لمحات من التاريخ البحري العماني في «تقويم» المتحف الوطني
تاريخ النشر: 27th, January 2024 GMT
التاريخ البحري العُماني ليس قصصًا تُسرَد، ولا خَيالا يُطلقه البَحَّارة والنواخذة مع الريح، وهم يتذكرون مغامراتهم مع الإبحار بالسُّفن، بل حياة عاشها الإنسان العُماني منذ فجر التاريخ ولا يزال، والساحل العُماني الممتد جغرافيًّا من أقاصي مسندم في الشمال الأشَم، إلى آخر موجة تلقي التحية على ساحل ظفار، وقبل ذلك إلى آخر مدينة في الساحل الشرقي الأفريقي، وبينهما تمخر السفن العُمانية عباب البحر العميق، قاطعة دروب الماء إلى موانئ الشرق والغرب، ولعل ذاكرة البحر تُفضي بأبعد من هذا التصوُّر.
ومهما تحدَّث الباحثون عن التاريخ البحري العماني، فما أسرفوا ولا بالغوا في الوصف؛ لأن ما يُكتب عنه أقل مما كان وما عليه الآن، وككل الأشياء في هذه الحياة، هناك لفتات في هذا التاريخ، ضاعت من دون توثيق، ونواخذة وبحَّارة ذابوا في ظلمات البحار، وحياة في سطح الماء ممتدة إلى أبعد موجة.
هذه المقدمة تفضي بي لتقديم «التقويم السنوي» لهذا العام، الصادر عن «المتحف الوطني» بمسقط، فقد لمست فيه إيجازًا بديعًا لتاريخنا البحري، وورقات لخَّصَتْ لمحات جميلة، كتابة وصُوَرًا، ومعلومات من التاريخ البحري الطويل، يزرع في النفس الزَّهو بماضي عُمان، الذائب في أعماق البحار والمحيطات، والذي ما إن تنطلق السفينة من مرساها حتى تبحر بعيدًا، تداعبها أمواج تارة، وتصطدم بها تيارات غاضبة تارة أخرى.
بدأ التقويم بجملة: (يا حَافظ الأرْوَاح في الألواح، ومُسيِّر الفلكَ من غير جَنَاح)، المحفورة في سفينة «فتح الخير»، بتاريخ: 21 رمضان 1370هـ، دُعاءٌ اختصر حديثًا طويلًا في حفظ الأرواح من شر عوادي البحر الغاضب، البحر الذي قد يقلب معادلة الأمان رأسًا على عقب، إذا ما هبَّت الأعاصير، فتجري رياحه على ما لا تشتهي السفن، لكن الله خير حافظ، فيما تلوح سفينة الفتح كظل ذائب بين الأمواج، مضيئة في البال تاريخًا حافلًا قطعته هذه السفينة.
وبعد هذه «التعويذة» الرائعة نقرأ كلمة لسعادة جمال بن حسن الموسوي، الأمين العام للمتحف الوطني، اختصرت ما يمكن أن يقال عن أمجاد التاريخ البحري العماني، مذكرًا أن ارتحال العمانيين عبر البحار والمحيطات بدأ منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأن (العمانيين ساهموا خلال القرون الأربعة الأخيرة، في تأسيس إمبراطوريتين بحريتين، ربطتا عمان بالخليج العربي، وساحل مكران، وشرق أفريقيا)، مشيرا في كلمته إلى نبوغ العمانيين في ارتياد البحار، ولذلك كتبوا أفضل الأدبيات في علم الملاحة البحرية، وصنعوا أنواعًا من المراكب، وما تزال الأساطيل العمانية العصرية، والموانئ المزدهرة، تمثل امتدادًا للموروث البحري القديم.
