الشيخ كمال الخطيب يكتب .. الرسول يهدّد ويتوعد فمن يعاند؟
تاريخ النشر: 26th, January 2024 GMT
الرسول يهدّد ويتوعد فمن يعاند؟
كتب .. #الشيخ_كمال_الخطيب
عن وقّاص بن ربيعة عن المستورد القرشي رضي الله عنه أنه حدّثه أن #النبي ﷺ قال: “من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من #جهنم، ومن كسي ثوبًا برجل #مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة”.
إنه الحديث الشريف به يحذّر النبي ﷺ من ثلاثة أفعال وممارسات مشينة وممقوتة إذا أتاها المسلم وفعلها ولم يستجب لنداء وتحذير الرسول ﷺ، فإنه #التهديد و #الوعيد من #عقوبة شديدة وعاقبة وخيمة ستنزل بصاحبها من الله جل جلاله يوم القيامة.
مقالات ذات صلة تسريبات حول صفقة تبادل أسرى جديدة / تفاصيل 2024/01/26فمن أكل بمسلم أكلة
فمن أكل برجل مسلم أو امرأة مسلمة أكلة بأن نال من ذلك المسلم بغيبته أو الطعن بعرضه، أو أذاه أو أفشى له سرًا عند عدوه ومن يبغضه ومن يرغب بالنيل منه ومكافأة له على ذلك، فإن ذلك العدو المبغض قد أطعمه طعامًا أو أعطاه مالًا، يكون جزاؤه يوم القيامة من جنس العمل “فإن الله يطعمه مثلها في جهنم”. لكن طعام جهنم ليس كطعام الدنيا، إنه الطعام الذي وصفه الله في آيات كثيرة يجب أن تستوقف كل عاقل، قال الله تعالى في وصف طعام أهل النار: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ*لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ} آية 6+7 سورة الغاشية، والضريع هي شجرة ذات شوك يابس ليس لها ورق ولا تقربها دابة ولا ترعاها البهائم. وطعام آخر قال عنه سبحانه: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ*طَعَامُ الْأَثِيمِ} آية 43-44 سورة الدخان، والزقوم شجرة خلقت من النار وغُذّت منها، قال ﷺ: “لو أن قطرة قطرت من الزقوم في الأرض لأمرّت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن هو طعامه وليس له طعام غيره”. وطعام آخر هو الشوب {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ} آية 67 سورة الصافات، فإذا أكلوا الزقوم شديد المرارة فأرادوا أن يشربوا ماء ليذهب مرارته، شربوا من الحميم وهو الماء شديد الحرارة، فأصبح خليط الزقوم والحميم يسمى شوبًا.
وطعام آخر قال عنه سبحانه: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ*وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ*لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} آية 36-37 سورة الحاقة، والغسلين هو صديد أهل النار وقد ارتفعت حرارته فأصبح {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ*كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } آية 45-46 سورة الدخان. فإذا كان ذلك الذي لم يستجب لتحذير وتهديد ووعيد رسول الله ﷺ وقبل أن يأكل بمسلم أكلة فدعي إلى مطعم من ذلك العدو الذي باع له أخاه وهناك عرض عليه لائحة أصناف الطعام (menu) ليختار منها ما لذّ وطاب، فإن عليه أن يتذكر أن عقوبة ذلك ستكون أن يُسحب على وجهه إلى النار وهناك سيجد لائحة طعام أهل النار (menu) التي تتضمن الزقوم والضريع والغسلين والشوب والصديد والطعام ذا الغُصّة {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا*وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} آية 12-13 سورة المزمل.
وفي مقابل ذلك فإن المسلم الذي لا يقبل ويرفض أن ينال من مسلم عند عدو ومبغض ولو كان بذلك سيخسر مالًا بل ولعله سيؤذى، فإن جزاءه عند الله ما قاله رسول الله ﷺ: “من ردّ عن عرض أخيه ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة”. فما قيمة الطعام والمال والمنصب والجاه يحصّله أحدهم ممن يرغب من النيل من عرض أو كرامة أو حرمة أو دم أخيه المسلم مقابل دنيا فانية وعقوبة في نار جهنم دائمة.
