جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-03@10:14:58 GMT

الإسلام والعلوم الزائفة

تاريخ النشر: 29th, January 2024 GMT

الإسلام والعلوم الزائفة

 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي **

من المؤسف حقًا ألّا يُسلط الضوء على الثورات الفكرية والعلمية التي قام بها الإسلام لينهض بالمجتمعات البشرية، فمن الأمور التي كانت تقف في وجه تطور علوم الطبيعة هو اعتبار السحر والشعوذة والتنجيم جزءًا مهمًا من علوم الطبيعة، ففي الحضارات السابقة ارتبط التنجيم ارتباطا وثيقا بعلم الفلك، فكان التنجيم يعد الجانب التطبيقي لعلم الفلك، كما أن السحر والشعوذة كانا يعدان التطبيقين العمليين للعلوم المرتبطة بدراسة المواد كعلم الكيمياء، وكانت هذه العلوم الزائفة (التنجيم والكهانة والشعوذة) تمارسها النخبة من رجال الدين والكهنة عبر التاريخ.

وينطلق علم التنجيم من الأفكار القائمة على الإيمان بوجود علاقة ورابطة بين الظواهر الفلكية ومواقع الأجرام السماوية وبين الحوادث في عالم الإنسان؛ بل ويمكن التعرف على مستقبل الإنسان ومصيره والنتائج المستقبلية لمختلف الأنشطة التي يقوم بها من خلال متابعة حركة ذلك العالم العلوي.

وربما يكون منشأ علم التنجيم هو ملاحظة الإنسان لبعض الظواهر السماوية والتي كانت لها أثر مباشر على الطبيعة من حوله، فالصواعق تحرق الأرض حينما تضربها، وحركة القمر تؤثر في منسوب المياه وحركة المد والجزر، ومن هنا فلقد وسع الإنسان من مساحة تأثير تلك الأحداث السماوية على الأرض وغالى -كعادته- ليشمل التأثير في النفس الإنسانية وفي حركة الإنسان ومصيره، بحيث غدت حركتها مفاتحا لمعرفة المستقبل والغيب المجهول الذي طالما سعى لمعرفته.

العلوم الزائفة عمومًا تُساعد الإنسان في التعامل مع الطبيعة المخيفة من حوله وتوفر له وسيلة مريحة نفسيا لذلك، تماما كما تقوم العلوم الحقيقية بذلك؛ إذ يشترك الاثنان في أنهما يستندان لقانون السببية في تفسير الظاهرة الطبيعية، غاية ما هنالك أن العلوم الحقيقية تسعى للكشف عن السبب الحقيقي والمباشر وراء الظاهرة، بينما تدّعي العلوم الزائفة الكشف عن علاقات السببية مع أن التجربة العلمية لا تثبت وجود تلك العلاقة، ولذا فالتفريق بين العلوم الحقيقية والزائفة من أكبر التحديات التي تواجه الإنسان، ومن هنا فقد سعى الإسلام وأكد على أهمية التفريق بين العلوم الحقيقية والزائفة.

وربما لا نجد قبل الحضارة الإسلامية من وقف بوجه العلوم الزائفة وفرق بينها وبين العلوم الحقيقية، فقد حارب الإسلام التنجيم واعتبره من الأمور المحرمة قبل عصر النهضة بقرون من الزمن، ففي أوربا كان علم الفلك والتنجيم يوضعان في بوتقة واحدة وكانا يعدان علمان حقيقيان، واستمر الحال على ذلك حتى في بدايات الثورة العلمية، فعلماء الطبيعة ككبلر ونيوتن عرف عنهما التنجيم وعرف عن نيوتن اهتمامه بالسحر أيضًا.

