طهران- غداة الهجوم بطائرة مسيّرة على قاعدة أميركية في الأردن خلّف 3 قتلى وعشرات المصابين بين الجنود الأميركيين، نفت طهران رسميا صلتها بالهجوم.

وقرأت أوساط إيرانية اتهام واشنطن "مجموعات مسلحة مدعومة من إيران" بالوقوف وراء الحادث، وتوعدها بالرد عليه، في سياق التوتر المتصاعد بالمنطقة، وحذرت من مغبة دحرجة كرة المواجهة غير المباشرة والانزلاق إلى احتكاك غير محسوب النتائج.

وبعد توعّد الرئيس الأميركي جو بايدن بمحاسبة كل المسؤولين عن الهجوم "في الوقت المناسب وبالطريقة التي نختارها" كما قال، وعقب بيان وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون ودعوته طهران إلى "وقف التصعيد"، اعتبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني -الاثنين- أن هذه الاتهامات "غرضها سياسي، وتهدف إلى قلب الحقائق بالمنطقة".

ويُجمع المراقبون في إيران على وصف الهجوم على قاعدة الدعم اللوجيستي عند "البرج 22" من شبكة الدفاعات الأردنية (شمال شرقي المملكة) وقرب الحدود مع سوريا، بأنه "تصعيد خطير"، لكنهم انقسموا بشأن طبيعة الرد الأميركي وتنفيذ تهديدات واشنطن والأهداف التي قد يطالها التصعيد.

مغامرة وتصعيد

في غضون ذلك، يربط السفير الإيراني الأسبق في بريطانيا جلال ساداتیان، بين استهداف المصالح الأميركية في المنطقة بدعم الولايات المتحدة المطلق لإسرائيل في حربها على قطاع غزة، مستشرفا تصعيدا إقليميا في حال مواصلة هذا الدعم "لإبادة" أهل غزة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يشير ساداتیان إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين لأول مرة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة جراء هجمات فصائل المقاومة على مصالح واشنطن، واصفا التطور الأخير بأنه "نتيجة طبيعية للمغامرة الصهيوأميركية الرامية إلى تقييد أيادي المقاومة وإطلاق أيادي إسرائيل للإمعان في ارتكاب إبادة جماعية في غزة".

ورأى أن الهجوم الذي أودی بحياة 3 جنود أميركيين جاء عقب إصدار قرار محكمة العدل الدولية في الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا بخصوص الحرب الإسرائيلية على غزة.

واعتبر الدبلوماسي الإيراني الأسبق أن قرار المحكمة يمنح فصائل المقاومة الشرعية الدولية للضغط على الولايات المتحدة -باعتبارها أكبر داعمي تل أبيب– لمنع الإبادة الجماعية في القطاع، مستغربا مواصلتها تقديم هذا الدعم المطلق عقب القرار.

ويقرأ الاتهامات الأميركية والبريطانية لإيران بدعم حركات المقاومة الإسلامية التي تستهدف المصالح الأميركية والسفن المتوجهة إلى إسرائيل عبر البحر الأحمر "في سياق التصعيد المستفحل في المنطقة"، محذرا من الوقوع في الفخ الإسرائيلي الرامي إلى وضع طهران وواشنطن في مواجهة عسكرية.

مواجهة قريبة

وفي ظل التصعيد الإقليمي الخطير الذي يدعو ساداتيان إلى احتوائه عبر سياسة ذكية تفوّت على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نواياه المبيتة لحرق المنطقة بأسرها لإنقاذ حياته السياسية، تعتقد شريحة إيرانية أخرى أن المواجهة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة باتت قاب قوسين أو أدنى.

وإجابة عن سؤال توجهت به الجزيرة نت للناشط السياسي الباحث في شؤون الشرق الأوسط أحمد زيد أبادي، بشأن إمكانية توجيه واشنطن ضربة عسكرية ضد المصالح الإيرانية ردا على الهجوم على قاعدة أميركية في الأردن، أتى الرد بالإيجاب.

ويرى زيد أبادي أن احتمال الانتقام الأميركي والنيل من مصالح إيران "وارد جدا"، وسيكون ردا على استهداف حركات مقاومة عراقية قاعدة الدعم اللوجيستي في الأردن، ورجّح أن يكون الانتقام الأميركي "قريبا" وأن تكون أهدافه خارج الحدود الإيرانية، لا سيما في سوريا والعراق.

كما يعتقد أن المواجهة الإيرانية الأميركية ستكون حتمية في حال عدم توفُّر إرادة سياسية قوية وواضحة لدى قادة طهران وواشنطن للاتفاق بشأن الملفات الإقليمية الكبرى، محذرا من انزلاق التطورات إلى مواجهة عسكرية كبيرة بينهما.

وأضاف الباحث أن التطورات في الشرق الأوسط تزداد سوءا يوما بعد يوم، وأن السياسات المتذبذبة غير قادرة على معالجة التصعيد المحتدم بالمنطقة. وخلص إلى أن وقف العدوان على غزة لا يعني تراجع التوتر والمواجهة بين طهران وواشنطن، وإنما "سيساوي الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة".