ومن كُسِيَ بمسلم كسوة
واما الفعل الثاني المشين والممقوت الذي حذر النبي ﷺ المسلم من أن يفعله وإلا فإنه التهديد والوعيد لمن فعله وارتكبه: “ومن كُسِيَ ثوبًا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم” فمن طعن بأخيه أو أفشى سرّه أو نال من عرضه عند من يسعى للنيل منه فكافأه على ذلك بقميص أو لباس أو بدلة أو حذاء جميل وثمين أو أي جائزة مقابل فعلته تلك، فإن جزاءه سيكون من جنس عمله، إنه سيُكسى كسوة ويلبس ثوبًا من جهنم يوم القيامة “فإن الله يكسوه مثله من جهنم”. ولكن إذا كانت ماركة القميص أو الحذاء من أشهر الماركات العالمية، فإن ماركة ثياب جهنم مما قال الله في وصفها: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} آية 19 سورة الحج، إنها ثياب مصنوعة من النحاس المذاب يصب صبًا يتلبس أجسادهم، حتى أن إبراهيم اليمني كان إذا قرأ هذه الآية قال: “سبحان من قطع من النار ثيابًا”. وقوله سبحانه في وصف لباس أهل النار: {وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد*سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار} آية 48-49 سورة إبراهيم، إن سرابيلهم، أي قمصانهم من القطران الذي تطلى به جلود الإبل المصابة بالجرب لأجل علاجها من شدة حرارته على الجلد، وهو أسود شديد الاشتعال وهو المعروف بالعامية “الزفت”.
وأما من رفض ذلك العرض وذلك الإغراء ولم ينل من عرض أخيه ولا سمعته ولم يفشِ له سرًا عند عدو مبغض، فإن جزاءه كما قال ﷺ: “من حمى مؤمنًا من منافق بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم”.
سيفضحه الله يوم القيامة
وثالث هذه الأفعال والممارسات المشينة والمقيتة التي هدّد النبي ﷺ وتوعد فاعليها إن لم يستجيبوا للتحذير والنصح بعدم فعلها والإقلاع عنها، فهي قوله ﷺ: “ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة”. إنه ذاك الذي يظهر شخصًا بغير ما فيه، يظهره ويصفه ويمدحه ويتملقه بأوصاف الصلاح والتقوى والعلم والفضل وهو ليس كذلك، من أجل أن ينال بما قاله المال رغم أن كل ما قال فيه كان سمعه ورياء، فإنه يوم القيامة سيجازى من نفس جنس فعله كما قال ﷺ:” فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة، فيأمر الله ملائكة من ملائكته فيُفعل به ومعه بنفس ما فعل ويظهر على رؤوس الأشهاد أنه كذاب أشر”. فمن يقوم بين يدي أهل المال من أجل مالهم وأهل الجاه من أجل جاههم رياء وكذبًا فإن الله سيفضحه يوم القيامة.
تموت الحرة ولا تأكل بثدييها
ما أكثرهم أولئك الذين ملأوا جيوبهم وأرصدتهم وملأوا كروشهم وبطونهم، بل إنهم الذين صُبّت عليهم الأموال صبًا من جهات وجمعيات ودول وحكومات مقابل أنهم الذين نالوا من مسلمين ومن شرفاء وصادقين فأساؤوا إليهم وأفشوا أسرارهم.
ما أكثرهم الذين نالوا مراتب وحازوا مواقع وتبوأوا مناصب وأصبحوا يشار إليهم بالبنان بسبب مواقفهم وسياساتهم وآرائهم التي ضربوا فيها عرض الحائط مصالح أمتهم وثوابتها . ما أكثرهم الذين صُنعوا في مكاتب مخابرات الدول والأنظمة صناعة دقيقة سخرت ماكينة الإعلام لتلميعهم ثم تم تسويقهم أنهم الأبطال والمفكرون والسياسيون والواقعيون، وأنهم الذين يسعون لتحقيق مصالح شعوبهم.
