أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان
تاريخ النشر: 30th, January 2024 GMT
أبو الأعلى المودودي عالم ومفكر وداعية باكستاني، من أبرز أعلام البعث الإسلامي في الهند، ورائد من رواد الصحوة الإسلامية. أسس الجماعة الإسلامية يوم 25 أغسطس/آب 1941، عاش تجربة السجن وحكم عليه بالإعدام. بلغ صيته العالم وبصم تاريخ الحركة الإسلامية بدعوته، وتجاوزت مؤلفاته 100 كتاب، توفي سنة 1979.
المولد والنشأةولد أبو الأعلى المودودي في 24 سبتمبر/أيلول 1903 في مدينة أورنك آباد بمقاطعة حيدر آباد، ونشأ في أسرة متدينة صوفية تنتمي للشيخ قطب الدين مودود الجشتي، مؤسس الطريقة الجشتية في الهند.
رفض والده تعليمه بالمدارس الإنجليزية في إطار مواجهته حكم الاستعمار البريطاني للهند ونظامه التعليمي والتربوي، فكان مُدَرِّسَه الأول، منه تعلم العربية والقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف والفقه، والتاريخ واللغة الفارسية والأوردية.
واصطحبه معه إلى مجالس أصدقائه من العلماء والمثقفين والمتدينين. وعن ذلك يقول المودودي "كان والدي يأخذني معه دائما عند رفاقه، وكُلُّهم على درجة عالية من الثقافة والاتزان، فانتقلت إليّ من مجالستهم العادات الفاضلة الحسنة".
ونظرا لتميزه وتفوقه، التحق مباشرة بالمدرسة الثانوية في أورنك آباد ثم المدرسة العليا. التحق بوالده في حيدر آباد بعد مرضه لخدمته إلى أن توفي عام 1919، ولم يتجاوز حينها الـ16 من عمره. واضطرته الظروف الاجتماعية إلى العمل محررا بمجلة التاج في مدينة بجنور، وبعدما أغلقتها السلطات عمل مع جمعية إعانة وغوث المسلمين.
وانتقل المودودي بعدها إلى دلهي وأصدر برفقة مدير جمعية علماء الهند جريدة "المسلم" التي تولى فيما بعد إدارة تحريرها.
واستثمر فرصة إقامته بدلهي بين 1921و1928 للتعمق في الثقافة الإسلامية، بعدما التقى نخبة من أهل العلم، فدرس علوم العربية والآداب والتفسير والحديث، وحفظ موطأ الإمام مالك، وتعمق في الفقه والأصول.
كما تعلم المودودي الإنجليزية، واطلع على الأدب الإنجليزي والعلوم الاجتماعية الغربية، واجتاز امتحان "مولوي" الذي يعادل الليسانس (البكالوريوس).
وواصل قراءة الكتب والإقبال على المعرفة، ويقول عن ذلك "من عام 1929 إلى 1939 أفرغت عددا من خزانات الكتب والمراجع في ذهني، استعدادا للمهمة الجديدة، مهمة الدعوة إلى الإسلام في عصر مليء بالأفكار والتيارات ويفرض على الداعية أن يتزود بزاد كمي علمي، وأن يحظى بعصا من البرهان يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، ويحقق بها المآرب الأخرى".
التجربة المهنيةعمل المودودي محررا صحفيا وهو في سن 16 في أسبوعية "المدينة" ثم محررا بمجلة "التاج" الأسبوعية في بجنور، وفي سن 19 أصبح المحرر الأول بالمجلة -التي تحولت إلى جريدة يومية- وكتب فيها مقالات سياسية دافعت عن فكرة إحياء الخلافة الإسلامية، الأمر الذي عرضه للمحاكمة والجريدة للإيقاف.
واشتغل بعد ذلك في جريدة "المسلم" التي صدرت باسم جمعية علماء الهند منذ تأسيسها، وتولى لاحقا إدارة تحريرها.
وعام 1924 صدرت جريدة "الجمعية" ورأس المودودي تحريرها حتى عام 1948. وأشرف في هذه المرحلة على تحرير مجلة "ترجمان القرآن" التي صدرت عام 1932 في حيدر آباد.