أقلب صفحة التقويم، لتتبادى صفحة تعريفية بكتاب «مجموع في علم البحار»، وهو مجموع يضم مخطوطات «الفوائد في علم البحر والقواعد»، و«حاوية الاختصار في أصول علم البحار»، و«الأراجيز»، لأحمد بن ماجد السَّعدي (ت: 906هـ/1500م)، يختصر التعريف بابن ماجد، (الذي كان ربانًا بحريًّا مرموقًا، ومن أشهر الملاحين في المحيط الهندي، ومن علماء فن الملاحة وتاريخه عند العرب، إذ اخترع الإبرة المغناطيسية «البوصلة» المستعملة في تحديد اتجاهات الرحلات البحرية، وترك آثارًا علمية عديدة في علوم البحار، جاوزت 40 كتابًا، وقد طَبَعَ المُتحَف كتاب «المَجمُوع» في طباعة فاخرة.
في صفحة أخرى لوحة تشكيلية، لمشهد من بندر «لنْجَة» إبَّان الحُكم العُماني، للرسام تشارلز جولدنج كونستابل، رسمها عام: 1853م، وتظهر في اللوحة مدينة لنجة من البحر، تشبه مدينة مطرح إلى حد بعيد؛ حيث السفن الشراعية تطفو كالدُّمى فوق سطح الماء.
وفي صفحة أخرى نشاهد منظرًا لمدينة مسقط مع السفن الشراعية، مأخوذًا من 16 مشهدًا، بين عامي (1809 - 1810م)، للملازم ريتشارد تمبل، وتظهر بعض الأبراج فوق الجبال أشبه بنقط بيضاء في إهاب أسمر، ولمسقط إطلالة بحرية ساحرة للنظر، تشكّل لوحة بانورامية، تظهر فيها المدينة من بعيد، رؤوس الجبال وكأنها فنارات ثابتة، والسفن تتهادى في الشاطئ، كما يتهادى البَجَعُ الراقص.
في صفحة أخرى من التقويم، نرى صورة للسفينة سلطانة، الأكثر شهرة بين المراكب العمانية، وهي سفينة حربية سريعة، صُنعت في بومباي عام (1249هـ/ 1833م)، وتتكوَّن من ثلاث صوارٍ، استخدمت للبعثات الدبلوماسية، حيث أرسل السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي مبعوثه أحمد بن النعمان الكعبي، في زيارة تجارية ودبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية عام (1255هـ/ 1840م).
وفي صفحة أخرى من التقويم، نقرأ خبرًا نشرته صحيفة «أخبار لندن» المصورة عام 1842م، عن السفينة «سلطانة» أيضا، حين أبحرت من زنجبار إلى لندن في عام (1258هـ/ 1842م)، حاملة على متنها والي ممباسا علي بن ناصر الهنائي، سفيرًا من قبل السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي، سلطان عمان وزنجبار، إلى «فيكتوريا» ملكة المملكة المتحدة البريطانية العظمى وإيرلندا، تتويجًا لعلاقات الصداقة التاريخية بين البلدين، وكانت الصحيفة قد نشرت مقالا عن وصول السفينة إلى لندن، ويتضمن واحدة من اثنتين فقط من الرسومات المعروفة للسفينة، وهي ترسو في رصيف «سانت كاترين».
وتتواصل صفحات التقويم بتقديم معلومات عن أهم أنواع السفن، كسفينة «البَغْلة»، وهي من أكثر السفن العربية زخرفة، وكانت بها صاريتان أو ثلاث: (امتازت البغلة المسلحة من أسطول السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي، بطولها البالغ حوالي 40 مترًا، وارتفاعها 45 مترًا، وبمدافع ذات ماسورات ثقيلة).
وتزين صفحات التقويم صورة للسفينة التاريخية «مَجَان»، المصنوعة عام 2013م، من حزم القصب، وخشب السدر، والحبال من شجر النخيل، طليت السفينة من الأسفل بالقار، وهي اليوم أحد معروضات المتحف الوطني، تذكرنا الصورة بتجربة انطلاقة السفينة في البحر، محاكاة للسفن المبحرة في فجر التاريخ، وكانت تجربة مهمة جديرة بالتوثيق.
