موقع النيلين:
2025-04-03@02:50:06 GMT

لعلنا نصلح ما أفسده السابقون!

تاريخ النشر: 28th, January 2024 GMT


أحاول رغم إرادتي الخروج من المشهد المؤلم لواقعنا السياسي والاجتماعي، في ظل حروب ضارية طالت الكثير من أوطاننا العربية، ووجدت أن الاستنجاد بالتاريخ وقضية التعليم قد تكون وسيلة للخروج من هذا المشهد، وعندما راودتني فكرة الكتابة عن التاريخ في مناهجنا الدراسية انتابني شعور بالخوف على مستقبل هذا العلم، الذي يلخص كل أوجاعنا الثقافية بعد أن رحت أسترجع منذ فترة مبكرة من حياتي اهتمام مدارسنا وجامعاتنا بهذا العلم الذي كان يحظى بعناية فائقة، حينما ظهرت أجيال متعاقبة من المؤرخين الكبار منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، من بينهم الأساتذة شفيق غربال ومحمد فؤاد شكري ومحمد صبري السربوني، وجميعهم كونوا مدرسة كبيرة تخصصت في كل تاريخ العالم العربي.

في مصر على سبيل المثال، كان الدكتور أحمد عزت عبدالكريم أستاذ التاريخ الحديث بجامعة عين شمس، قد أدرك أهمية تكوين مدرسة متخصصة في كل تاريخ العرب، لذا وجه تلاميذه إلى دراسة تاريخ كل قُطر عربي كان من بينهم الدكتور عبدالعزيز نوار الذي تخصص في تاريخ العراق، ومحمد خير الذي تخصص في تاريخ الشام، والسيد عبدالعزيز سالم عن اليمن، وجمال زكريا قاسم عن عُمان، ويونان لبيب رزق عن السودان والقرن الأفريقي، بينما كان الأستاذ محمد أنيس يعمل على تكوين مدرسة أخرى في جامعة القاهرة، كان من بينها المرحوم عبدالعظيم رمضان وعلي بركات ورؤوف عباس، وقد توجهت هذه المدرسة الأخرى إلى العناية بتاريخ مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

شكّل هؤلاء جميعا مدرسة علمية منفتحة على كل المعارف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية، ولم يكونوا مجرد معلمين للتاريخ وإنما كانوا فلاسفة في علم التاريخ، وبقيت كتاباتهم إلى الآن بمثابة المرشد الأمين لكل من أتى بعدهم من المشتغلين بالتاريخ، الذي تراجعت العناية به في معظم مدارسنا وجامعاتنا العربية، سواء بسبب ضعف المحتوى العلمي، أو بسبب ضعف الأساتذة ورؤيتهم للتاريخ باعتباره مجرد حكايات وقصص، ولعل معلمي التاريخ من خريجي كليات التربية كانوا وراء تراجع العناية بالتاريخ في مدارسنا، بل وفي كل مناهجنا الدراسية، ويمكن أن أقول بضمير مستريح إن سبب ضعف التعليم يرجع إلى ضعف تكوين المعلم، ليس في علم التاريخ فقط وإنما في كل المعارف الإنسانية والعلمية.

خريجو كليات التربية الذين يقضون أربع سنوات ولا يتلقون في المواد الأكاديمية الأساسية ما يزيد عن ٣٥٪ من الساعات الدراسية، بينما يستغرقون في التخصصات المنهجية والتربويّة كعلم الوسائل وطرق التدريس ما يقترب من ٦٥٪ من الساعات التدريسية، والنتيجة كما نلاحظها جميعا هي ضعف مستوى المعلم وضعف مستوى الطلاب، بينما كان المعلم قبل إنشاء كليات التربية يأتي من خريجي كليات العلوم والآداب، بعد أن يحصل على دراسة أكاديمية في التخصصات المختلفة ثم يلتحق بالدراسة في كليات التربية لمدة عام يدرس فيها المناهج وطرق التدريس، بعدها يصبح المعلم مؤهلا تأهيلا علميا وتربويا، لذا كانت كليات التربية التي انتشرت في العالم العربي منذ مطلع الستينيات سببا كافيا لتدهور التكوين العلمي للمعلم الذي يعد حجر الأساس للعملية التعليمية برمتها، وأعتقد أن الخروج من أزمة التعليم تستوجب العودة إلى النظام القديم، من خلال كليات الآداب والعلوم، بعدها يُكتفى بعام واحد في كليات التربية لدراسة المناهج وطرق التدريس.