وإذا كانت العرب قد قالت: “تموت الحرة ولا تأكل بثدييها” أي أن الشريفة العفيفة بنت الأصل إذا جار عليها الزمان وأصبحت فقيرة ومحتاجة، إنها تفضل الموت جوعًا على أن تبيع شرفها أو أن تتاجر بعرضها وعفّتها مقابل مال تشتري به طعامًا، إنها تفضل الجوع على العار.
ما أكثرهم الذين احترفوا الزنا السياسي وامتهنوا الدعارة السياسية في حياتهم، وكلّ مرة يطرحون الطروحات ويقفون المواقف التي تتلاءم مع من يدفع الثمن أكثر. ومع الأسف إن من هؤلاء ليسوا فقط سياسيين بل إنهم علماء ومشايخ ودعاة رقصوا على أكثر من حبل وهتفوا لأكثر من سيد. وإذا كانت تلك تبيع عرضها من أجل المال، فإن هؤلاء باعوا دينهم من أجل المال، وإذا بهم قد أكلوا أكلة ولبسوا لبسة قد ألقاها إليهم طاغية وظالم وعدو مقابل أن أساؤوا وتطاولوا وظلموا ونالوا من إخوة لهم، فإن الله سيطعمهم مثلها في جهنم وسيكسوهم مثلها في جهنم.
ولأن بوصلة هؤلاء قد انحرفت، ولأن هويتهم قد تشوهت فإنهم يظنون أنهم بأكلة أو كسوة بها باعوا وفرّطوا في إخوة لهم، أن هذا من أسباب سعادتهم، فإنها في الحقيقة من أسباب شقائهم في الدنيا والآخرة، كما قال الشاعر:
قالوا السعادة في الغنى فأخو الثراء هو السعيد
قالوا السعادة في النفوذ وسلطة الجاه العتيد
قالوا السعادة في السكون وفي الخمول وفي الخمود
قل للذي يبغي السعادة هل علمت من السعيد
إن السعادة أن تعيش لفكرة الحق التليد
لعقيدة كبرى تحل قضية الكون العتيد
للناس أرباب ولكن ربّه ربّ وحيد
لا ينحني إلا له عند الركوع أو السجود
لا يلتوي كالأفعوان ولا يطأطئ كالعبيد
وإذا أريد على الدنية قال: لا أريد
ومن جلس بالإسلام جلسة
وإذا كان النبي ﷺ قد هدّد وتوعّد من باع وفرّط بأخيه المسلم من أجل أكلة أو من أجل كسوة لينال بذلك حظوة عند حاسد أو حاقد أو عدو متربص، فكيف بمن باعوا وفرّطوا وليس بشخص، بل إنهم باعوا شعبًا بأكمله، باعوا غزة بأطفالها ونسائها وشيوخها، باعوا غزة بمساجدها ومدارسها ومشافيها ومقابرها؟ فكيف بمن باعوا القدس وباعوا الأقصى والصخرة وباعوا الحرم والمسرى، باعوا شقيق المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ؟ كيف بقادة وزعماء ورؤساء وملوك وأمراء؟ كيف برئيس فلسطين ينخرس بل وفي داخله كان يتمنى سرعة سقوط غزة من أجل أن يتربع على كرسي رئاسة لا يستحقها، ومن أجل أموال تهبه إياها الدول الغربية وتهبه إياها حكومة إسرائيل التي قتلت أطفال شعبه ونساء شعبه، وهو ما يزال يقوم بمهمته وتقديم الخدمات لمن يحتل أرضه ويقتل شعبه.
