الجزيرة:
2025-02-28@04:58:54 GMT

مصر وإمكانية تطويق إثيوبيا في القرن الأفريقي

تاريخ النشر: 31st, January 2024 GMT

مصر وإمكانية تطويق إثيوبيا في القرن الأفريقي

بعدما أعلنت مصر في 19 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، "انتهاء المسارات التفاوضية مع إثيوبيا بشأن سد النهضة؛ بسبب مماطلات الأخيرة، وتأكيد حقها المكفول بموجِب المواثيق الدوليّة للدفاع عن أمنها المائي والقومي في حالة تعرضه للضرر".

بات السؤال الذي يطرح نفسه عن الخِيارات المصرية في التعامل مع هذه الأزمة، خاصة أن الخيار التفاوضي لم يعد مجديًا بعد مفاوضات استمرّت 12 عامًا، فضلًا عن رفض إثيوبيا الخيار القانوني المتمثل في اللجوء إلى التحكيم، أو القضاء الدولي، ناهيك عن الصعوبة الشديدة للخيار العسكري، مع قرب امتلاء بُحيرة السد، ومن ثم فإنّ هذه الضربة العسكرية ستغرق العديد من المدن السودانية، وستكون لها آثار كارثية على السودان، وعلى مصر أيضًا.

الاتفاق الأخير مع أرض الصومال، يمكن فهمه في إطار السعي الإثيوبي لمزاحمة محاولة الهيمنة المصرية في البحر الأحمر، بعد مزاحمتها في الهيمنة المائية في حوض النيل من خلال سد النهضة

لكن ربما قدم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، من حيث لا يشعر، الفرصة لمصر لإمكانية تطويقه والضغط عليه في محيطه الإقليمي عبر دول الجوار-أو ما يسمى دول القرن الأفريقي- سواء بمعناه الضيق الذي يضم إثيوبيا والصومال وإريتريا وجيبوتي، أو بمعناه الواسع الذي يضم السودان، وجنوب السودان، وكينيا.

هذه الفرصة سنحت بعدما قام الرجل أوائل هذا العام بتوقيع مذكرة تفاهم مع جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها رسميًا حتى الآن، تقضي بحصوله على مساحة 20 كيلومترًا في محيط ميناء بربرة لمدة 50 عامًا، مقابل الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، وحصولها على حصّة من شركة الخطوط الجوية الإثيوبية. وهو الاتفاق الذي قوبل بردود فعل غاضبة سواء من دول الجوار، أو حتى من القاهرة، أو من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، كما أنّ له العديد من التداعيات التي ربما برز بعضها على السطح حاليًا، وبعضها الآخر ربما يظهر لاحقًا.

 حيثيات القاهرة

ينبع الرفض المصري للاتفاق من اعتبارات عدة، ربما بعضها يتعلّق بفشل مفاوضات سد النهضة، وإرجاع ذلك لسياسة المماطلة الإثيوبية في عملية التفاوض، واتباع سياسة " الأمر الواقع"، لذا فمن المنطقي رفض القاهرة أيَّ اتفاق تبرمه إثيوبيا بعد فشل هذه المفاوضات، ناهيك عن أن هذا الاتفاق الأخير ربما يجد لأديس أبابا موطئ قدم على البحر الأحمر، الذي تعتبره مصر جزءًا هامًا من أمنها القومي، فضلًا عن كونه بُحيرة عربية، استطاعت توظيفها في حرب 1973 ضد إسرائيل، عندما تم إغلاقها أمام السفن المحملة بالنفط الإيراني والمتوجهة صوب إيلات .

وبالتالي، فإن هذا الاتفاق الأخير مع أرض الصومال، يمكن فهمه في إطار السعي الإثيوبي لمزاحمة محاولة الهيمنة المصرية في البحر الأحمر، بعد مزاحمتها في الهيمنة المائية في حوض النيل، من خلال سد النهضة، وما يليه من سدود أخرى على النيل الأزرق الذي يعد أحد أهم أنهار الهضبة الإثيوبية، ويشكل بمفرده 60 % من إجمالي المياه القادمة إلى مصر من إجمالي 85% من المياه القادمة من الهضبة.