برميل بارود

في المقابل، يستبعد الباحث في الشؤون العسكرية، محمد مهدي يزدي، توجيه واشنطن ضربة عسكرية ضد المصالح الإيرانية، موضحا أنه رغم "الحملة الإعلامية الشعواء" ضد طهران، فإن القادة الأميركيين يتفادون ربط الهجمات بها، لأن ذلك سيعرضهم لانتقادات وضغوط كبيرة تطالب بمواجهة إيران بشكل مباشر.

ورأى -في حديث للجزيرة نت- أن واشنطن لا تريد مواجهة طهران في المرحلة الراهنة، لأن إطلاق رصاصة الرحمة على علاقاتهما المتأرجحة بين حالتي "لا سلم ولا حرب" ستكون بمثابة إضرام النار في خزّان بارود المنطقة، مما قد يعرض المصالح الأميركية للخطر.

وفي قراءته للهجوم على القاعدة الأميركية، يرى الباحث العسكري أنه يأتي لحرف التركيز الأميركي عن منطقة البحر الأحمر، وخفض الهجمات التي تستهدف اليمن بين الفينة والأخرى ردا على عمليات الحوثيين على السفن المتجهة إلى إسرائيل.

وقال إن العدوان الإسرائيلي على غزة جعل "المحور الصهيوأميركي" في مواجهة مركّبة مع محور المقاومة، وإن تزايُد الهجمات على المصالح الأميركية بالمنطقة يرسل رسالة واضحة مفادها أنه لا أمن لهذه المصالح عقب عدوان الاحتلال الذي يحظى بدعم أميركي واسع، مما يفتح الباب على مصرعيه لتسوية محور المقاومة حساباته مع واشنطن.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: المصالح الأمیرکیة على غزة

إقرأ أيضاً:

وداعا للشرق الأوسط وأوروبا

تحدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة بإصراره على أن يتولى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط الاهتمام بمصالحهم الاستراتيجية الخاصة بدلا من الاعتماد على واشنطن في أمنهم.

ورسالة الرئيس ترامب واضحة في هذا: لن تتدخل الولايات المتحدة في حل الصراعات التاريخية في أوروبا الشرقية وبلاد الشام، فالمصالح الجيوستراتيجية الأساسية لأمريكا تكمن في شرق آسيا، حيث تواجه الولايات المتحدة تهديدها العالمي الرئيسي: أي الصين.

لقد أعلن الرئيس ترامب أنه اتفق مع فلاديمير بوتن على عقد محادثات من شأنها أن تضع حدًا للحرب في أوكرانيا. وقال وزير الدفاع بيت هيجسيث لزملائه الأوروبيين: إن واشنطن وافقت على بعض مطالب روسيا الأساسية، ووصف رغبة أوكرانيا في استعادة سلامة أراضيها بأنها هدف «وهمي» وأن أوكرانيا لن تحظى بعضوية في حلف شمال الأطلسي.

جاءت هذه التعليقات صدمة لأوكرانيا وحلفاء أمريكا الأوروبيين، الذين كانوا يتخوفون من أن واشنطن تستعد لاسترضاء موسكو في حين كان المسؤولون الروس والأمريكيون على استعداد للتفاوض بشأن مستقبل أوكرانيا في المملكة العربية السعودية دون مشاركة منهم في المحادثات.

وأحدث الرئيس ترامب موجات صدمة مماثلة في الشرق الأوسط قبل أسبوع حينما اقترح خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن خطة لنقل مليوني فلسطيني من غزة إلى الأردن ومصر. وتعد فكرة توطين ملايين الفلسطينيين في الأردن ومصر تهديدًا وجوديًا للبلدين، كما أن السعودية وحكومات عربية أخرى قد رفضتها.

لكن الرسالة التي بعثها الرئيس ترامب إلى الحلفاء العرب كانت مماثلة تمامًا لرسالته إلى شركائه في حلف شمال الأطلسي: «لقد حان الوقت لأن تتولوا الحفاظ على الاستقرار والحفاظ على السلام في أحيائكم الجغرافية».

يعني هذا أن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من أعضاء الناتو الآخرين بحاجة إلى زيادة إسهاماتهم في حلف شمال الأطلسي وإنفاقهم الدفاعي بشكل عام. ومن شأن هذا أن يسمح للأمريكيين بتحويل انتباههم ومواردهم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ.

في الوقت نفسه، على الدول العربية أن تتوصل إلى خطة للمساعدة في إنهاء الحرب في غزة، وإعادة بناء المنطقة، ونشر قوات حفظ سلام للحفاظ على النظام. وإذا لم يحدث ذلك، فقد تعطي الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل لمواصلة حملتها لتدمير حماس وربما لطرد الفلسطينيين.