كما قدم التقويم نبذة عن مخطوط: «معدن الأسرار في علوم البحار»، أول مخطوط عماني أدرجته منظمة «اليونسكو»، ضمن السجل الدولي لذاكرة العالم عام 2017م، وهو بمثابة دليل إرشادي للبحّارة والمهتمين في العلوم البحرية، تناول المؤلف في كتابه: (قواعد العلوم البحرية، وقيادة السفن باستخدام الآلات البحرية وحساباتها الدقيقة، ووصف البوصلة وأجزائها، واستخراج مسار السفينة، وخطوط الطول والعرض، وذكر مطالع النجوم، ورسم أشكال بعض الموانئ التي زارها).
وفي صفحات التقويم رسومات ولوحات مهمة، منها رسم تخطيطي من كتاب مطبوع، يتضمن رسومات بتقنية الطباعة الحجرية (1841م)، بعنوان: «مقالات عن الشعوب وبناء السفن غير الأوروبية»، أو مجموعة من السفن، والزوارق التي بناها سكان آسيا، وماليزيا، والمحيط الكبير، وأمريكا، لمؤلفه فرانسوا إدموند باريس، نشرته مكتبة آرتوس برتران.
ويقدم التقويم تعريفًا بالسفينة «جوهرة مسقط»، التي صُنِعَتْ في قرية «قنتب» الساحلية بمسقط، بلا مسامير أو قطع حديدية، وإنما بألواح مشدودة بالحبال فقط، أبحر على متنها القبطان صالح بن سعيد الجابري وطاقمه، قاطعين مسافة 6 آلاف كم، باتجاه سنغافورة عام 2010م، مستعيدة أمجاد العمانيين في الإبحار البعيد. كما يتضمن التقويم مشهدًا لخليج مسقط، من كتاب «مشاهد في الهند»، لمؤلفه ويليام دانيل وهوبارت كاوتير، تظهر فيه قلعتا «الجلالي» و«الميراني»، والأسوار العالية للمدينة، والسفن الشراعية الكبيرة، طبع الكتاب عام 1836م، مزين برسومات بتقنية الحفر.
ويتضمن التقويم مجسَّمًا لسفينة «الغنجة»، مصنوعة من الفضة والذهب والنحاس والدهان الملون، مهداة للسلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه، وتنتهي صفحات التقويم بنبذة تعريفية، لكرسي فاخر بذراعين يتكئان على دلفينين، من أثاث «اليخت السلطاني آل سعيد» المستخدم في قاعة الطعام، مزين بزخارف نباتية مذهّبة، ويظهر على مسند الظهر شعار اليخت السلطاني آل سعيد الأول.
كما يعكس التقويم الجهد المبذول في إخراج صفحاته وتحرير مادته، وانتقاء الصور الضوئية، واللوحات الفنية المستخرجة من مظانِّها، تتجاوز بقارئه حدود معرفة الأيام والشهور، إلى قراءة صفحات من سِفْر الحضارة العُمانية، مثيرًا في النفس الإعجاب، فشكرا للمتحف الوطني على هذه اللمحات الشيقة من تاريخ عمان البحري.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: من التقویم الع مانی
إقرأ أيضاً:
لماذا تريد ألمانيا استعادة أمجاد الماضي وأن تصبح قوة بحرية عظمى؟
بعد استسلام الفيرماخت يومي 8 و9 مايو/أيار 1945، انتهى الأسطول الألماني، وعمل مئات الجنود السابقين في البحرية الألمانية تحت إمرة بريطانيا والولايات المتحدة لإزالة مئات الآلاف من الألغام المزروعة في المياه الأوروبية، وبشكل خاص في بحري البلطيق والشمال، وما إن انتهت تلك المهمة حتى تم تسريحهم، وبقيت المياه المالحة بلا أي سفينة أو حتى زورق يتبع تلك القوة.