لذا، وفي هذا الإطار، يمكن فهم رد فعل القاهرة " العنيف" على هذا الاتفاق، خاصة خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الصومالي، حيث أكد الرئيس السيسي أن: " مصر لن تسمح بأي تهديد للصومال أو أمنه، وأن الاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال مرفوض من قبل الجميع… الصومال، كعضو في جامعة الدول العربية، له الحق في الدعم الدفاعي في إطار ميثاق المنظمة، لن نسمح بتهديد أمن إخواننا…محدش يجرب مصر".

كيفية التحرك المصري في القرن الأفريقي

يمكن القول؛ إن مصر أمام فرصة تاريخية، لمحاولة تشكيل تحالف إقليمي بقيادتها، يضم دول الجوار الإثيوبي، مستغلة حالة السخط العام لدى هذه الدول من الاتفاق الأخير، ومن ممارسات آبي أحمد بصفة عامة، لا سيما بعد هيمنته بصورة شبه مطلقة على مقاليد الأمور بعد الانتخابات الأخيرة عام 2021، والتحول من سياسة "صفر مشاكل" التي انتهجها في عامه الأول من الحكم " 2018 "، إلى سياسة إثارة المشاكل مع دول الجوار عبر سعيه لفرض الهيمنة الإثيوبية في الإقليم.

لذا ربما يكون المدخل الأول لمصر في هذا الشأن، هو تقويض التحالف الذي أسسه عام 2018 مع كل من الصومال، وإريتريا، لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، وتعزيز التنمية الاقتصادية:

فالصومال الآن يرغب في إثبات أحقيته في السيادة على كامل أراضيه، وعدم حصول أي اعتراف بأرض الصومال، لذا لم يقتصر الأمر على رفضه الاتفاق، والتصعيد ضد إثيوبيا، بل لجأ لخصوم أديس أبابا، فكانت أسمرا المحطة الأولى للرئيس حسن شيخ محمود "12 يناير/ كانون الثاني"، ثم القاهرة "21 يناير/ كانون الثاني. ونفس الأمر بالنسبة لإريتريا التي ترى أن هذا الاتفاق لن يأتي فقط على حساب موانئها التي تستخدمها إثيوبيا في عملية التصدير" مصوع وعصب"، لكن وهذا هو الأهم تخشى من إمكانية قيام آبي أحمد بمحاولة الاستيلاء على ميناء عصب من جديد في ظل طموحاته التوسعية من ناحية، وبعد البيان الصادر من الحكومة والذي يرى أن أديس أبابا فقدت منفذها إلى البحر" المنفذ الإريتري" نتيجة "خطأ تاريخي وقانوني" في إشارة إلى الموافقة عام 1991 على استفتاء استقلال أسمرا عن أديس أبابا، لذا وحسب البيان فإن "الحكومة الإثيوبية تعمل منذ سنوات "لتصحيح هذا الخطأ" .

ومما يزيد من تعقيد العلاقات بين الجانبين، رفض أسمرا اتفاق بريتوريا الذي وقعته إثيوبيا مع جبهة تيغراي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، لوقف الحرب، وما تردد من دعم أسمرا لجبهة فانو الأمهرية في حربها الأخيرة ضد النظام، علاوة على بداية التقارب "مجددًا" بين إريتريا والنظام المصري.

لذا فإن مصر يمكن أن تستغل هذه التطورات في محاولة تشكيل هذا التحالف مع كل من الصومال، وإريتريا، وربما كانت زيارة الرئيس الصومالي الأخيرة للقاهرة – والدعم المصري للصومال، وكذلك زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لأسمرا بعد انتهاء زيارة الرئيس الصومالي لها مباشرة، وتصريحاته بأن إثيوبيا "باتت مصدرًا لبث الاضطراب فى محيطها الإقليمي"- مؤشرًا على إمكانية حدوث تقارب بين الدول الثلاث حول رفض هذه الهيمنة الإثيوبية.

