "في رحاب الشام" فإن التاجر الشامي يبدأ يومه بصلاة الفجر في الجامع الأموي أو غيره من المساجد القريبة من السوق.
وبعد الصلاة، يفتح التاجر باب محله ويرش قليلا من المياه أمامه ثم يبدأ بقراءة القرآن الكريم انتظارا لقدوم أول الزبائن الذي يعتبرونه دليلا على ما سيكون عليه اليوم كله.
فإذا كان أول زبون هينا لينا منحهم شعورا بأن يومهم سيكون سهلا وافر الرزق، وإذا كان صعبا كثير الجدل اعتبروه دليلا على أنه سيكون يوما صعبا.
وقديما، كان التاجر الذي يستفتح يرفع كرسيه من أمام باب محله فإذا دخل عليه زبون جديد أرسله إلى أحد جيرانه الذين لم يبيعوا شيئا بعد، وهي عادة كانت تدل على الحميمية التي كانت تحكم علاقتهم ببعضهم.
أسواق متعددة
وتوجد في دمشق العديد من الأسواق التي غالبا ما تحمل أسماء السلع التي تبيعها مثل أسواق النحاسين، والهال، والمناخلية، والحرير، والعطارين، وخان الزيت. واللافت في هذه الأسواق أنها تفضي جميعا إلى بعضها.
ولكن دمشق تضم أسواقا أخرى مهمة مثل سوق مدحت باشا وهو الأطول في العاصمة السورية ويقطعها من الشرق للغرب، وكانوا يسمونه السوق الطويل.
ويعود عمر هذا السوق لآلاف السنين حيث تأسس في عهد والي الشام مدحت باشا، وكان عبارة عن شارع طويل جدا قبل تقسيمه لعدد من الأسواق.
إعلانوخلال مسيرك ستجد على يمينك ويسارك العديد من الأسواق الفرعية، وهو أيضا يعج بمحلات العسل والزيت والملابس والعطارة التي تبيع آلاف النباتات المزروعة كلها في سوريا.
وتم سقف هذا السوق بالحديد في عهد الوالي حسين ناظم باشا مطلع القرن العشرين لحمايته من الحريق، ويمنح هذا السقف الزائرين شعورا بالجو التاريخي القديم.
ويحرص التجار على أداء الصلوات بالمسجد فيضع الواحد منهم كرسيا على باب محله في إشارة إلى أنه دخل المسجد.
أسواق مرتبطة بالتاريخ
ولا تنفصل أسواق دمشق عن التاريخ فكل واحد منها محاط بالعديد من المعالم القديمة، ففي محيط سوق البذورية على سبيل المثال ستجد قصر العظم وقصر أسعد باشا وحمام نور الدين، وكلها مناطق أثرية قديمة.
كما أن البناء القديم لهذه الأسواق ليس مجرد جدران قديمة ولكنه دليل على تفكير من أسسوا هذه الأماكن، ففي سوق الصاغة القديم كانت توجد أيضا محلات القباقيب التي تساعد على المشي فترات طويلة دون تعب، كما يقول أحد الباعة.
وتعتبر زيارة سوق الحميدية وتذوق بوظة بكداش من أهم الأمور التي يحرص عليها زوار دمشق التي تشير أسواقها إلى ما كانت عليه أخلاق السابقين واهتمامهم بمعاني الأشياء.
كما أن المباني مرتبطة بشكل واضح بتاريخ البلاد السياسي والعسكري والاقتصادي، وأخلاق الشعب وقيمه ومبادئه الحضارية التي جعلت هذه الآثار باقية حتى اليوم.
3/4/2025