وكيف برئيس مصري خنق مليونين من العرب والمسلمين لهم عليه حق الجيرة وحق العروبة وحق الإسلام ولم يقم بالحد الأدنى من واجبه الإنساني لإطعامهم ولا لإشفائهم وعلاجهم، وكل ذلك من أجل هبات وعدته بها أمريكا وإسرائيل لضمان بقائه على كرسي الحكم في مصر التي انقلب فيها على رئيس شرعي هو الشهيد محمد مرسي كرمال عيون إسرائيل وأمريكا؟
وكيف بزعماء عرب ومسلمين من أبطال مشاريع التطبيع الذين انخرسوا وصمتوا عما يجري في المسجد الأقصى المبارك من انتهاكات وتدنيس وتهديد خطير بهدمه وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه وهم الذين سبق وأعلنوا وفق اتفاقية أبراهام التي وقّعوها أن من حق كل من هو من سلالة إبراهيم من غير المسلمين، أي اليهود والنصارى، الصلاة في المسجد الأقصى، وهم يعلمون أن النصارى لا يطالبون بذلك وإنما كانت تلك العبارات لتبرير حق مزعوم لليهود في المسجد الأقصى.
ما أكثرهم الذين أكلوا بشعوبهم أكلة ولبسوا بالإسلام لبسة فكان جزاؤهم على حرب شعوبهم وحرب الإسلام كراسي وعروش يجلسون عليها أوصلها إليهم أعداء الإسلام، وهم من يقومون على حمايتهم وتثبيت أركان حكمهم. فليس أن هؤلاء سيفضحهم الله في الدنيا ويخزيهم ويهدد ويهدّ عروشهم، وهو آت في ربيع إسلامي قادم وقريب إن شاء الله تعالى.
وإنما هم الذين سيكون جزاؤهم يوم القيامة من جنس عملهم حيث ستكون مجالسهم ومواقعهم ومساكنهم ليست إلا كما قال الله سبحانه: {إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} آية 145 سورة النساء. وما قاله رسوله ﷺ: “وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة”، في إشارة إلى تضخم جسم الكافر والمنافق “ومن أكل بمسلم أكلة أو أجلسه جلسة”. وكلما كان الجسم ضخمًا كان العذاب أكثر إيلامًا.
ما أشقاهم أولئك الذين يتهددهم ويتوعدهم رسول الله ﷺ، ويظلّون في غيّهم سادرين.
ما أشقاهم الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم. ما أتعسهم الذين سيكون خصمهم يوم القيامة ليس إلا رسول الله ﷺ {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} آية 42 سورة النساء.
ارفع رأسك فأنت مسلم.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا .
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: الشيخ كمال الخطيب النبي جهنم مسلم التهديد عقوبة یوم القیامة رسول الله ﷺ أهل النار فإن الله النبی ﷺ کما قال من جهنم من أکل من أجل طعام ا ما قال
إقرأ أيضاً:
فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
يقع فـي بعض الأوقات الخاصة بأعياد الكفار نهاية العام، ما تُسمى بـ«الجمعة السوداء»، ويكون فـي هذه المواسم هناك تخفـيض على أسعار السلع، فهل يجوز للمسلم أن يشتري هذه السلع فـي هذه الفترة على اعتبار تخفـيضها بهذه المناسبة، علمًا أن التخفـيضات قد تصل إلى 70%؟
الشراء لا مانع منه، وإنما الذي يُؤسَف له هو التقليد وانتشار مثل هذه العادة، وبالمناسبة، هي ليست عادة دينية، هذه تأتي، وقد شهدتها فـي البلدان الأوروبية، مع أنها لم تكن موجودة فـي البلاد الأوروبية، بل كانت فـي أمريكا فـي بداياتها، وأظن أنها ابتدأت فـي القرن السادس عشر أو السابع عشر بعد يوم الشكر أو عيد الشكر، حيث يتهيأون لأعياد الميلاد، فهم يقومون بشراء السلع التي يحتاجون إليها، فبدأت بعض المحلات فـي تقديم هذه التخفـيضات.
