يـومَ أكل كِـبـار النَّمـلِ مَنسَــأة الأمَـم المُتحــدة
تاريخ النشر: 26th, January 2024 GMT
(1)
من ينظر بعينِ الطائر إلى جنبات وأطراف السّاحة الدولية هذه الآونة ، سيرصد هول الوقائع التي تدور في أنحائه ، فلا يرى غير صورة سوداء كالحة السّواد لواقعٍ دوليٍّ تتلاشى ممسكات تعاون بلدانه ، وتتراخى روابط تفاهماته، فيسأل من يسأل وأين هيئة الأمم المتحدة. . ؟ . تكاد صورة المنظمة الأممية الماثلة أن تقارب صورة عُصبة الأمم (1920م-1945م) التي تردّتْ من فشلٍ إلى فشلٍ وأصـابها رهـاب العاجــز ، فكتبت شــهادة وفاتها منـذ بدايات الحــرب العالميـة الثانيـة، في نهـايـة ثلاثينات القـرن العشرين.
(2)
إنّ مقــولة التـاريخ يعـيـد نفـسـه، تجانب الـدّقـة ولا توافـق الواقـع في أكثر أحوالها، فـلا التاريخ له عجـلات تحرّكه بدورانها كما قـد يَتبادر لذهن تلميذ سّـاذج، كما ليس هو محض دفـاتر تقلّـب أوصفحـات تطوَى. وأزيدك قولا أن ليس للتاريخ حلقات متكـرّرة ، بل هي سـلاسـل متجــدّدة ، وإن تشــابهتْ في تسارع إيقاعاتها في زمان أو تباطأت في أزمان آخـر. لكأن الدوران هو الثابت فتدور العجلة في أرض معبدة سالكة توصلك لهدفك وأخرى حجارتها ناتئة تعطب عجلتك فلا تصل.
دعني أعيد إلى قصة تلك المنظمة الأممية المعطوبة. لك أن تستعيد مشاهد ما قبل سقوط عصبة الأمـم ، والتي قصد من إنشــائها تجنّب النزاعات والحـروب ، فإنّ جملة مبـادئها لم تتعـدَ الحفـاظ على الأمـن والاسـتقرار في أنحـاء العـالـم ، والسّـعي لانشـاء ما يعـزّز الـتعـاون لعيـشٍ مشـترك في مجــالاته الإجتماعـية والإقتصــادية والثقافية. تلك هي الثوابت التي يسـير على نسقها حراك التاريخ. خيبة عصبة الأمم تجلتْ في فشلها في حفمظ الأمـن والاستقرار الدوليين، خاصّة بعد انسحاب ألمانيا واليابان ، وتفاقـم المواجهات مع أوروبـا، ومن بعـد ما اتسـع في رقعـة الحرب تتمدّد ألسنة نيرانها شرقاً وغربا، شمالاً وجنوبا ، و لستة أعوام حسوما . .
(3)
ثمّ هـا نحـن الآن، وفي ســنوات العـقـد الثالـث من الألفـيـة الميــلادية، نشـهـد حال المنظمـة الأممـيـة بعد أن أضافت إلى اسمها صفة "المتحدة" فما اتحدت أطرافها ولا نجحت في معالجـة ذات المهام الأصيلة التي أخفـقـت في حلِّ معضلاتها العصية عصبة الأمـم القديمة، قبل نحو مائة عام . تتفاقـم الصّراعات هنا وهـناك ، والحـال غير الحال قبل مائة عام. برغم ثورة التقنيات وتطورها والتواصل الرّقمي وانفتاح حضارات العالـم على بعضها البعض ، تلاقحـا وانصهاراً، يقرّب الشعوب لتعـاون دولي أيجابي خلّاق، غير أن للحياة فوق الأرض تعقـيداتها وتحــدياتها . تتناقـص الموارد وتتناقض الاحتياجات ، وتتكاثر في ذات الوقت المطــامع وتتقاطع المصالح لتزيد نار الصراعات أوارا وتتفاقـم الخلافات ثم تقع الحروب وتتكاثر جولات الاقتتال بمتواليات هندسية، فـلا ترى لتلك المنظمة الأممية التي أصل منشأها أن تحقيق السلم والأمن وضمان الاسـتقرار في أنحاء المعمورة ، أدواراُ تذكر في تخفـيـف كلّ تلـك الاضطرابات والزعازع. .