وكما وقف الإسلام بوجه التنجيم، في المقابل حثَّ على علم الفلك وشجع عليه، وهذا التمييز بين العلوم الزائفة (التنجيم) والعلوم الحقيقية (الفلك) هي واحدة من أهم الإنجازات التي حققها الإسلام ووضع أسسها، تمهيدا لتأسيس مناهج صلبة لعلوم طبيعية، فالتشريعات الإسلامية ساهمت مساهمة فاعلة في تطوير علم الفلك، فمع توسع الرقعة الإسلامية وانتشار المسلمين في مختلف بقاع العالم، نمت الحاجة الى إيجاد وسائل لتحديد اتجاه القبلة، وعمل علماء الإسلام بجد في محاولات رائدة بهذا الخصوص، كما إن الحاجة إلى تحديد أوقات الصلوات الخمسة، دفعت بالعلماء لإيجاد وسائلة حسابية دقيقة، وسمي العلم المختص بهذه المواضيع بعلم الميقات بينما عرف المهنيون المختصون بذلك بالموّقت، كما نشأت الحاجة إلى تحديد بدايات الأشهر العربية، لما لذلك من أهمية في تحديد عدد من المناسبات الدينية كشهر رمضان والأعياد والحج، وهنا حاول علماء المسلمون وبذلوا جهودًا كبيرًا إلّا أن الرؤية بالعين المجردة ظلت هي الطريق الأهم والأدق آنذاك في تحديد بداية الأشهر، ولربما يكون أحد الأسباب في ذلك، ارتباط تحديد بدايات الأشهر بالتنجيم حيث إن التفريق بين الحسابات الفلكية القائمة على حركة القمر وبين الحسابات القائمة على التنجيم لم يكن أمر سهلا.

وعلى الرغم من الإنجاز الكبير الذي حققه الإسلام في تحريمه للتنجيم و اعتباره علما زائفًا، الّا أن هذا العلم الزائف ما زال متواجدًا في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية، ولشديد الأسف، لكنه يتشكل بأشكال ومسميات مختلفة ليتأقلم مع ثقافة المجتمعات، فما زال البعض يدعى أنه يملك القدرة على الكشف عن المستقبل معتمدا على أدوات ووسائل لم تثبت صحتها، فإذا استشاره أحدهم عن عمل ما، فسيشير عليه بالقيام بذلك العمل، أو يشير عليه بالامتناع عنه لأن القيام بذلك العمل سيضره ولا ينفعه، مع أن هذا المستشار لا يدرك طبيعة العمل ولا يملك أي خبرة ولا دراية فيه، فهو لا يلجأ في الكشف عن المستقبل وعمّا ستؤول إليه الأمور معتمدًا على خبراته العملية ومعرفته العلمية؛ بل يستعين بأدوات ووسائل غامضة ومبهمة وغير علمية، و يعد الاعتماد على هذا النوع الوسائل من أهم سمات العلوم الزائفة، تما كما هو الحال مع التنجيم.

إنَّ الاعتماد على هذه العلوم الزائفة يشل عقل الإنسان فبدل أن يعتمد على النعمة العظمى التي منحه الله لها وهي العقل ليزن بها الأمور، ويستشير أصحاب الخبرات، وبعد أن يتخذ قراره، يتوكل على الله، ويسأله التوفيق ودفع البلاء، تجده يلجأ إلى هؤلاء العرافين أو المنجمين أو من يحذو حذوهم من المتلبسين بلباس الدين أو بلباس العلم ويقومون بالمهمة ذاتها.

 

المصادر المعلومات العلمية والتاريخية:

The Oxford History of Science by Iwan Rhys Morus

 

 

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

 

 

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الإنسانُ

كنتُ طوال هذه المدّة أفكِّرُ فـي هذا الكائن الغريب العجيب الموجود على وجه الأرض، الإنسان، فلسفـيّا وعلميّا ودينيّا وأخلاقيًّا. وبدأتُ بمفارقة كبرى بين الإنسان والبشر، ذلك أنّ الإنسان فـي وجه من وجوه التصوُّر القرآني هو الصورة المتطوِّرة للبشر، فالبشر لفظًا، هو الكيانُ الجثماني، الحيوانيّ، قبل أن تُداخله الرّوح وقبل التكليف، وهو لفظ راجعٌ إلى ما يُجريه العرب وسْمًا لظاهر بشرة البشر، فهو بشرٌ لأنّه -وفقًا للسان العرب- دالٌّ على «ظاهر الجلد»، والبشرة أعلى جلدة الوجه، والجسد من الإنسان، ويعنى به اللَّون والرقّة، ومنه اشتقت مباشرة الرجل المرأة لتضامِّ أبشارهما.