وعيد الشكر يكون يوم خميس، ولهم طريقة فـي حسابه، فالجمعة التي تلي ذلك الخميس تكون موسما للتخفـيضات، ابتدأت هكذا من أجل الاستعداد لأعياد الميلاد، ثم بدأ انتشارها فـي البلاد الأوروبية، لكنها، كما تقدم، ليست من حيث الأصل تستند إلى أصل كنسي أو ديني، وإنما كانت من فعل الناس، ومن عادات الناس، من أجل التهيؤ لشراء السلع والبضائع التي يحتاجون إليها، فبدأت بعض المحلات، التي كانت سلعها كاسدة، فـي تقديم هذه التخفـيضات، فأقبل الناس عليها، فرأوا أنها تجارة رابحة، فأخذوا هذا اليوم وأطلقوا عليه هذا الاسم؛ لأنه حصل تكدس وتزاحم للناس فـي البدايات، وحدثت حوادث وإصابات، فلذلك سُمِّيَت «الجمعة السوداء».
ولكن بعد ذلك نُظِّمت وجُعِلَت موسمًا للتخفـيضات، ثم بدأت تغزو العالم، ووصلت إلى البلاد الإسلامية شرقها وغربها، فالقضية ليست فـي الشراء فـي موسم التخفـيضات، وإنما فـي التقليد، كان يمكن للمحلات والشركات أن تجعل مثل هذه المناسبة فـي غير الوقت الذي يتزامن مع توقيتهم، للمحافظة على الهوية والاستقلال، والبعد عن التقليد، وقد يكون ذلك لأسباب تجارية وترويجية يبتغيها أولئك فـيما شرعوه لأنفسهم، والله تعالى أعلم.
طفل دهسته سيارتان: دهسته الأولى، ثم أتت الثانية، ففـي هذه الحالة، الكفارة فـي الصوم هل تلزم الأولى أم الثانية أم يشتركان فـي قضاء الكفارة؟
الكفارة تكون على من تسبب فـي القتل الخطأ، فإن كان لما دهسته السيارة الأولى حيًا، فدهسته السيارة الثانية فقضت عليه، فإن الكفارة تلزم صاحب السيارة الثانية، هذا يعني أنه قتل خطأ، على تقديري أنه قتل خطأ، يعني ليس أحد منهما متعمدًا لقتل نفس الطفل وإنما حادث، فدهسته السيارة الأولى، ثم الثانية، إن لم يعلم أن الأولى هي التي قضت عليه، فإن الكفارة على الثانية، وهذا هو الأصل، أن من دهس متأخرًا هو الذي تسبب فـي القتل الخطأ، وإلا إذا علم يقينًا أن وفاته كانت بعد دهسه من السيارة الأولى وقبل أن تدهسه السيارة الثانية، والله تعالى أعلم.
ما قولكم فـي هذا الدعاء: «اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فـيه»؟ هل هو ثابت؟ وما تفسيره؟
نعم، فـي ثبوته نظر كبير، وهو يروى جزءًا مما يروى فـي حادثة عودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف، على إثر ما استقبله به أهل الطائف من إيذاء، وما أصابه عليه الصلاة والسلام فـي نفسه من إيذاء، وفـي بدنه من جراحات، ومن تنقصهم منه عليه الصلاة والسلام، فذكر هذا الدعاء، «اللهم إني أسألك، لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فـيه»، إلى آخره، ليست كل ألفاظ هذا المروي صحيحة ثابتة، بعضها صحيح، وبعضها مثل هذه المقدمة غير صحيحة، ثم إنها من حيث المعنى أيضًا لا تستقيم وفقًا للدعاء فـي الإسلام.
وإن المسلم مأمور أن يدعو الله تبارك وتعالى أن يدفع عنه مقادير السوء، وأن يستعيذ بالله تبارك وتعالى من السخط، وأن يستعين بكل أقدار السوء، والضر والمكاره التي يمكن أن تصيبه، ثبت ذلك فـي جملة أحاديث صحيحة عنه عليه الصلاة والسلام فـي روايات متعددة، وبطرق مختلفة، أنه كان يدعو عليه الصلاة والسلام بأن يجنب أصلا أن يصيبه سوء أو مكروه، وكان يستعيذ من السوء، يستعيذ من السقم والمرض، ويستعيذ من الشر، فلا يقال بأنه لا يجوز للمسلم أن يسأل ربه تبارك وتعالى أن يرد عنه قضاء السوء أو مقادير السوء، بل ذلك مشروع له أن يلجأ إلى الله تبارك وتعالى، مستعصمًا به، طالبًا منه أن يدفع عنه مقادير السوء والضر التي يمكن أن تلحقه.