(4)
نجيل البصر فنرى أنّ أوّلَ من استخفّ بميثاق هـيئـة الأمـم المتحــدة وتحلّـل من إلـزاميـة مقرراته ، دولٌ كبرى احتفظتْ لنفسها بعضوية دائمة في مجلس الأمـن، وهـوالآلـيــة الأعلـى لإنفـاذ القــرار الـدولي، مثلمـا احتكرتْ ولنفسها أيضاً ، حـقّ النقض والاعتراض على القرارات المصيرية التي تتخذها المنظمـة الأممـية حـيـال قضايا وتحـــديات لـها الأثر الأكبر على المجتمع الدولي بأكمـله، بل وعلى كافة جوانب مقوّمات البـقـاء الإنساني في كوكب الأرض . إن كان ذلك هو الحال فإنّ عدالة الأرض عند هؤلاء اقتسموها قسمة ضيزَى لا تصل إلى مستوى عـدالة السماء، بل صار البون بين العدالة والمظلومية أبعد من مسافة السماء من الأرض.
إن أمعنتَ النظر ملـيّـاً سترى من بين الدول العظمى دائمة العضوية، من تجاوز ميثاق الأمم المتحدة بمراحل، فاستقوى على القانون بيـديه اقتـدرا وظلما، فـما حفـظ لمجلس الأمن تقديرا ولا لمباديء عـدله احتراما . الأمثلة في العقود الأخيرة تبدأ من قيام دول كبرى بالتحـرّش والتهــديد، ثـمّ بشـنّ الحـرب بشتى المبررات الكذوبة على دول مستضعفة، عـقـابا وتأديبـا دون اعتبار لاستقلال أو ســيادة أو كرامـة . الأمثلة في الشرق الأوسط أبصرها الأعشى وسمع لظى نيرانها المسـتعرة الأصـم ، من العراق إلى سوريا إلى ليبيا وفي أوروبا يكفيك معمعة الروس مع أوكرانيا.
هكذا صار العالم فيما يتصل بميثاق الأمـم المتحـدة، مُنقـسماً إلـى فسـطاطيـن : فسـطاطَ من تُطبّق عليه القـوانيـن الدولية ضربة لازب، وفسـطاط َ مَـن أعفوا أنفسهم من إلـزاميتها، فاختلتْ موازين العدالة الدولية وتهـاوتْ، لتبـدأ حقبة هي أشـبه بالحقبـة التي ســـبقتْ ومهّـدتْ لتداعـي عصـبة الأمـم، فأكلَ منســأتها النّمـل، لكنهُ كان نمل الأقــوياء الكبار لا الضعـفاء المغلوبين في الأرض. .
(5)
هاهـو جحـيم الحروب يجتاح العـالم من أقصاه إلى أقصاه. تهُب الشعوب التي كادت أن تفنيها المظلوميات ، لتبحث عمّا يعيد إليها حقـها في الحياة. فلسـطينيـون فـقـدوا أرضهم وبيوتهم، وظلوا منتظرين استعادة وطن ضيّعهُ مجتمعٌ دوليّ عدالته معوجّة ظالمـة ، وعيونُ كـبار لا ترى إبادة جماعية تتفنّـن في تنفيذها ذئاب يهودية ، لا تتورّع عن قتل الأجنـة في بطون الأمهات ، ناهيك عن ملاحقة أجيالٍ من المقاومين يسعون لاستعادة تلك العدالة التي بقيت حلما بعيد المنال ، و كرامة في العيش حرموا منها لأكثر من سبعة عقود، فلا أمنـاً لقـوا ، ولا استقراراً نالوه، ولا أرضـاً آوتهــم. لكأنّ على الفلسطينيين أن يتحملوا تبعات ومعاناة الدياسـبورا اليهودية التي جاءت في العهد القديم .