أتيح لي منذ سنوات طويلة التدريس في كثير من كليات الآداب والتربية، وكنت ألاحظ الفرق الهائل بين الطلاب الذين يدرسون التاريخ في كليات الآداب، وبين نظرائهم من دارسي التاريخ في كليات التربية، ففي كليات الآداب يدرس الطالب التاريخ الوطني لكل قُطر عربي فضلا عن التاريخ العربي والتاريخ الأوروبي والأفريقي، وتاريخ الفكر وفلسفة الكتابة التاريخية، بينما تقتصر الدراسة في كليات التربية على مختصرات في موضوعات محددة لا تشكّل تكوينا أكاديميا لعلم التاريخ وفلسفاته والمعارف المؤهلة لهذا التخصص.

المشكلة الأخطر والأهم، أن مناهج التاريخ في معظم مدارسنا الابتدائية وحتى الثانوية يكتبها خبراء في التربية، الذين لم يسبق لهم أن تم تكوينهم تكوينا رصينا في علم التاريخ، بينما كانت ذات المناهج منذ نصف قرن أو أكثر يقوم على كتابتها أساتذة جامعيون من كليات الآداب والعلوم، متخصصون في هذا العلم أو ذاك، والطامة الكبرى أن خبراء التربية قد استحدثوا طرقا ساذجة في الاختبارات، واستحدثوا علامات الصح والخطأ، وغير ذلك من الوسائل التي لا تمكن الطالب من التعود على الكتابة والتحليل والتعليق، وجميعها تعوَّد التلاميذ على التفكير والابتكار وجودة الكتابة، التي لم يعد التلاميذ يجيدونها في معظم مدارسنا، وهي كارثة لا مثيل لها في أي نظام تعليمي في العالم، ولم يلتفت القائمون على العلمية التعليمية إلى أن هذه الطريقة تؤدي إلى فقدان الهوية، من قبيل المعارف اللغوية والاجتماعية.

نحن لا ندعو إلى إلغاء كليات التربية، وإنما نقول باكتفاء دور كليات التربية على تأهيل من يرغب في الالتحاق بمهنة المعلم من خريجي كليات الآداب والعلوم، والاكتفاء بعام دراسي واحد بعد إنهاء المرحلة الجامعية، وأعتقد أن الكثيرين من كبار أساتذة التربية جاءوا من خلفيات أكاديمية قبل أن يتخصصوا في علوم التربية، وأعرف بعضهم من الرعيل الأول، الذي مر بهذا التكوين العلمي، وكثيرا ما كنت أتحدث مع أحد شيوخ هذا التخصص المرحوم الدكتور حامد عمار، الذي درس علوم التربية في بريطانيا منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، وأمضى حياته كلها في حقل التعليم سواء في مصر أو في اليونسكو، وقد قال لي بصريح العبارة، وكان قد تجاوز التسعين من عمره، وكنا نتحدث عن ظاهرة ضعف التكوين العلمي للمعلم، قال: إذا أردنا إصلاح التعليم فلا بديل عن العودة إلى كليتي الآداب والعلوم، بعدها يمكن دراسة المواد التربوية في عام واحد فقط.

السؤال: هل لدينا من الإرادة في كل بلادنا العربية ما يستوجب العودة إلى تصحيح خطأ وقعنا فيه خلال ما يزيد عن نصف قرن؟ لعلنا نصلح ما أفسده السابقون!

