لحظة بلحظة.. الحرب في غزة وتداعياتها إقليميا وعالميا \02.02.2024\
تاريخ النشر: 2nd, February 2024 GMT
يستمر القصف الإسرائيلي لقطاع غزة لليوم الـ119 في ظل كارثة إنسانية وصحية في القطاع، ومحاولات دولية لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار.
إقرأ المزيد. جماهير ناد إسباني تهز الملعب بهتافات للحرية وأعلام فلسطين خلال لقاء مع فريق إسرائيليمصدر أمني مصري ينفي وجود أي ترتيبات أمنية جديدة بشأن محور فيلادلفيا
المصدر: RT Arabic
كلمات دلالية: الجيش الأمريكي الجيش الإيراني الحرب على غزة الحوثيون الضفة الغربية القضية الفلسطينية حركة حماس حزب الله قطاع غزة كتائب القسام
إقرأ أيضاً:
لحظة سقوط العولمة أم تدشين نظام عالمي جديد؟!
لا يمكن قراءة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي ترامب على جميع دول العالم تقريبا، وبشكل متفاوت، باعتبارها سياقا اقتصاديا بحتا دون النظر إليها من زوايا سياسية وأمنية واجتماعية، وربما حضارية إذا ما تم النظر إليها في سياق متكامل. إن الأمر أكبر بكثير من أنها أداة اقتصادية «حمائية»، لكنها في الحقيقة لحظة فاصلة في التاريخ المعاصر، تعكس انهيارا متسارعا لنظام عالمي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، كان يتداعى منذ سنوات، وها هو اليوم يترنح على حافة السقوط الكبير.
لكن المفارقة الأعمق أن هذه الرسوم لا تأتي في سياق اقتصادي بحت، بل في لحظة بلغ فيها الشك في قدرة العولمة على البقاء مبلغه. وإذا كانت العولمة قد بُنيت على فكرة حرية الأسواق وانسياب السلع والعمالة، فإنها في مقابل ذلك حملت الكثير من بذور التناقض وصنعت خلال العقود الطويلة الماضية تفاوتا كبيرا في الثروات بين الدول، وضربت الصناعات المحلية في كثير من دول العالم العربي والإفريقي، وسحقت محاصيل صغار الفلاحين أمام منتجات مدعومة من قِبل القوى الكبرى.
ولا يسقط ترامب بهذه الرسوم الجمركية الارتجالية العولمة وحدها، ولكنه، أيضا، يُسقِط ما تبقى من أوهام «النظام العالمي الليبرالي» القائم على التعاون الدولي، والمؤسسات الأممية، ومبادئ السوق المفتوحة؛ لذلك فإن هذه الرسوم تبدو في بعدها العميق طعنة في خاصرة منظمة التجارة العالمية، وإعلانا فجا بأن الولايات المتحدة لم تعد ملتزمة بترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأنها تسعى لفرض نظام جديد قائم على منطق القوة الاقتصادية لا التفاهمات.
وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئا خلال السنوات الماضية، فهو أن انهيار العولمة لا يعني فقط نهاية الانفتاح، بل غالبا ما يتبعه تصاعد القوميات، وتفكك التحالفات، واشتعال الحروب وهذه البذور كلها مطروحة في تربة العالم المتعطشة. والمرحلة القادمة سيعلو فيها صوت الاكتفاء الذاتي، فليست أمريكا وحدها التي تعتقد أنها قادرة على أن تكون مكتفية بنفسها عن الآخرين.. الصين تستطيع قول الشيء ذاته. وأوروبا بدأت تستيقظ متأخرة لتبني آليات سيادية للتصنيع والطاقة والغذاء. أما أخطر ما في المرحلة القادمة، فهو شيوع خطاب «بناء الجدران» و«الاستقلال بالقوة»، وهو خطاب يقود إلى فوضى عالمية لا يمكن التنبؤ بعواقبها.
وليست المنطقة العربية، رغم غيابها الحقيقي عن خريطة الإنتاج والتصدير، بمنأى عن آثار هذه الزلازل الاقتصادية التي ما زالت مستمرة.. فاقتصادات الخليج التي بُنيت على العوائد النفطية والاستثمارات العالمية تواجه اليوم تحديات مضاعفة في ظل تصدع سلاسل التوريد، وتراجع حركة رؤوس الأموال. والدول العربية ذات الاقتصادات الهشة مهددة بأن تُسحق تحت رحى التنافس بين الكتل الكبرى، تماما كما سُحقت الكثير من الشعوب في عصور الاستعمار الاقتصادي الحديث. والأسوأ أن غياب موقف عربي موحّد أو رؤية استراتيجية إقليمية يجعل المنطقة رهينة لتقلبات لا تملك أدوات مواجهتها.
وهناك سؤال مهم جدا لا بدّ من طرحه في العالم العربي: هل تستطيع الدول العربية، وخاصة الخليجية ذات الإمكانيات المالية الكبيرة، أن تستثمر هذه اللحظة التاريخية لتوطين صناعات ضخمة، وأن تكون ملاذا لرؤوس الأموال الباحثة عن بيئة أقل تكلفة جمركية من أوروبا والصين؟ أو أن الفرصة ستضيع كما ضاعت غيرها؟
ليس علينا، إذا، أن نتوقف أمام الرسوم الجمركية باعتبارها إجراء حمائيا متهورا فرضه ترامب، بل نحتاج أن ننظر له باعتباره جرس إنذار عال يُلزمنا بإعادة التفكير في مستقبلنا الاقتصادي والسياسي ضمن عالم يعاد تشكيله. فإما أن نشارك في هندسة هذا المستقبل، أو نظل على الهامش، نتحمل كلفة قرارات الآخرين.
والعالم يتغير، كما لم يتغير من قبل، لكن القوة وحدها هي التي تحدد من ينجو ومن يدفع الثمن. فهل نملك في هذه اللحظة التاريخية شجاعة اتخاذ القرار، أو سنكتفي مرة أخرى بدفع الأثمان؟