بطريقة ما، لا ينبغي لحلفاء أمريكا في حلف شمال الأطلسي ولا للشركاء العرب أن يندهشوا من قرارات الرئيس ترامب الأخيرة، فهي تعكس -من أوجه كثيرة- تغييرات في الجيوستراتيجية الأمريكية. كانت الرغبة في الحصول على المزيد من المساعدة من أوروبا والانفكاك عن الشرق الأوسط أفكارًا اكتسبت أرضية قبل فترة طويلة من بدء قطب العقارات السابق في ترويج أجندته المعروفة بـ«أمريكا أولا». إنها المصلحة الوطنية، أيها الأغبياء.

لقد بدأ ما يسمى بـ«التحول إلى آسيا» ابتعادا عن الشرق الأوسط في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما استجابة لصعود الصين الاقتصادي والعسكري والحاجة إلى حماية المصالح الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

واقع الأمر أن إخفاقات حربي العراق وأفغانستان، ومحاولات «تغيير النظام» و«تعزيز الديمقراطية»، و«عمليات السلام» العديدة بين إسرائيل وفلسطين، قد أوجدت ضغوطا شعبية ونخبوية تدفع إلى البدء في عملية انفكاك تدريجي من المنطقة. ولا يوجد الآن أي دعم في واشنطن لتدخلات عسكرية أمريكية جديدة في الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، كانت فكرة أن الأوروبيين لا ينفقون ما يكفي على الدفاع هي الرأي التقليدي في واشنطن لسنوات.

بل إن وزير الدفاع السابق روبرت جيتس وبخ في يوليو 2011 بعض أقرب حلفاء أمريكا، قائلا: إن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في العمل بوصفها الشريك ثقيل الوزن في النظام العسكري الذي دعم العلاقة الأمريكية مع أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وأدان جيتس التخفيضات الأوروبية في الدفاع وقال: إن الولايات المتحدة سئمت الانخراط في مهام قتالية لصالح من «لا يريدون اقتسام المخاطر والتكاليف».

وفي عام 2011، قال جيتس: إن «الحقيقة الصارخة هي أنه سوف تتضاءل شهية وصبر الكونجرس الأمريكي -والكيان السياسي الأمريكي بشكل عام - لإنفاق أموال عزيزة على نحو متزايد بالنيابة عن دول تبدو غير راغبة على ما يبدو في تخصيص الموارد اللازمة لكي تكون شريكة جادة وقادرة في الدفاع عن نفسها».

والواقع أن الأوروبيين يواجهون احتمال الاضطرار إلى الوفاء بالتزاماتهم الدفاعية بأنفسهم منذ نهاية الحرب الباردة.

والآن وقد بدأ الحديث عن إمكانية إجراء تخفيضات كبيرة في الوجود الأمريكي في أوروبا، بدأ ناقوس الخطر يدق في لندن وباريس وبروكسل وبرلين. ويتساءل المسؤولون: «هل ستهب الولايات المتحدة لنجدتهم في حالة وقوع تهديد وجودي من روسيا؟»

والحق أن بعض دول المواجهة، من قبيل بولندا ودول البلطيق، تزيد إنفاقها الدفاعي وتستعد لحرب محتملة مع روسيا منذ بعض الوقت. أما حكومات أوروبا الغربية فركزت في الأغلب على التغييرات التدريجية.

وفي الشرق الأوسط، ترجو واشنطن أن ترغم ضغوطها الدول العربية على «عمل شيء» بشأن غزة. ويتوقع مسؤولون أمريكيون أن التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى من شأنه أن يحتوي فعليًا التهديد الإيراني، فيلغي بالتالي الحاجة إلى التدخلات العسكرية المستقبلية في المنطقة.

وقد استجابت بعض الدول العربية لضغوط الرئيس ترامب من خلال تقديم خطط لغزة في ما بعد حماس والالتزام بتقديم مساعدات اقتصادية ومساعدة عسكرية لهيئة حكم ذاتي في غزة. فلو أن خطة الرئيس ترامب لغزة لم ترق لهم، فلعل الوقت قد حان لأن يفعلوا بأموالهم (وما أوفرها!) ما يقولونه بألسنهم.

يون هادار زميل أول غير مقيم في برنامج الأمن القومي في معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI).

عن ذي نيو إنتريست

مقالات مشابهة

  • تراجع حجم صفقات الملكية الخاصة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا 24% في 2024
  • مصدر إيراني لـبغداد اليوم: طهران تلقت رسالة أمريكية عبر موسكو
  • غيابات النصر في مواجهة الاستقلال
  • مبعوث ترامب: سنعقد قمة من أجل غزة تضم أكبر المطورين العقاريين بالشرق الأوسط
  • وزير خارجية إيران: إيران: لا مفاوضات تحت التهديد ونواصل دعم محور المقاومة
  • وداعا للشرق الأوسط وأوروبا
  • هكذا تفاعل المجتمع الإيراني مع تشييع نصر الله وصفي الدين
  • وزير الشباب: «سبورتس إكسبو 2025» المعرض الرياضي الرائد بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  • الحكومة: إسبورتس إكسبو 2025 المضيف الرسمي لـSoccerex MENA للمرة الأولى بالشرق الأوسط
  • استقلال طهران يستعيد قوته الضاربة قبل مواجهة النصر في آسيا