د. محمد صابر عرب أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر ووزير الثقافة المصرية (سابقا) ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية (سابقا) – صحيفة عمان

 

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: فی کلیات التربیة الآداب والعلوم کلیات الآداب التاریخ فی

إقرأ أيضاً:

«فومبي».. مرآة التاريخ التي تعكس وحشية الإنسان

صدرت رواية “فومبي” للكاتبة والشاعرة بدرية البدري عن دار الساقي في العام 2022، تعود بك “فومبي” إلى نهايات القرن التاسع عشر مع ظهور حركات الحقوق المدنية في عصر إعادة الإعمار.

تقدم لنا بدرية البدري عملاً أدبياً خارج حدود المألوف في إنتاج الرواية العمانية. “فومبي” كما تقول الكاتبة في مقدمة الرواية: "هي أشبه بقاعة محكمة، فيها ضحايا ومجرمون، يقدم كل منهم أدلته ويدافع عن نفسه، والقارئ هو القاضي الوحيد". وهذا ما انتهجته الكاتبة في الأسلوب السردي السلس الذي يجمع بين الفلسفة والسرد الأدبي التاريخي العميق.

تصور “فومبي” بشاعة الإنسانية الفجّة أمام نزعة السلطة والنفوذ "كمخلوق قبيح جُمّل كثيرا ليحتمل العالم رؤيته". حيث تعرّضنا لقضايا العدالة الانسانية وظلم الإنسان للإنسان. إستنادا إلى تجارب تاريخية مؤلمة. في عهد الملك ليوبولد الثاني، وهو ثاني ملوك بلجيكا، الذي دوّن عنه أنه فرض سيطرته الشخصية على منطقة واسعة في وسط أفريقيا عُرفت باسم "دولة الكونغو الحرة" خلال الفترة من 1885 إلى 1908. مستغلا ببشاعة مواردها الطبيعية الغنية كالمطاط والعاج، لتزخر خزينته المستعرَة بما لا يطفئها من أرباح طائلة من خلال نظام استعماري قاس.

تُكثّف “فومبي” الضوء على قضايا الظلم واستغلال النفوذ لتدسّ لنا بين سطورها ما يتناوله الواقع المعاصر عندما ذكرت بديرة البدري في مستهل الرواية: "... لكنك لو رفعت بصرك قليلا عن الورق ونظرت حولك لوجدت أبطالها يحيطون بك، ولا أظنك ستنصدم إن رأيت نفسك بينهم، تلبس أجسادهم، وتمارس أدوارهم، وربما -أقول ربما- ترفع يدك عاليا ليهبط الشيكوت على جسد أحدهم".

“فومبي”، سرد تاريخي يصوّر تشويه السلطة المطلقة للهوية الإنسانية. فقد تناولت الانتهاكات الجسيمة لملك بلجيكا ليوبولد الثاني ضد المستعمرة التي أقامها في الكونغو. وهنا تكمن أهمية الرواية التي توثّق حدثا تاريخيا مهما في الذاكرة الجمعية في شكل سردي يستنهض ما غفى في قلوبنا من جراء إعتياد المشاهد والأحداث الوحشية.

في “فومبي”، التي تعني الروح الهاربة أو الشبح في بعض لغات الكونغو. والتي استخدمتها الكاتبة بفطنة مستحضرة بذلك أسطورة أفريقية تشير إلى أن الرجل الأبيض هو “فومبي” بعد أن نجح في خطف لون الروح. توظيف بدرية البدري لهذا المفموم في روايتها يثير الدهشة والفضول معا. حيث تكتشف في طياتها أنها تتناول مفهوم الأوراح الهاربة من قبضة الشيطان لتبيان قسوة الظلم حول العالم. والجشع الذي يأكل بعضه بعضا. مستعينة بأحداث قضية الاستعمار البلجيكي الفظ للكونغو.

الأصوات في “فومبي” غزيرة ومتداخلة. حيث تستخدم بدرية البدري تقنية السرد المتعدد، فتتداخل الأصوات والشخصيات بطريقة تحمِل القارئ إلى عوالم متباينة ودرجات متكاثفة من الفضول، أمام استكشاف تعدد التجارب القاسية والتشويه الكبير للهوية الإنسانية التي عاشها سكان الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني.