هذا التحالف " المقترح" يمكن أن يتوسع ليضم جيبوتي، التي تعد واحدة من أبرز المتضررين من الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال لاعتبارين؛ الأول أنه جاء بعد يومين فقط من الاتفاق الذي رعته بين الصومال وأرض الصومال،والذي نص على استئناف المفاوضات السياسية بين الطرفين مع التركيز على القضايا المصيرية" الانفصال أم الوحدة"، وهو ما يعني نسف جهود جيبوتي الدبلوماسية، ونسف فكرة المفاوضات، أما الاعتبار الثاني فهو أن هذا الاتفاق قد يضر بمصالح جيبوتي الاقتصادية، حيث يمر عبر أراضيها 95% من التجارة الخارجية الإثيوبية، وتحصل في مقابل ذلك على رسوم تتراوح بين مليارٍ ونصفٍ، وملياري دولار .

ومن ثم، فإنها تدرك أن آبي أحمد يسعى للبحث عن منافذ أخرى غير منفذها. ويبدو أن مصر تسعى منذ فترة لتوطيد العلاقات مع جيبوتي التي كان السيسي أول رئيس مصري يزورها في مايو/أيار 2021.

أما الدولة الخامسة التي يمكن أن تنضم إلى هذا التحالف فهي السودان، التي شهدت علاقتها توترًا مع أديس أبابا، خاصة في ظل دعم أديس أبابا لحميدتي في مواجهة البرهان والقوات المسلحة. أما الدولة السادسة المقترحة، فهي جنوب السودان المجاورة لإثيوبيا، حيث كان السيسي أول رئيس مصري يزورها أيضًا عام 2020، مؤكدًا عمق العلاقات بين البلدين. وتسعى مصر لإقناع جنوب السودان بعدم الانضمام للاتفاقية الإطارية الخاصة بحوض النيل "عنتيبي"؛ لاسيما بعد تصريحات وزير الري والموارد المائية بجنوب السودان، في 22 مارس/آذار 2013، بأن "بلاده لا تعترف باتفاقية عام 1959، وأنها التحقت بمبادرة حوض النيل، وفي طريقها لـ "عنتيبي". وهو نفس ما تسعى له مصر لإقناع أوغندا وكينيا وبوروندي، بعدم التصديق على اتفاقية "عنتيبي"، عن طريق مجموعة من المحفزات الاقتصادية

لكن يظل هذا التحالف المصري المقترح رهنًا بوجود خطة مصرية مدروسة بدقة وعناية، تسعى لإذابة الخلافات بين دول التحالف وبعضها البعض من ناحية، وقوة الحوافز المقدمة لها من ناحية ثانية، ومدى قبول هذه الدول التي تحتفظ أيضًا باتفاقيات اقتصادية وتجارية وأمنية مع أديس أبابا من ناحية ثالثة، وأخيرًا رد الفعل الإثيوبي المحتمل ضد هذه التحرّكات المصرية.

aj-logo

aj-logo

aj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معنارابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2024 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: الاتفاق الأخیر أرض الصومال هذا الاتفاق هذا التحالف دول الجوار أدیس أبابا سد النهضة ا الاتفاق من ناحیة آبی أحمد

إقرأ أيضاً:

بحيرة ممتلئة وتوربينات متوقفة.. فلِم تحجز إثيوبيا مياه سد النهضة؟

رغم امتلاء بحيرة سد النهضة بكمية هائلة من المياه بلغت 60 مليار متر مكعب بعد انتهاء التخزين الخامس والأخير في سبتمبر/أيلول 2024، إلا أن توربينات توليد الكهرباء الموعودة لم تعمل بعد، ما يثير تساؤلات عن الأسباب الحقيقية وراء احتجاز إثيوبيا هذا المخزون الضخم من المياه، دون استفادة ملموسة في إنتاج الكهرباء.

طرح الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، هذا التساؤل في تعليق على صفحته بـ"فيسبوك"، وحاولت "الجزيرة نت" من جهتها الحصول على إجابة عنه من خبراء مطلعين على مشروع السد وتطوراته.

بدأ النقاش مع صاحب التعليق، الذي قال: "قبل أن أجيب عن التساؤل، دعنا أولا نتفق على أن أبرز الأهداف المعلنة لسد النهضة الإثيوبي هو إنتاج الكهرباء".