يرى فريدريش روغه، الذي عمل برتبة فريق في البحرية الألمانية، ثم عمل ككاتب ومؤرخ عسكري في عالم ما بعد الحرب، أن جانبا من أسباب هزيمة الألمان في الحربين العالميتين يتعلق بأنهم لم يمتلكوا فهما واضحا لقوة وإمكانيات سلاح البحرية أثناء صراعهم مع القوى الكبرى في العالم، والتي امتلكت نسخًا متقدمة من نفس السلاح، ناصحًا بالتركيز تحديدًا على إعادة بناء القوة البحرية الألمانية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2ميرتس.. "ترامب ألمانيا" الذي تُعوّل عليه أوروبا لمواجهة "ترامب أميركا"list 2 of 2لأول مرة تنشئ ألمانيا قاعدة عسكرية خارج أرضها فماذا تريد أن تقول؟end of listمع قدوم الخمسينيات ونشاط السوفيات مرة أخرى، باتت تلك الفرصة ممكنة، فأصبحت ألمانيا عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبدأت إعادة تسليح جيشها كاملا، لكن على الرغم من ذلك، كان يقال دائمًا إن البحرية الأميركية والبريطانية تُغنيان عن البحرية الألمانية، أو قل إن الأخيرة لن تفعل أكثر مما يمكن فعله بوجودهما، ولكن يبدو أن ذلك سيتغير قريبا، ففي يونيو/حزيران 2021، خصص مجلس النواب الاتحادي الألماني حوالي 19 مليار يورو لإجمالي 27 مقترحًا لتطوير القوات البحرية الألمانية.
إعلان سلاح المهام الخاصةوعلى وجه التحديد، تم التخطيط لبناء 6 غواصات جديدة من فئة "212 سي دي" في إطار التعاون مع النرويج، وفي سبتمبر/أيلول 2023 أعلن بالفعل أن عملية الإنتاج قد بدأت، ومن المقرر تسليم الغواصة الأولى إلى البحرية النرويجية في عام 2029، بينما يُتوقع تسليم غواصتين للبحرية الألمانية في عامي 2031 و2034، وستبقى الغواصات الجديدة في الخدمة حتى ستينيات القرن الحالي.
غواصة "212 سي دي" هي غواصة غير نووية تتميز بهيكل فريد يشبه الماسة، ويرفع من قدرات التخفي، وخاصة في مواجهة كاشفات الشذوذ المغناطيسي (التي ترصد الغواصات بسبب تغير المجال المغناطيسي للأرض عند مرورها)، كما تحتوي على خلايا وقود تسمح لها بالبقاء مغمورة بالمياه لعدة أسابيع دون أي أثر ظاهر، كما يعمل نظام خلايا الوقود نفسه كمحوّل صامت للطاقة، بما يرفع من قدرات التخفي.
وبالإضافة إلى أجهزة استشعار الأشعة تحت الحمراء السلبية، سيكون من الصعب اكتشاف هذه الغواصة.
تم تصميم هذه الغواصات تحديدا لقوات العمليات الخاصة، بحيث تكون مناسبة للعمليات في جميع أنحاء العالم، خاصة أنها ستمتلك نظاما قتاليا جديدا يسمى "أوركا" يُعد الأكثر تقدمًا في الغواصات غير النووية، حيث يسمح لقادة الغواصة بإجراء تحليل متكامل للبيانات من مجموعة من المستشعرات على متن الغواصة ثم يعرضها بطريقة سلسة على واجهة واحدة متعددة الأغراض، مما يساعد في اتخاذ قرارات أفضل وأسرع، خاصة في أوقاتٍ تكون فروق الثواني والدقائق حاسمة فيها.
ولعل واحدًا من أهم الدوافع وراء تصميم وتطوير الغواصات الألمانية هو التصدي لتطوير الروس قواتهم البحرية بشكل متزايد. تقع سواحل وموانئ ألمانيا على بحري الشمال والبلطيق، وتعتبر روسيا الأخير تحديدًا منطقة تخصها، وقد فرض السوفيات سيطرتهم على الكثير من جوانب بحر البلطيق منذ اختفاء البحرية الألمانية في عام 1945.
إعلانوفي سياق انشغال الروس في الحرب مع أوكرانيا، يبدو أن البحرية الألمانية تريد مع تحديث ترسانتها التركيز على عدة مناطق أساسية، منها بحر البلطيق وبحر الشمال وشمال المحيط الأطلسي.