مؤكد أن الكاتبة استعانت بهذه التقنية لتعزز من عمق الرواية، حيث تقدم كل شخصية منظورها بصوتها الخاص، وقد نجحت الكاتبة تماما من خلال هذا الأسلوب السردي في إظهار الأبعاد المختلفة للموضوعات المطروحة. لا سيما في توظيف لغة تتخللها الفصاحة الشعرية، مما يجعل النص يتسم بالعمق والقدرة على تداول مشاعر متلوّنه في في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية للرواية. مما يمنح القارئ إحساسًا بالزمن والمكان. مناوبة في سردها بين الحكايات الشخصية والأحداث التاريخية.

رواية “فومبي” للكاتبة بدرية البدري، هي تأريخ سردي للظلم ودوافعه، ونبش عميق في النفس البشرية، ودعوة من قلب عربي عماني إلى التفكّر في تقلّب مراتب الإنسان وتلوّن غرائزه تبعا لمقاماته. هذه الرواية ما وجدتها إلا دعوة مستترة بأحداث واقعية لكيفية مواجهة وتعزيز قيم الإنسانية في عالم سلطوي يعاني الاستغلال. ودعوة لاستحضار الأسئلة الوجودية حول الغريزة الوحشية للذات البشرية. لاسيما عندما تعرّضك لمشاهد العنف التي اتُبعت في الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني. كبتر الأطراف التي كانت تمثّل العقوبة الشائعة والتي تُفرض على السكان المحليين في الكونغو لعدم تحقيقهم الحصص المطلوبة في جمع المطاط. والإصطياد العشوائي في شِباك الاختطاف لسكان البشرة السوداء لتغريبهم. في حقبة مخيفة تكاثفت فيها سلطة الرجل الأبيض على الرجل الأسود أثناء ازدهار تجارة العبيد. هذا الاختطاف ما كان إلا رفاهية وأمنية تجنب الضحية أساليب التعذيب فوق أرضه وموطنه.

تعكس تسلسل الأحداث في الرواية الأحداث التاريخية في الواقع، فقد إنتهت الإنتهاكات الشرسة في الكونغو إلى غضب دولي واسع بعد أن كشف المبشّرون والصحفيون، مثل إدموند دين موريل، عن الانتهاكات الجارية في الكونغو. ثم في نهاية مطاف الأحداث التاريخية التي تناولتها الرواية، وتحت الضغط الدولي الكبير، اضطرت بلجيكا إلى ضم الكونغو كمستعمرة رسمية تحت إدارتها في العام 1908، منهيةً بذلك الحكم الشخصي الشرس لليوبولد الثاني على المنطقة.

تحرّضك رواية فومبي لإعادة تعريفك لنفسك وللمفاهيم الأساسية في العدالة البشرية. وتفتح أمامك آفاقاً جديدة للتفكّر حول ماهية الإنسان، أبيضا كان أو أسود. وما يعنيه الانتماء للوطن، وكيف تؤثر سلطة المال والنفوذ على الفرد والجماعة. هذه الرواية تجربة فريدة للقارئ.

مقالات مشابهة

  • تأجيل النطق في محاكمة عطال لهذا التاريخ
  • غزة تسجّل أعلى معدل لاستهداف الصحفيين في التاريخ.. من يوقف المجزرة؟
  • ترامب: «أمن الحدود الأمريكي هو الأفضل في التاريخ»
  • متعاقدو الأساسي: استمرار تعليق الإضراب بانتظار إقرار الدراسة المالية لوزيرة التربية
  • خطوة تفصل بيليفيلد عن كتابة التاريخ في ألمانيا
  • التربية تنشر «الروزنامة الدراسية» في شهر أبريل الجاري
  • توضيح من التربية بخصوص دوام المدارس الخميس
  • «فومبي».. مرآة التاريخ التي تعكس وحشية الإنسان
  • «التربية» تعلن موعد امتحانات طلبة الــ12 في التعليم المستمر المتكامل
  • للمرة الأولى في التاريخ.. رصد الشفق القطبي الغامض لكوكب نبتون