وكان من أبرز الأعضاء المؤسسين لرابطة العالم الإسلامي، وصاحب فكرة إنشاء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وتم تعيينه عضوا في مجلسها بعدما أصبحت حقيقة على أرض الواقع.
المسار الدعوي والسياسيفي ظل هيمنة الاستعمار البريطاني على مفاصل الحياة بالهند، اهتم المودودي في سن مبكرة بالشأن السياسي والاجتماعي، وانعكس ذلك في مقالاته وهو لم يجاوز سن 16. وزاد اهتمامه بشكل أكبر لما انتقل إلى دلهي، والتقى كبار جمعية علماء الهند، وعلى رأسهم مفتي الديار الهندية الشيخان "كفاية الله" و"أحمد سعيد" وكانا من كبار جمعية العلماء بالهند، واحتك بحركة "المحافظة على الخلافة العثمانية" التي انطلقت سنة 1919 وكان قلمها والمدافع عنها في مقالاته.
وانشغل بمشكلة التصادم بين المسلمين والهندوس لا سيما بعد أحداث عام 1926، حيث اتهم غاندي الإسلام بأنه دين عنف وأنه انتشر بالسيف. وتمنى محمد علي جوهر حينها في خطاب له بالجامع الكبير في دلهي أن يفند أحد من المسلمين اتهامات الهندوس وافتراءاتهم على الإسلام. ولم يكن هذا الشخص سوى المودودي الذي جمع ما كتبه من مقالات في الموضوع في كتاب بعنوان "الجهاد في الإسلام".
وأصدر عام 1932 مجلة "ترجمان القرآن" التي قامت بدور كبير في إشعاع الحركة الإسلامية والثقافة الإسلامية بالقارة الهندية، وكانت منبرا للمودودي وعدد من أعلام الفكر والدعوة بالقارة المذكورة، كما كانت منارا للثقافة الإسلامية.
وعن طريق المجلة تعرَّف على الشاعر والمفكر محمد إقبال الذي استطاع إقناعه بالانتقال إلى لاهور في إقليم البنجاب عام 1938، ليتعاونا في النشاط الفكري والدعوي والسياسي، ومساندة مسلمي الهند.
وأسس عام1941 الجماعة الإسلامية بمدينة لاهور، وانتخب في 26 أغسطس/آب من العام نفسه أميرا لها.
وانشغل بعد ذلك بالدعوة ومسؤوليات الجماعة، وعمل محاضرا شرفيا بكلية "حماية الإسلام" في لاهور لمدة عام كامل. وقد ألقى محاضرات وشارك في مؤتمرات علمية في كل أرجاء العالم.
وأعلنت هذه الجماعة -التي تعتبر ثاني أكبر الجماعات الإسلامية في العالم بعد جماعة الإخوان المسلمين- أنها تعد الإسلام منهج حياة للمسلمين وليس مجرد شعائر تعبدية وعاطفة وانتماء ديني متوارث، وأكدت اعتمادها مبادئ الإسلام دستورا لحياة الإنسان المسلم، واتخاذ الشريعة الإسلامية دستورا للبلاد، واعتبرت أن الدعوة الإسلامية سعت لتحقيق هدفين:
الأول تطبيق الشريعة الإسلامية في مجمل أراضي باكستان. الثاني مواجهة تيار التغريب والأيديولوجيات الوافدة.وباتت الجماعة الإسلامية في مواجهة سياسية مع التيار القومي واليسار والعلمانيين الذين تحالفوا في "حزب الشعب".
وخاضت الجماعة تجربة نضال مشترك مع حزب الرابطة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح، وقادا معا بدعم من المفكر إقبال كفاح المسلمين ضد الاضطهاد الطائفي الهندوسي حتى حدث تقسيم الهند، وأعلن في 28 أغسطس/آب 1947 قيام دولة باكستان.
ولم تمض 5 أشهر على قيام هذه الدولة الوليدة حتى ألقى المودودي خطابا في كلية الحقوق في لاهور، طالب فيه ببناء النظام الباكستاني على أساس القانون الإسلامي، وأعاد التأكيد على المطلب في عدد من خطاباته، ومنها خطابه في اجتماع عامّ بكراتشي في مارس/آذار 1948.