جانب من مهام انتشار ألمانيا في تلك المناطق هو لحماية البنية التحتية الحيوية الموجودة في قاع البحر، بما فيها خطوط الأنابيب وكبلات الطاقة وكبلات الألياف الضوئية التي تنقل الإنترنت، والهجمات على خطوط أنابيب "نورد ستريم" في سبتمبر/أيلول 2022 كانت خير دافع لذلك، فالروس يميلون إلى استخدام تكتيكات غير متماثلة مع أعدائهم، ونقصد هنا عمليات غير معهودة في الحرب التقليدية، وفي هذا السياق تأتي الحرب السيبرانية واستهداف البنية التحتية الهشة نسبيا.
روسيا نفسها تُطور من قدراتها البحرية في تلك المناطق بعد انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، حيث باتت البحرية الروسية تواجه تحديات استثنائية، فهي الآن تخشى أن لا تتمكن من استخدام بحر البلطيق كما اعتادت، أضف إلى ذلك أنه بانضمام الدولتين إلى الحلف فقد أصبح الناتو على مقربة من القواعد العسكرية الروسية في القطب الشمالي، وهو أمر خطير بالنسبة للروس.
إلى الآن، تواصل موسكو نهجها لتطوير قدراتها البحرية مع التركيز على هدفين رئيسيين؛ الأول هو الحفاظ على قوة الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية وتطويرها، والثاني هو تطوير القوات البحرية التقليدية.
والواقع أنه في 31 يوليو/تموز 2022، وقّع فلاديمير بوتين على نسخة محدثة من العقيدة البحرية للاتحاد الروسي شملت تغييرات كبيرة، منها اعتزام الكرملين تعزيز قدراته القتالية البحرية في جميع أنحاء العالم، والإعلان عن استعداده لاستخدام الوسائل العسكرية لتعزيز مصالحه في المياه الدولية، بما يشمل زيادة وجوده البحري في أعالي البحار، مع تحول أكبر ناحية المياه القطبية الشمالية.
إعلان على شفا الطراداتلا يقف الأمر عند حدود الغواصات فقط، إذ تعمل البحرية الألمانية حاليا على تحديث ترسانتها من الفرقاطات، فبحلول عام 2028 ستحل الفرقاطة الأحدث "إف 126" أو فرقاطة من فئة "سارلاند" محل الفرقاطات من فئة "إف 123".
بطول يقارب 166 مترا وعرض 22 مترا، ستكون "سارلاند" أكبر السفن الحربية السطحية التي تنضم إلى البحرية الألمانية منذ الحرب العالمية الثانية، وتقترب هذه الفئة بشكل كبير من عتبة حجم الطرادات (سفن حربية أكبر وأقوى)، مما يزيد من احتمال أنه بحلول النصف الثاني من ثلاثينيات القرن 21، سيتكون مخزون البحرية الألمانية من الطرادات بشكل رئيسي.
ومثل الغواصات السالف ذكرها، فإن "سارلاند" قادرة على استيعاب ما يسمى وحدات المهمات الخاصة، التي تشمل أجهزة الاستشعار والأسلحة اللازمة لتنفيذ مهمة معينة، يأتي ذلك في سياق قدرة ممتازة للسفينة على البقاء في البحر لمدة تصل إلى عامين دون الحاجة إلى الصيانة في الميناء، مع تناوب الطاقم الرئيسي من وإلى السفينة كل 4 أشهر عبر ناقلة جند.
يستهدف الألمان تلك الميزة بشكل خاص، حيث تسمح هذه القدرة باستخدام أكفأ لتلك السفن في تقليل الوقت المستغرق أثناء السفر من الشواطئ الألمانية إلى مناطق الصراع، حتى لو كان ذلك قبالة القرن الأفريقي، حيث شاركت السفن الألمانية بالفعل في مهام مكافحة القرصنة مثل "عملية أتالانتا"، وبسبب نجاح البحرية الألمانية في تلك المهام فإنها تستخدم كنموذج يمكن الانطلاق منه والبناء عليه لتطوير القوة البحرية بالكامل.