والبشرة والبشر: ظاهر جلد الإنسان، وفـي الحديث: لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم»، فخارج الإنسان ممّا يتكوَّن منه مِن هيكلٍ هو البشر، أمّا لفظة الإنسان، فهي حاملة للهيكل والرّوح والعقل، قال تعالى: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»، فالخلْقُ الأوَّل، صناعةً من طينٍ قبل الاستواء، هو خلق البشر، وأمّا الاستواء والنفخُ فإنّه يُحوّلُ هذا الهيْكل إلى إنسانٍ، عاقلٍ، مُكَلَّف، حاملٍ لأمانةٍ. البشريَّة إذن أعرَقُ وأقْدَمُ من الإنسانيَّة، وأعْلقُ بالحيوانيّة، وبالوجود الجثمانيِّ الهيكليّ فحسبُ.

هذا التطوُّر من البشريّة إلى الإنسانيّة حاملٌ لأبعادٍ ومعانٍ، ذلك أنّ التمايز بين الكائنين بيّن وجليٌّ فـي القرآن الكريم، فالسياقاتُ التي وردت فـيها لفظة «بشر» تدلُّ على الهيئة والشكل والقالب الذي اتّخذه الإنسان، ولذلك فقد استعمل اللّه عز وجلّ سمة البشريّة فـي التعبير عن بداية خلق آدم عليه السّلام، يقول: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» (الحجر: 28)، ويقول فـي السّياق ذاته، بيانًا لرفض إبليس السّجود لبشرٍ من الطّين: «قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» (الحجر: 33)، ونساءُ امرأة العزيز فـي موقف خروج يوسف عليهن انبهرن بالجثمان والشكل، ولم يكنَّ على درايةٍ بالإنسان، ولذلك وسمنه بالبشريَّة، يقول تعالى: «فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» (يوسف: 31)، ولعلّ الصّورة الأجلى والأبين فـي تجسُّد الملك لمريم وهي بمحرابها منعزلةً، إذ اتَّخذ الملَك صورة البشر هيئةً وجسْمًَا، وبقي الفارق حاصلًا بين الإنسان والملك، يقول تعالى: «فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا» (مريم: 17)، والدلائل عديدة على هذا التمايز بين البشر والإنسان فـي القرآن، لا يتّسع لها هذا المقام، ولكن يُمكن الإشارة إلى أنَّ إجراء لفظة الإنسان واستعمالها يُقرَن دومًا بالتكليف، وبدخول المشاعر إلى البشر ذاته، وإلى العصيان والإيمان، وكلّ ما له صلة بالشعور الإنساني من جهة وبتحمُّل الأمانة وهي اكتساب العقل والرّوح من جهة ثانية «وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (يونس: 12). هذا وجهٌ يدعو إلى التدبُّر والتفكُّر، خاصَّة فـي وجود نظريَّات علميّة مستندة إلى حفريَّات واكتشاف علميّ لبقايَا بشرٍ أوّل، مهَّدت لظهور الإنسان العاقل هومو سابينس الذي يردُّنا العلم إليه، مع وجودِ ممكن لبشرٍ سابقين، وهذا لا يتعارض البتّة مع الخطاب القرآني، بل إن تمعنّا هذا الإشكال لوجدنا أنّ القرآن سبَّاق لإظهار الفارق بين الإنسان العاقل والبشر، أو من اتّخذ هيْئة الإنسان دون أن يكون له الإدراك ودون أن يكون مُكلَّفًا، فاللّه قد مايز كما سبق أن ذكرنا بين الإنسان (وهو ما يُمكن أن يُصطلَح عليه فـي لغة العلم اليوم بالإنسان العاقل) والبشر، وهو متَّخذٌ الشكل فحسب، بل إنّ مفهوم الإنسان المنتصب Homo erectus يُمكن أن يُدرَك فـي مفهوم خَلْقي وهو الاستواء، وفـي كلّ الحالات فإنّ القرآن قد أقرّ أنَّ الإنسان فـي معناه الآدميّ قد خُلق عبر مراحل وتطوّرَ تدريجيًّا، يقول عزّ وجلّ: «وقد خلقكم أطوارًا» (نوح 14)، وهذا يقودنا إلى فكرةٍ تُعالجها الفلسفة اليوم بعمق، وتعيد طرح مفهوم الإنسان، بعيدًا عن الإشكالات الأخلاقية والوجوديّة التي طُرحت بعمق فـي ستينيّات القرن العشرين.