وتضايقت الحكومة من توسع مطلبه بين الناس، فاعتقلته يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 1948 مع عدد من قيادات وأعضاء الجماعة، ولم تفرج عنهم إلا يوم 28 مايو/أيار 1950.
واعتقل المودودي مرة أخرى بعد أحداث عنف طائفي في لاهور يوم 28 مارس/آذار 1953، وأصدرت المحكمة العسكرية يوم 11 مايو/أيار من العام نفسه حكما بإعدامه بتهمة التأجيج الطائفي.
وطلب منه تقديم طلب عفو يتضمن الإقرار بالذنب لكنه رفض. وأمام الضغط الشعبي وأنصار الجماعة والمتعاطفين معها، ومناشدات علماء كبار من العالم الإسلامي للسلطات الباكستانية، خُفِّف الحكم إلى السجن مدى الحياة، وبعد ذلك أُسقط نهائيا بالعفو وأفرج عنه عام 1955.
وصدر الدستور الإسلامي في باكستان يوم 23 مارس/آذار 1956، ودعا المودودي إلى العمل به على الرغم مما سجل حوله من نقائص، بل قامت الجماعة الإسلامية بالدعاية له وشرح نصوصه وأحكامه.
وبعد سنوات قليلة، تم إعلان دستور جديد عام 1963، فهاجم المودودي السلطات العسكرية في مقال بمجلته "ترجمان القرآن" فردت عليه بإصدار قرار حظر نشاط الجماعة الإسلامية وإعلامها، واعتقاله والعشرات من قيادات الجماعة يوم 6 يناير/كانون الثاني 1964، لكن المحكمة العليا أبطلت الحظر والاعتقال معا، وأُفرج عن الجميع في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
ودعا المودودي مع آخرين عام 1967 إلى تشكيل ائتلاف حزبي باسم "الحركة الديمقراطية الباكستانية" لمواجهة السعي لتحجيم الإسلاميين. ولم ينجح حرصه على تجنب المواجهة والصدام بين القوى الإسلامية ومعارضيها، لكنه حدث وانتهى بانتصار الإسلاميين، الأمر الذي دفع السلطة لإعلان الأحكام العرفية في مارس/آذار 1968، حيث تمت مهاجمة مقرات الجماعة في لاهور، واعتقل المودودي مجددا وأفرج عنه بعد شهرين.
ونددت جماعته بعد الانتخابات في مارس/آذار 1977 بالبرنامج الاشتراكي لرئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو، لكن الأخير اضطر أمام ضغط تحالف التيار الإسلامي والمحافظين لإصدار تشريعات بصبغة إسلامية من قبيل إقرار يوم الجمعة إجازة أسبوعية، ومنع الخمور والقمار وسباق الخيل، وحظر النوادي الليلية، لكن ذلك لم يقنع الجماعة وعزمت على الإطاحة به وبنظامه، وعلى الرغم من إعلانه وعدا بتطبيق الشريعة الإسلامية خلال 6 شهور، لم تتوقف المظاهرات التي انتهت بانقلاب ضياء الحق عام 1977.
المؤلفاتتجاوزت مؤلفاته 100 كتاب، شملت موضوعات وقضايا مختلفة في العقيدة والمعاملات والفكر والتفسير والسياسة والاقتصاد وعدد من القضايا المعاصرة، ومنها:
تفهيم القرآن- وهو تفسير للقرآن الكريم المصطلحات الأربعة في القرآن مبادئ الإسلام نحن والحضارة الغربية مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة نظام الحياة في الإسلام ومبادئه الأساسية معضلات الإنسان الاقتصادية وحلها في الإسلام أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة الحجاب نظام الحياة في الإسلام الإسلام والمدنية الحديثة تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند وباكستانوقد أُلفت عن المودودي عدد من الدراسات والكتب منها:
أبو الأعلى المودودي حياته وفكره العقدي، حمد بن صادق الجمال. أبو الأعلى المودودي والصحوة الإسلامية، محمد عمارة. الجوائزكان أول من حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام عام 1979 تقديرا لجهوده وتضحياته في خدمة الإسلام، وقد تبرع بها لخدمة الإسلام.