وأطلق رئيس الوزراء الإثيوبي، آبيي أحمد، رسميًا عملية إنتاج الكهرباء من سد النهضة في 20 فبراير/شباط 2022، عندما رافقه رئيسا مجلس النواب والمحكمة العليا ورؤساء إقليميون ووزراء بجولة في محطة توليد الطاقة، وضغط مجموعة من الأزرار على شاشة إلكترونية، في خطوة توثق رسميا إطلاق عملية الإنتاج، وذكرت وسائل الإعلام الرسمية آنذاك أن السد بدأ بتوليد 375 ميغاواطا من الكهرباء من أحد توربيناته، وأشارت إلى أنه سيكون قادرا على توليد 5150 ميغاواطا عند اكتماله، وهو ما يعادل إنتاج إثيوبيا من الكهرباء.

إعلان

ورغم مرور ثلاث سنوات على هذا الإعلان، إلا أن السد، الذي كان مقررا أن يستوعب 13 توربينا لتوليد الكهرباء، لم يتم تركيب سوى أربعة منها فقط، وقد كانت تعمل على فترات متقطعة، ومن المرجح، وفقًا لشراقي، أنها كانت تتناوب على استخدام الإيراد اليومي من المياه (20 مليون متر مكعب في فبراير)، الذي لا يكفي لتشغيل توربين واحد بكفاءة كاملة.

ويفسر شراقي استنتاجه بأن "التخزين الخامس والأخير للمياه في بحيرة السد، الذي انتهى في 5 سبتمبر 2024 عند منسوب 638 مترا فوق سطح البحر بإجمالي 60 مليار متر مكعب، لم ينقص منذ ذلك التاريخ، وفي حالة تشغيل التوربينات، كان لا بد من سحب المياه بعد انتهاء موسم الأمطار في أكتوبر/تشرين الأول، وعليه، فإن ثبات مستوى البحيرة يدل على أنه يعتمد فقط على الإيراد اليومي (20 مليون متر مكعب)، الذي لا يكفي لتشغيل توربين واحد بكفاءة كاملة".

وعلى عكس توقعات بعضهم، يشير شراقي إلى أن من مصلحة مصر والسودان أن تعمل توربينات سد النهضة بكامل طاقتها، لأن ذلك يعني مرور المياه المستخدمة في توليد الكهرباء إلى السودان ومصر، لذلك، فإن بناء السد بهذه المواصفات المبالغ فيها لحجز 64 مليار متر مكعب يثير الشكوك في وجود دوافع سياسية وراء بناء هذا السد.

صور أقمار صناعية من شركة "ماكسار" الأميركية تظهر عملية الإنشاءات الجارية والتعلية في سد النهضة لتجهيزه للتعبئة الرابعة (وكالات) بيع المياه.. هدف طويل الأجل

النوايا الأخرى غير توليد الكهرباء التي وصفها الدكتور عباس شراقي بـ"السياسية" كان للمهندس والأكاديمي المصري في اليابان، الدكتور المهندس محمد سيد علي حسن، توصيف آخر لها. فقد قال لـ"الجزيرة نت" أن الهدف الواضح هو أن هذا السد عبارة عن وعاء ضخم لتخزين المياه، ربما للضغط على دول المصب في سنوات الجفاف.

ورغم تأكيده على ضرورة دفاع دولتي المصب (مصر والسودان) بكل قوة عن حصتيهما من المياه، شدد حسن على أن تكون الدولتان جاهزتين بحلول بديلة، لأن ذلك سيخفف عنهما كثيرا من الضغوط التي قد تمارس عليهما في سنوات الجفاف.

إعلان

ومن الحلول التي يقترحها حسن هو "الاستمطار الصناعي"، مشيرًا إلى أن مصر يمكنها تنفيذ هذا المشروع في منطقة جبل الطور بسيناء وجبل رأس غارب في الجهة المقابلة بمحافظة البحر الأحمر.

والاستمطار الصناعي هو محاولة لزيادة هطول الأمطار صناعيا، وبالرغم من فوائده، إلا أن له بعض الأضرار، لذلك من الممكن تطبيقه فترة زمنية محددة، حتى يتكون غطاء نباتي طبيعي يكفي لجعل الأمطار تسقط طبيعيا لعدة قرون قادمة.