اليوم بأدواتنا اللّسانيّة والذهنيّة والعلميّة يُمكن أن نُوجِد تصوُّرًا لأبينا الأوّل دون تنافُرٍ مع الدّين، ودون رفضٍ للعلم وللحفريّات، وأعتقد أنّ مخنق الدّرس ماثلٌ فـي الفاصل الفارق بين الإنسان المكلّف العاقل، الذي مرجعه آدم ويسمّيه العلم هومو سابينس Homo sapiens والإنسان فاقد التكليف، أو البشر، فالكائنات البشريّة السابقة للإنسان العاقل مثل Homo erectus وNeanderthals، يُمكن أن تمثّل نواةً أولى لبشرٍ، ويُمكن أن تُشكِّل تأويلًا لقوله: «وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة 30)، وهو بابٌ حمَّالُ أوجه، على الباحثين فـي الخطاب القرآني إحياء تأويله. هذا على مستوى التطوّر الجثماني والإدراكي للكائن الذي يُمثِّل محور هذا الكون، وهو الإنسان، الذي خُصِّصت له نظريّات فلسفـيّة لفهم عمقه، وكُرِّست له نظريّات علميّة لإدراك جيناته والبحث عن أصوله، وبدايات خلْقه، تبقى أخلاقُه، ولا أحبّ أن أعود إلى فـيلسوف الأخلاق نيتشة ونحن على أبواب فتْحةٍ فـي العلم والتكنولوجيا قد تُنْهي البشريّة القديمة.

أخلاقُ الإنسان وسلوكه هي الإشكال سواء امتلك ذرةً من العقل والإدراك أو امتلك بحرًا، الإنسانُ القاتل، الباحث عن الدَّمار، المنصرف إلى أكْل لحم أخيه الإنسان، هل تطوّر وانصقل وتهذَّب؟

مقالات مشابهة

  • مشاهير التوحد.. نماذج نجحوا في العلوم والفن والسياسية
  • ليست الشمالية ولا نهر النيل.. أصوات جنود الدعم السريع في مقطع فيديو عبد الرحيم دقلو تكشف الوجهة الحقيقية لقواته
  • ضابط إسرائيلي سابق يقترح استراتيجية لمواجهة الإسلام السني
  • تقرير: تقليص المساعدات الأمريكية لمؤسسات مكافحة الإرهاب يساعد على نمو المنظمات الإرهابية
  • الفاضلي: الإرهاب مجرد معركة وهمية كيدية صنعوها لنا
  • عيد الفطر في مصر طقسًا دينيًا لا يشبه سواه بالعالم العربي والإسلامي.. صور
  • عيد الكذب: عندما يتحول المزاح إلى أزمة عالمية في زمن المعلومات الزائفة
  • «فومبي».. مرآة التاريخ التي تعكس وحشية الإنسان
  • الإنسانُ
  • تحقّق: هل تجبر بريطانيا فعلا تلاميذ المدارس على دراسة الإسلام؟