وهذا لا يستقيم مع معنى «أنني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فـيه»، لا، لا معنى له فـي هذه الحالة، لأن المسلم مشروع له أن يسأل أن يرد عنه قضاء السوء، وأن يجنبه الله تبارك وتعالى قضاء السوء، وأن يلطف الله تبارك وتعالى به ابتداء، لا فـي السوء الذي يمكن أن يصيبه، ولكن يسأل إن أصابته ضراء أن يصبره الله تبارك وتعالى، وأن يثبته، وأن يلطف به، وأن يكون الله معه برحمتِه.
لكن أن يكون ابتداء سؤاله «أنني لا أسألك رد القضاء»، فهذا مخالف لما ثبت كما تقدم فـي روايات كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام، مما علمنا إياه من أذكار واستعاذات فـيها دعاء صريح، أو فـيها أدعية صريحة برد أقضية الشر والسوء، ومقادير المكاره، والله تعالى أعلم.
ما رأيكم فـي من يقيم الصلاة دون إذن الإمام، ودون إذن الذي رفع الأذان؟
هذا وقع فـي مخالفتين لهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الأولى أنه أقام، وهو ليس المؤذن، إذ يقيم الصلاة المؤذن الذي رفع النداء، هذا الذي دلت عليه السنة، وجرى عليه العمل فـي وقت النبي عليه الصلاة والسلام، وعند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم جرى عليه عمل المسلمين، إلا لسبب، إما لسبب يمنع المؤذن من الإقامة، فالأصل أن يقيم المؤذن، وهذا تعدٍ، الذي أقام دون إذن، ودون سبب، يكون قد تعدى، ثم إنه أقام كما ذكر السائل دون إذن الإمام، والإمام مؤتمن على الصلاة، والمؤذن أمين على الوقت، والإمام أمين على الصلاة، فالإمام هو الذي يَأذن، أو يأمر بإقامة الصلاة، إما أن يكون ذلك نصًا، بأن يأمر المقيم بالإقامة، أو أن يكون ذلك مما تعارف عليه، كالمواقيت اليوم، الساعات أو المؤقتات الموجودة فـي المساجد، فعند حلول الوقت، فإن ذلك يعني وقت إقامة صلاة الجماعة، فكأنه إذن من الإمام أو بما يعني يتعارفان عليه، فأما أن يقيم على غير هذه الهيئة فهذا خلاف للسنة فـي الإقامة.
ولكن هذا لا يؤدي إلى نقض الصلاة، وإنما هذا الذي فعل ذلك، كما قلت، تعدى على غير حقه، وتعدى على أهل هذه السنة، وهم المؤذنون الذين هم فـي هذه الحالة يقيمون، فلا ينبغي له ذلك، وإن كان هناك شيء فـي النفوس فـينبغي إصلاح ما فـي النفوس، وإن كان هناك أيضًا سبب يدعو، فلابد من البيان، إذا كان هناك سبب يدعو هذا الإنسان للإقامة دون المؤذن نفسه، فعليه أن يبين، إذا كان يرى أن المؤذن لا يحسن الإقامة، فعليه أن يعلمه الآذان والإقامة، إلى آخر ما يمكن أن يكون من سبب يتلافى هذا السبب، لتعود الأمور إلى أصل هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصل السنة فـيها، والله تعالى أعلم.
أسأل عن كلمة، فألقوه فـي سورة يوسف: «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ»، وهذا المقام مقام أبوي، فلماذا ذكرت هذه الكلمة؟ ولم تذكر كلمة فـيها شيء من التلطف لمقام الأب؟
فـي قول الله تبارك وتعالى: «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي»، هو يستشكل كلمة «ألقوه على وجه أبي»، يعني يظن أن هذه الكلمة ليس فـيها تلطف، هي كلمة، يعني الإلقاء فـيها معنى النبذ والطرح والرمي من حيث أصل وضعها اللغوي، لكنها تأتي فـي كتاب الله عز وجل على معان متعددة، ولن نخوض فـي هذه المعاني، فقد وصلها بعضهم إلى عشرة معانٍ، ففـي الوجوه والنظائر وصلها إلى عشرة معانٍ تأتي عليها مادة الإلقاء فـي القرآن الكريم، منها هذا الموضع، قال: إنه بمعنى «ضعوه على وجه أبي».