وأوضح أن اختيار تلك المناطق يرجع إلى عدة أسباب طبوغرافية ومناخية وديموغرافية، منها وجود العديد من الأودية الجافة في جبال البحر الأحمر، التي كانت أنهارا جفت منذ آلاف السنين، كما أن الغيوم توجد في تلك المناطق سنويا لمدة سبعة أشهر، لكنها لا تمطر إلا نادرا.

وأشار حسن أيضا إلى سبب ديموغرافي، حيث يهدف هذا المقترح إلى إعادة توزيع سكان مصر عن طريق زيادة الرقعة الزراعية وتوفير مصادر جديدة للمياه العذبة للزراعة والشرب في مناطق يصعب وصول الماء العذب إليها، مثل مدن سيناء والمدن المطلة على البحر الأحمر (رأس غارب والجونة والغردقة والقصير ومرسى علم).

منسوب البحيرة لم يتغير، ورغم تركيب أربعة توربينات، لا تزال المياه محتجزة بكميات ضخمة (الأناضول) مشهد محير.. سيناريو كارثي

من جانبه، لا ينكر الدكتور هشام العسكري، أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار من بعد بجامعة تشابمان الأميركية، والنائب السابق لرئيس وكالة الفضاء المصرية، أن المشهد الحالي يدعو إلى التساؤل. وفي حديثه لـ"الجزيرة نت"، رفض الخوض في النوايا السياسية مكتفيا بطرح التساؤل ذاته الذي أثاره الدكتور شراقي.

وقال العسكري: "نحن أمام مشهد محير، حيث إن منسوب البحيرة لم يتغير، ورغم تركيب أربعة توربينات، لا تزال المياه محتجزة بكميات ضخمة تمثل حملا غير مرغوب فيه على القشرة الأرضية".

وأضاف: "الأمر المقلق هو أن هذه الكمية الضخمة من المياه يجب التنسيق بشأنها مع دول المصب لاستيعاب المياه التي ستطلق، خصوصًا مع قدوم موسم الأمطار القادم، والتجارب السابقة قد تجعلنا نخشى من سيناريو كارثي، حيث أدى غياب التنسيق إلى حدوث فيضانات أحيانا وجفاف أحيانا أخرى في السودان، أما الوضع في مصر، فيبدو مطمئنا إلى حد ما بفضل السد العالي، الذي يمكنه استيعاب كميات من المياه، ويتم تصريف كميات أخرى إلى مفيض توشكى".

إعلان سؤال متعجل .. اهتمام مشروع

ومع تقدير د. عصام حجي، الأستاذ في كلية فيتربي للهندسة بجامعة جنوب كاليفورنيا، للاهتمام بمتابعة تطورات سد النهضة، التي يرى أنها تهم كل مواطن في دولتي المصب، إلا أنه يرى أن هناك تسرعاً في طرح بعض التساؤلات.

يقول حجي: "إثيوبيا حريصة على أن يكون ارتفاع المياه خلف سد النهضة 638 متراً، لأن هذا المستوى هو الذي سيسمح بتشغيل التوربينات بأعلى كفاءة ممكنة، وليس بالضرورة أن عدم تشغيلها حتى الآن، يعني وجود أهداف سياسية أو غيرها، ولذلك فإن أي استنتاجات متعجلة بهذا الصدد غير مبررة".

ويضيف: "يمكننا طرح التساؤل مستقبلا، إذا تبين أنه لا توجد نية لتشغيل التوربينات، وهو أمر يبدو لي مستبعدا، لأن إثيوبيا بلد كبير وفي أمس الحاجة لموارد الطاقة، وليس من المعقول أن تنفق 5 مليارات دولار في مشروع لأهداف سياسية فقط".

ويدعو حجي إلى التركيز على القضايا الأهم، وهي أن إثيوبيا ستحرص دائما على الحفاظ على مستوى المياه عند 638 مترا، حتى في مواسم الجفاف، لكي تعمل التوربينات بكفاءة، ويقول: "هنا تكمن المشكلة الأساسية، إذ يتعين التوصل إلى اتفاق في إدارة المياه في سنوات الجفاف الممتدة، وقد حاولت دراسة نشرتها في دورية (كوميونيكيشنز إيرث آند إنفايرومنت) تقديم إطار لاتفاق يمكن أن يُرضي جميع الأطراف".