الوفاةبعدما ساءت حالة المودودي الصحية جراء معاناته مع أمراض الكلى والقلب، اضطر للسفر للعلاج بالولايات المتحدة حيث كان يعمل ابنه الثاني طبيبا، وتوفي في نيويورك يوم 22 سبتمبر/أيلول 1979 عن عمر ناهز 75 عاما. وصُلِّيَ على جثمانه في المحطات التي مرَّ عليها من الولايات المتحدة إلى باكستان.
قالوا عنهترك المودودي أثرا في الحركة الإسلامية بالعالم الإسلامي وعدد من رموزها من خلال مسيرته السياسية ومؤلفاته الكثيرة، وعدَّه عدد من المستشرقين من أكبر المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث ومُنَظِّرا لما يصطلحون عليه "الإسلام السياسي".
ووصفته الصحيفة الأميركية "نيويورك هيرالد تربيون" بأنه "رجل سياسة من صميم القلب وعدو لدود للشيوعية" واتهمه خصومه من الشيوعيين واليساريين والعلمانيين بأنه "مرجع الفكر التكفيري والفكر الشمولي".
وقال عنه الشيخ أبو الحسن الندوي "لا أعرف رجلا أَثَّرَ في الجيل الإسلامي الجديد فكريا وعمليا مثل المودودي، فقد قامت دعوته على أسس علمية، أعمق وأمتن من تلك التي تقوم عليها الدعوات السياسية، أو ردود الفعل ضد الاستعمار الأجنبي".
ويضيف أن كتابات المودودي وبحوثه "موجهة إلى معرفة طبيعة الحضارة الغربية، وفلسفتها في الحياة وتحليلها تحليلا علميا، قلما يوجد له نظير في الزمن القريب" وقال "لقد عرض الإسلام ونظم حياته وأوضاع حضارته وحكمة سياسته وصياغته للمجتمع والحياة، وقيادته للركب البشري والمسيرة الإنسانية في أسلوب علمي رصين، وفي لغة عصرية تتفق مع نفسية الجيل المثقف، وتملأ الفراغ الذي يوجد في الأدب الإسلامي منذ زمن طويل".
ووصفه الراحل الشيخ يوسف القرضاوي بأنه "المفكر المجدد، صاحب النظر العميق، والتحليل الدقيق، ناقد الحضارة الغربية على بصيرة، والداعي إلى نظام الإسلام على بينة، صاحب الكتب والرسائل التي ترجمت إلى عشرات اللغات، الذي وقف في وجه دعاة التغريب وأعداء السنة".
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: الجماعة الإسلامیة الإسلامیة فی فی الإسلام مارس آذار فی الهند فی لاهور عدد من
إقرأ أيضاً:
قرن على كتاب هز العقول !
(1)
في السابع من أبريل القادم يكون قد مر قرن كامل على صدور كتاب أثار وما زال يثير نقاشا حيويا وخصبا، يمكن اعتباره الكتاب المؤسس في الثقافة العربية الحديثة؛ وأول كتاب يثير من المعارك والجدال ما زال قائما حتى وقتنا هذا، رغم ما شهده هذا القرن من أحداث مهولة بل أحداث جسام!
عن كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، للشيخ الجليل المستنير علي عبد الرازق (1888-1966) الذي أقام الدنيا ولم يقعدها منذ ذلك الحين بكتابه هذا (لم يتجاوز عدد صفحاته الـ136 صفحة من القطع الأقل من المتوسط)، وهو كتاب دشّن (معركة القدامى والمحدثين) أو (صراع المحافظين والمجددين)؛ مرحلة الإعلان عن بنية الثقافة والدولة الحديثة، في مواجهة تصورات وأنظمة بشرية وتجارب تاريخية انتهت ومضت، ولن يعيد التاريخ دورتها لأن التاريخ لا يعيد نفسه مهما جرى!