هذه الصيغة، وهذا التركيب، فعل الإلقاء المعدود بعلى لا يرد فـي القرآن الكريم فـي معنى يتنافى مع التلطف، بل فـي الحقيقة ورد فـي غاية التلطف والترحم، وذلك فـي قول الله تبارك وتعالى: «وألقيت عليك محبة مني» فـي خطاب الله عز وجل لموسى عليه السلام، قال: «وألقيت عليك محبة مني»، فلا يقاس الفعل مجردًا على هذا الفعل الذي عُدي بعلى، وهذه المقدمة لفهم المعاني التي تأتي عليها الكلمات أو المفردات فـي كتاب الله عز وجل كانت لابد منها، لكن لو نظرنا فـيما تحققه هذه الصيغة، لتبين لنا أمرا عجبا، بحيث إنه لا يمكن أن تقوم كلمة أخرى مقام هذه الصيغة المستعملة فـي هذه الآية الكريمة، وهو أمر يسير فهمه.
قال: «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي»، كل واحد منا يفهم أن هذا الإلقاء سيأتي من قبل الوجه، لأن الإلقاء هنا واللقاء دائمًا تكون فـيه المواجهة، هذا الأمر الأول، فهو لن يكون من شيء من الجوانب، وبالقطع، لن يكون من الخلف، لابد أن يكون من الأمام فـيه معنى المواجهة، فـيه معنى الإسراع، معنى الإلقاء فـيه معنى الإسراع، أي لا تبطئوا فـيه، فـيه عنصر المفاجأة، لستم بحاجة إلى مقدمات، ألقوه على وجه أبي، فـيه أنكم لستم بحاجة إلى تكرار، هي المرة الواحدة كافـية.
هذه المعاني كلها نأخذها بسهولة ويسر من هذه الصيغة: «ألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا»، ولذلك فالنتيجة فورية، إذن، وفـي بحث فـي المعنى الاشتقاقي لهذه الصيغة، ذكر أن المعنى المشترك فـيها هو معنى اللقاء الذي يكون على مواجهة وبقوة، ولا حاجة فـيه إلى تكرار، فهذه المعاني حاصلة فـي هذا التركيب: «ألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا»، لستم بحاجة إلى مقدمات، بادروا إلى الإلقاء، ويكون ذلك على جهة المواجهة، يعني لابد منه، ولذلك قال: «على وجه أبي» لتحصل النتيجة فورًا، «يأت بصيرًا».
فهذا هو المعنى، ولهذا استعمل القرآن الكريم هذه الصيغة «ألقوه على»، الذي يتبادر إلى الذهن فـي سؤال السائل إنما هو من المعنى الجذري للكلمة، وهو معنى الرمي والطرح، لكن، حتى فـي المعنى الجذري للكلمة، ليست دائمة بمعنى اللقاء، الشيء المرمي المطروح، وإنما يمكن أن يكون بمعنى «لقي»، واللقي فـيها معنى التلقي أيضًا، فـيها معنى المواجهة بالاستقبال من الطرف المقابل، من الطرف الآخر، فهذه المعاني هي التي أريدت.
ولذلك أيضًا ذكر المفسرون أن هذه المفردة تأتي بمعان كثيرة فـي كتاب الله عز وجل واستعملت فـي سياقات متعددة، فـي سياقات الترغيب، وفـي سياقات الترهيب، فـي سياقات الترغيب مثلًا: «وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا»، فهذه المعاني كلها تدور حول نفس الجذر الاشتقاقي، لكن المعنى المقصود هنا هو ما اشتملت على المعاني المتقدم ذكرها، والله تعالى أعلم.