والدراسة التي أشار إليها حجي تقترح سياسة تشغيل مثلى للسد تُمكنه من توليد نحو 87% من الطاقة الكهرومائية خلال فترات الجفاف الممتدة، دون التأثير على تدفق المياه إلى دولتي المصب، وذلك استنادا إلى تعريف جديد للجفاف الممتد، قدمته الدراسة.

وتريد مصر أن يكون تعريف "الجفاف الممتد" هو "أربع سنوات متتالية يكون فيها التدفق السنوي أقل من أو يساوي 39 مليار متر مكعب"، بينما تريده إثيوبيا أن يكون "أربع سنوات متتالية يكون فيها التدفق السنوي أقل من أو يساوي 35 مليار متر مكعب".

إعلان

وتقترح الدراسة أن يكون تحديد الجفاف الممتد بناء على مستوى المياه في السد العالي بأسوان، ويُعتبر السد، وفقا لهذا التعريف، في حالة "جفاف ممتد" إذا انخفض منسوبه عن 165 مترا، وهو ما يتيح دمج تدفقات النيل الأزرق والنيل الأبيض معا، ما يعكس الوضع الهيدرولوجي الكامل لحوض النيل.

والقضية الأخرى التي يراها حجي مهمة هي كيفية استيعاب دولتي المصب للمياه التي ستضطر إثيوبيا لإطلاقها بعد شهر أبريل لتهيئة بحيرة السد لاستقبال مياه موسم الأمطار القادم.

وأضاف: "الوضع في السودان يبدو مرتبكاً بسبب أجواء الحرب التي أثرت على عمل السدود السودانية، ولا أتفق مع من يقلل من تأثير هذا الوضع على مصر، لأن السد العالي ممتلئ ومفيض توشكى استقبل كميات كبيرة من المياه أخيراً، ما أدى إلى ظهور بحيرات جديدة، لذا يجب دراسة كيفية استيعاب كميات المياه المتوقع إطلاقها من إثيوبيا".

وعن الحديث المتداول من أن توليد الكهرباء من سد النهضة يخفي وراءه أهدافاً أخرى، لوجود وسائل أخرى متاحة لإنتاجها، مثل الطاقة الشمسية، قال حجي: "ليس صحيحا أن الشمس مشرقة في إثيوبيا طوال العام، ولذلك فهي ليست المكان المثالي للاستثمار في الطاقة الشمسية، كما أن الطاقة الشمسية مكلفة ولا توفر إنتاجا على مدار اليوم، لذا فهي مكملة فقط لإنتاج الكهرباء بالطرق التقليدية".

واختتم: "مشكلة دول المصب مع إثيوبيا ليست في بناء السد لتوليد الكهرباء، بل في حجم السد الضخم الذي يحجز كميات كبيرة من المياه، فلو كان هناك بناء لأكثر من سد صغير لتوليد الكهرباء، لما كانت هناك مشكلة".

مقالات مشابهة

  • التنسيقية تشارك في فعاليات البرلمان الأفريقي.. والقضية الفلسطينية تتصدر الكلمات
  • نصر عبده: الرئيس السيسي حريص على التكامل الاقتصادي الأفريقي.. فيديو
  • بعد عام من التوترات بين البلدين.. رئيس وزراء إثيوبيا يزور مقديشو لإجراء محادثات
  • بليحق: قلمة ناقش قضايا السودان والكونغو في البرلمان الأفريقي
  • لوضع حد للتوتر..رئيس وزراء إثيوبيا يزور الصومال الخميس
  • الأفريقي للتنمية وبنك ستاندرد يدعمان الشركات الصغيرة والمتوسطة بالقارة السمراء
  • بحيرة ممتلئة وتوربينات متوقفة.. فلِم تحجز إثيوبيا مياه سد النهضة؟
  • “حماس”: أي مفاوضات تستند على الخطوط الحمراء التي وضعتها المقاومة
  • حكم ترتيب كفارات اليمين وإمكانية دفعها عبر منصة إحسان الشيخ السليمان يجيب .. فيديو
  • محجوب فضل بدری: صياد النجوم فی أبْ قَبَّة فحل الديوم !!