وفي فبراير/شباط الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الألمانية أن العمل قد بدأ على جيل أحدث من هذه الفرقاطات يسمى "إف 127″، وهو مشروع مشترك بين ألمانيا وهولندا، لا تزال ملامحه غير محددة، لكن بحسب ما تم إعلانه حتى الآن فإنها ستكون أكبر قليلا من "إف 126″، مع ما لا يقل عن 64 خلية إطلاق صواريخ عمودية.
إعلانبالإضافة إلى ذلك، هناك تقارير تفيد بأن البحرية الألمانية تريد أن يشتمل تصميم "إف 127" على نظام إيجيس القتالي الأميركي، وهو نظام أسلحة بحرية متكامل يجمع بين أجهزة الحاسوب والرادارات لتتبع وتوجيه الأسلحة، وتدمير أهداف العدو بشكل فعال.
يمكن لهذا النظام التعامل مع التهديدات الجوية المتقدمة، ويوفر قدرات حربية في المعارك على سطح الماء وتحته، كما تم تصميمه لمواجهة تهديدات الصواريخ البالستية.
جدير بالذكر في هذا السياق أن غالبية القطع التي ستنضم إلى البحرية الألمانية متوافقة مع الصواريخ البحرية الموجهة "إن إس إم بلوك1 أي"، وهي صواريخ نرويجية دقيقة التوجيه تعمل مع السفن البحرية شديدة الدفاع والقوارب الصغيرة وسريعة الحركة والبنية التحتية البرية، وهي مصممة لتزويد القوات البحرية بنظام أسلحة متعدد الاستخدامات قادر على الاشتباك مع مجموعة كبيرة من الأهداف في نفس الوقت، كما تحمل رأسًا حربيًّا شديد الانفجار تم تصميمه لاختراق الهدف قبل التفجير، مما يضمن التدمير الفعال للهياكل المحصنة.
تعمل هذه النوعية من الصواريخ بنظام ملاحة متقدم يعمل بالقصور الذاتي ونظام الملاحة العالمي (جي.بي.إس) وباحث تصوير بالأشعة تحت الحمراء، مما يسمح بالاستهداف عالي الدقة، كما يمكن للصاروخ أن يميز الهدف بشكل مستقل. إلى جانب ذلك يحتوي الصاروخ على مقطع عرضي راداري منخفض ويستخدم تقنيات التخفي لتقليل إمكانية اكتشافه بواسطة أنظمة رادار العدو.
استراتيجية جديدةما سبق كان فقط أمثلة على عملية تحديث كبرى تُجريها البحرية الألمانية حاليًا، وجميعها يخدم استراتيجية واحدة هي أن تكون السفن الحربية الألمانية قادرة على شن حرب بحرية متعددة الأبعاد على مسافات كبيرة، بنموذج وحدات المهام السالف الذكر، ولهذا الغرض صممت بقوة ضرب كبيرة وقدرة على البقاء لفترات طويلة، كما أنها متعددة الأغراض.
إعلانيظهر ذلك بوضوح في تصريح للمستشار الألماني أولاف شولتز، في مؤتمر قادة الجيش الألماني عام 2022، حينما قال إنه يجب أن يصبح الجيش الألماني "حجر الزاوية للدفاع التقليدي في أوروبا، والقوة الأفضل تجهيزًا في القارة"، موضحا أن "تحديث قدرات الجيش الألماني يأتي في نطاقي الردع والدفاع، وهذا يتطلب من البحرية الألمانية على وجه الخصوص إظهار استعداد قتالي عالٍ وإظهار وجودها في شمال المحيط الأطلسي وبحر الشمال وبحر البلطيق".
تتضح رؤية شولتز في إعلان البحرية الألمانية عن هيكل أسطولها المخطط له اعتبارًا من عام 2035، ويظهر فيها تركيز أكبر على نشر السفن الكبيرة بأعداد مرتفعة نسبيا، والاعتماد على المنظومات غير المأهولة، ليس فقط الغواصات، بل كذلك المسيرات والسفن.
كما تنوي البحرية الألمانية ربط الأنظمة المأهولة و"غير المأهولة اختياريًا" في المستقبل في "سحابة قتالية بحرية"، بحيث يتم تبادل المعلومات بسهولة، وهذا يسمح بدمج القوات البحرية في عمليات الأسلحة المشتركة، بل والقدرة على العمل بطريقة الأسراب (مثل المسيرات).