هذا بالضبط ما حدا بالبعض إلى النظر للكتاب، وقيمته وأهميته، كما يقول المؤرخ القدير الدكتور محمد عفيفي، من ناحية هذا المضمون الفكري "التجديدي" في بيان تاريخية نظام الخلافة وبشريته، في مقابل مَن روَّج إلى قداسة نظام الخلافة؛ إذ أوضح أن الخلافة نظام سياسي ابتدعه المسلمون، وليس نظامًا مقدسًا لا يستقيم الإسلام بدونه.
في نشرته الأولى من الكتاب يقول الدكتور محمد عمارة في تصديره لهذه الطبعة (1971): "منذ أن عرفت الطباعة طريقها إلى بلادنا لم يحدث أن أخرجت المطبعة كتابا أثار من الجدل واللغط والمعارك والصراعات مثلما أثار كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق الذي نشر قبل ما يقرب من نصف قرن" (كتب هذه السطور سنة 1971).
(2)
وها نحن الآن، بدورنا، نؤكد صحة هذه الأسطر بعد مرور مائة عام على صدور الكتاب؛ لأسبابٍ كثيرة جدا منها أن الشيخ المستنير قد قدم وللمرة الأولى في تاريخ الثقافة العربية نقدا منهجيا لتجربة الحكم في ظلال ما سمي بالخلافة الإسلامية؛ وهي نظام للحكم أقيم على أسس حدّدتها سياقات الحكم والسياسة والعمران في وقتها؛ ولم يكن لها أدنى صلة بالعقيدة كعقيدة؛ إنما أريد لها ذلك في أزمنة تالية على نزول الوحي، ومن ثم تم تكريس هذا النظام باعتباره نظاما دينيا.
تاريخيا، وبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وما جرى للدولة العثمانية، رجل أوروبا المريض، ونجاح أتباع تركيا الفتاة، قرر المجلس الوطني الكبير في أنقرة في نوفمبر من سنة اثنتين وعشرين (1922)، إعلان تركيا "جمهورية" وفصلها عن الخلافة، وكان قرار الفصل بين منصب رئيس الجمهورية ومنصب الخليفة، يعني الاعتراف بالاستقلال السياسي الكامل والتام عن الأتراك.
وتصدى بعض الكتاب الأتراك -آنذاك- لتأليف الكتب والدراسات التي تعضد هذا الموقف، فخرج كتاب «الخلافة وسلطة الأمة» لعبد الغني السني بك الذي أعيد نشره، كدراسة فقهية اعتمد عليها الكماليون للفصل بين الخلافة والسلطة، وفي المقابل (خاصة في مصر) كتب آخرون يرفضون هذا الإجراء مثل الشيخ الأصولي محمد رشيد رضا في المنار، وكتاب لمصطفى صبري أحد المعارضين لحزب تركيا الفتاة.
وفي مارس من سنة 1924، أُلغي منصب الخلافة ذاته في تركيا، فسَعَت أطراف عديدة إلى حيازة اللقب وفي القلب منهم ملك مصر آنذاك الملك فؤاد الأول، وكان المؤتمر الإسلامي في القاهرة جزءا من هذه الجهود.
(3)
وفي وسط هذه الموجة المحمومة من التطلع إلى وراثة نظام الخلافة ولقب الخليفة، خرج الشيخ علي عبد الرازق في أبريل من عام 1925 بكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، ليعلن من خلاله أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين، أبدا، بل هي اجتهاد بشري للمسلمين،
واستعرض تاريخ الخلافة والفصل الفعلي بين الخلافة وغيرها منذ العصر العباسي حتى القرن العشرين. وهناك دائما فجوة بين النموذج النظري في كتب العقائد، وبين التحقق الفعلي في التاريخ الاجتماعي للمسلمين. وتلك هي الإشكالية التي يتعرض لها الكتاب. فمشكلة الخلافة ما زال البعض يناقشها من زاوية الدين، لا من زاوية الدنيا، ومن باب العقيدة، لا من باب السياسة.