إن فئة من اليهود تفارق من شــتاتها ، تأتي الآن لتعـدّ فيما نشـهد، مهرجانا للقتل الجماعي تنتـقـم عبره من التاريخ فتشعل اقـتـتالا شـرسـاً تتصاعد تداعـياته بما قــد يدخل العالم بجميـع أطرافه، في أجواء حربٍ عالمـيـة ثالثـة لا تبقي ولا تذر . سيكون التحدّي القادم ومن واقـع تجلـيـاته ، أكبر من قــدرات منظمة أمميـة شــائخة ، تترنح مقـومات قيّمها، وتتداعى مقرّرات مبادئها بغـدرٍ بعضه خِسّـة ومكـر من كِـبارهـا الذين كتبوا مواثيقها ذات يوم، فإذا هم يهينونها باستخفافٍ مُتعـمّد، لفشلها في نظرهم في تكريس انتقائية العدالة وترسيخ المظلوميات. لقد بات حـال هيئة الأمـم المتحدة أكثر بؤسـاُ من حال عصبة الأمـم التي لفظت انفاسها في ثلاثينات القرن العشرين ولم يبك عليها باكٍ .
ترى من سيبكي على منظمة أممـية أكل منسـأتها نملُ كبـارها. . ؟
القاهرة – 19 يناير 2024
jamalim@yahoo.com
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
ما نوع القنابل التي عرضتها المقاومة خلال تسليم جثث الأسرى الإسرائيليين؟
بثّت المقاومة الفلسطينية سلسلة من الرسائل خلال مراسم تسليم جثث الأسرى الإسرائيليين في خان يونس جنوب قطاع غزة، صباح اليوم الخميس، كان من بينها عرض قنبلتين في المنصة التي وُضعت عليها التوابيت.
وعرضت قنبلتان كُتب عليهما بالإنجليزية "قتلوا بقنابل الولايات المتحدة الأميركية". وقال تريفور بول خبير الذخائر السابق بالجيش الأميركي إن ما عرضته المقاومة يعود إلى قنابل لم تنفجر من طراز "جي بي يو-39" (GBU-39) الأميركية.
وأضاف بول -في إفادته لوكالة سند للتحقق الإخباري بشبكة الجزيرة- أن هذا النوع من القنابل يُصنع حصريا في الولايات المتحدة.
وتتوافق تصريحات الخبير مع تحقيقات سابقة نشرتها وسائل إعلام أميركية، منها "نيويورك تايمز" و"سي إن إن" والتي كشفت عن استخدام الجيش الإسرائيلي تلك القنابل خلال الغارة التي أسفرت عن استشهاد العشرات في رفح، فيما عُرف باسم "مجزرة الخيام" في مايو/أيار 2024.
كما كشف تحقيق سابق لوكالة سند عن استخدام إسرائيل نفس السلاح في استهداف مسجد مدرسة التابعين الذي كان يؤوي مئات النازحين في أغسطس/آب 2024، مما أدى إلى استشهاد 100 شخص وإصابة العشرات، وفقًا للدفاع المدني في غزة.
ووافقت الولايات المتحدة في وقت سابق الشهر الحالي على إعادة تزويد إسرائيل بشحنة جديدة من قنابل "جي بي يو-39" ضمن صفقة بلغت قيمتها 6.75 مليارات دولار، وفقا لتفاصيل الصفقة المنشورة على موقع وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأميركية، وهي الجهة الرسمية المسؤولة عن مبيعات الأسلحة الأميركية.
إعلانوتُعد "جي بي يو-39" واحدة من أخطر القنابل الذكية، إذ تتميز بكونها ذخيرة موجهة صغيرة الحجم (بوزن 110 كيلوغرامات) وهي قادرة على إصابة أهدافها بدقة فائقة، مع هامش خطأ لا يتجاوز مترا واحداً، حتى في أصعب الظروف الجوية، وذلك وفقا للمواصفات المذكورة على موقع القوات الجوية الأميركية.