في الواقع، فإن خطة برلين لتطوير أسطولها تشير إلى أن بحر البلطيق يتطلب بشكل أكثر أنظمةَ أسلحة غير مأهولة، ولذلك تخطط البحرية الألمانية للحصول على ما يصل إلى 6 مركبات كبيرة غير مأهولة تحت الماء، بالإضافة إلى عدد غير محدد من أنظمة التدابير المضادة للألغام غير المأهولة.
المركبات غير المأهولة أو "المركبات الكبيرة ذاتية القيادة التي تعمل تحت الماء"، هي ببساطة مُسيّرات، لكنها تعمل تحت الماء، وهو نطاق بدأت بعض الدول بالفعل تستثمر فيه بكثافة غير مسبوقة، مثل الصين والولايات المتحدة، للعمل في نطاقات تحييد الألغام، والاستخبارات، ومستقبلا في العمليات القتالية، كما حصل في حالة الطائرات المسيرة.
في هذا السياق، اهتمت البحرية الألمانية مؤخرا بتطوير سفينة خدمة الأسطول من النوع 424، وهي فئة جديدة من ثلاث سفن استخبارات واستطلاع تم الإعلان عنها في عام 2021 وستبدأ العمل خلال 6 أو 8 أعوام من هذا التاريخ، وتم تجهيز السفن بأدوات استشعار وأنظمة متقدمة لجمع البيانات الاستخباراتية من سطح الماء وتحته، وهي مصممة للعمل متخفيةً مثل سابقاتها، وستعمل هذه السفن كمراكز قيادة لتنسيق العمليات بين كل وحدات البحرية.
إعلان الهندي والهادييبدو أن طموح الألمان لا يقف فقط عند حدود منطقة البلطيق وجيرانها، فهناك هدف آخر كبير. في 7 مايو/أيار الماضي أعلنت برلين إرسال سفينة إمداد وفرقاطة إلى منطقة المحيط الهندي والهادي (المنطقة التي تضم المياه الاستوائية للمحيط الهندي، وغرب ووسط المحيط الهادي، والبحار التي تربط الاثنين)، في مسعى لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وسط تصاعد التوترات بين الصين وتايوان.
لكن ذلك ليس بجديد، فقد كانت أولى خطوات الوجود العسكري الألماني في منطقة الهندي والهادي هي تحريك الفرقاطة "بايرن" في الفترة من أغسطس/آب 2021 إلى فبراير/شباط 2022، في رحلة بين القرن الأفريقي وأستراليا واليابان، تلا ذلك نشر 6 مقاتلات يوروفايتر تابعة للجيش الألماني مع 4 طائرات نقل و3 طائرات إيرباص إلى أستراليا في منتصف أغسطس/آب 2022، وفي يوليو/تموز 2023 شارك الجيش الألماني في مناورات عسكرية في أستراليا لأول مرة.
منذ عام 2020 كانت لدى الحكومة الألمانية استراتيجية أمنية جديدة أعلن عنها رسميا في 2022، تتضمن تعزيز وجودها في منطقة الهندي والهادي. الرؤية المعلنة من قبل الألمان هي أن آسيا تعد منطقة النمو الأكثر ديناميكية في العالم، وفي الوقت نفسه تواجه منطقة المحيطين الهندي والهادي توترات جيوسياسية كبرى ستؤثر على سلاسل التوريد من وإلى أوروبا.
في الواقع فإن 90% من التجارة العالمية تتم عن طريق البحر، وجزء كبير منها عبر منطقة المحيطين الهندي والهادي، وبالطبع يأتي كل ذلك في سياق ادعاء بكين أن بحر جنوب الصين بأكمله تقريبًا هو ملك لها، بل وتعزز وجودها العسكري فيه بشكل كثيف، ويتدفق نحو 40% من التجارة الخارجية لأوروبا عبر هذا البحر.