(4)
إجمالًا -وإذن- يمكن القول إن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» قد ظهر في أعقاب إلغاء نظام الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924 حين انقسم الناس فريقين؛ فريق يطالب بإعادتها مرة ثانية (وستكون هذه الفكرة هي النواة التي التف حولها كل دعاة الإسلام السياسي وتسييس الإسلام من الشيخ رشيد رضا ومن بعد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان).. وتيار آخر يعيد النظر تماما ونقديا في نظام الخلافة، ويدعو إلى الحيلولة دون قيامها، ويتزعمه حزب (الأحرار الدستوريين)، الذي ينتمي إليه الشيخ علي عبد الرازق وعائلته، ويرأس تحرير صحيفته الدكتور محمد حسين هيكل (صاحب كتاب «حياة محمد») الذي احتفى بالكتاب احتفاءً كبيرًا في جريدة «السياسة»، لسان حال الحزب.
وقد عالج الكتاب قضية الخلافة من حيث نشأتها، وتاريخها وتطورها، وعلاقتها بالإسلام، كما يعرض لتفاصيل ذلك النظام السياسي الذي أوجده الإسلام منذ قيامه إلى زمن أو عصر المؤلف. وينتهي إلى أن الإسلام لا صلة له بالحكم، ولا بالمجتمع وشؤونه الدنيوية، وأنه يجب إنهاء الخلافة في العالم الإسلامي، بما أنها نظام غريب عن الإسلام، ولا أساس له في المصادر والأصول المعتمدة من كتاب وسنة وإجماع.
والكتاب عبارة عن مقدمة وثلاثة أقسام، القسم الأول بعنوان "الخلافة في الإسلام" تناول فيه طبيعة الخلافة، وحكم الخلافة، والخلافة من الوجهة الاجتماعية، أما القسم الثاني فيدور حول "الحكومة والإسلام" وقد تناول فيه الشيخ علي عبد الرازق نظام الحكم في عصر النبوة، مميزًا بين الرسالة والحكم، طارحًا فيه فكرته عن الإسلام باعتباره "رسالة لا حكم ودين لا دولة"، أما القسم الثالث فيتتبع فيه "الخلافة والحكومة في التاريخ"
ومنذ صدوره، أثار الكتاب جدلًا طويلًا في الأوساط الفكرية، وانقسم المثقفون إلى تيار "ليبرالي" مؤيد يمثله مفكرون ينتمون إلى حزبي (الوفد)، و(الأحرار الدستوريين)، وتيار سلفي معارض يأتي في طليعتهم الشيخ محمد رشيد رضا على صفحات مجلة «المنار»، والشيخ محمد الخضر حسين في كتابه «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»؛ فضلًا عن هيئة كبار علماء الأزهر.
وقد نشرت دراسات كثيرة حول الكتاب، باللغة العربية واللغات الأجنبية، ومن بينها كتابا «الإسلام والخلافة في العصر الحديث» لمحمد ضياء الدين الريس، و«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق «دراسة ووثائق» لمحمد عمارة، وهو الذي نعتمد عليه هنا في هذه الحلقة من مرفأ قراءة والحلقات التالية التي سنفصل فيها القول عن الكتاب وحوله بمشيئة الله.
(5)
لقد أراد الشيخ علي عبد الرازق من كتابه، وبما أعلنه من أفكار حرة جريئة، تحرير العقول الإسلامية؛ لكي يتمكن المسلمون من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.
وتلك ببساطة -مع ضرورات الاختزال والتكثيف لحدود المساحة- هي أهم الأفكار التي يقوم عليها كتاب الشيخ المستنير علي عبد الرازق الذي كان ثائرًا بحق على الأوتوقراطية والثيوقراطية معا، والذي التقط أسلحته من الإنجاز العقلاني التراثي الإسلامي الأصيل، ومن الإنجاز الموازي لدعاة الدولة المدنية في الغرب الأوروبي الذي كان يعرفه، ولا يتردد في الإفادة منه عملًا بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وكان هدفه إعادة فتح أبواب الاجتهاد على مصاريعها، وهو أمر لا يقل عن إيمانه بالدولة المدنية ودفاعه عنها.