إلى جانب ذلك يخشى الألمان من أن البلاد النووية مثل الهند وباكستان والصين وروسيا وكذلك كوريا الشمالية ببرنامجها النووي هي جميعها قوى نشطة في هذه المنطقة. ومع توتر عالمي كبير تقوم خلاله دول مثل الولايات المتحدة وتايوان واليابان والصين بتطوير تسليحها بشكل عام، وفي منطقة الهندي والهادي بشكل خاص، فإن ألمانيا تود أن تحصل على جزء من قطعة الكعك العسكرية تلك.
إعلانببساطة، ظهر مركز جديد للمنافسة العالمية في منطقة لدى ألمانيا مصلحة فيها، لذا ستجد برلين تشارك في العديد من الأنشطة بهذه المنطقة، منها مناورات حافة المحيط الهادي (ريمباك)، وهي أكبر مناورة بحرية دولية في العالم والتي أعلن عنها مؤخرا، خلال تلك المناورة ستقوم عشرات السفن الحربية من 29 دولة -منها ألمانيا- بعبور المحيط الأطلسي، ثم السفر على طول الساحل الشرقي لأميركا الشمالية عبر قناة بنما إلى هاواي، ثم بعد ذلك إلى غرب المحيط الهادي، بما يشمل بحر جنوب الصين.
وبعد توقف الإمداد في سنغافورة في أوائل أكتوبر/تشرين الأول، ستتحرك السفن على طول الطرق البحرية للمحيط الهندي عبر البحر الأحمر إلى شرق البحر الأبيض المتوسط بحلول نوفمبر/تشرين الثاني.
استيقاظ العملاق النائملقد تغيرت السياسة الخارجية الألمانية بشكل واضح، وفي نهاية فبراير/شباط 2022 وبعد توليه منصب المستشار خلفا لأنجيلا ميركل ثم اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، أعلن أولاف شولتز أن الهجوم الروسي هو "نقطة تحول تاريخية" بالنسبة لأوروبا يجب أن تستجيب لها بشكل حاسم.
في هذا السياق، أعلن شولتز إعادة هيكلة السياسة العسكرية للبلاد، فتعهد بإنشاء صندوق طارئ بقيمة 100 مليار يورو لاستثماره في تحديث القوات المسلحة الألمانية، مع تجاوز حد الإنفاق الدفاعي 2% من الناتج المحلي الإجمالي (شرط لعضوية الناتو).
وبرر شولتز خروجه عن السياسة الدفاعية الراسخة (تقليد ما بعد الحرب الباردة المتمثل في خفض تمويل الجيش) بالتهديد الذي تشكله روسيا على السلام في أوروبا. وفورًا كانت ألمانيا قد أرسلت مدافع مضادة للطائرات وهاوتزر وقاذفات صواريخ متعددة من طراز مارس ودبابات ليوبارد مع المئات من الأسلحة المضادة للدبابات والأسلحة الخفيفة إلى أوكرانيا.
هذا التعديل الجذري في السياسات لا يتوقف فقط عند ألمانيا، فالعالم كله يتغير من وجهة نظر عسكرية، والكثير من الدول بدأت تغيّر عقيدتها العسكرية في اتجاهين: إنفاق أكبر على تسليح الجيش، والتجهز لحرب خارج الحدود.، يبدأ الأمر من دول أوروبية مثل بولندا، ولكنه يصل إلى اليابان ونيوزيلندا وأستراليا، ومن الجهة الأخرى إلى كندا.
إعلانكل ما سبق يأتي في سياق مهم، فالأحزاب اليمينية المتطرفة آخذة في الصعود في الكثير من أنحاء أوروبا.
حينما يتطور التوتر السياسي الشديد إلى مرحلة بناء ترسانات عسكرية في أكثر من بؤرة حول العالم، فإن العالم يتغير لا محالة، وهو لا يتغير إلى الأفضل بأي حال من الأحوال، فالسلاح وحاملوه يبقون حتى بعد انتهاء الحروب، وهل يعود إلى الشاطئ مرة أخرى من ذاق طعم المياه المالحة البعيدة جدا عن حدوده وسيطر على بعض منها؟ لا نعرف، لكن التاريخ يميل إلى الإجابة عن هذا السؤال بالنفي.