المعادلة العقلية في الصراع السياسي
تاريخ النشر: 25th, January 2024 GMT
زين العابدين صالح عبد الرحمن
السؤال الذي يطرح بعد كل ثورة و انتفاضة في السودان لماذا تخسر القوى السياسية معركة الديمقراطية في سنينها الأولى من التغيير؟
أن محاولة البحث عن الإجابة على السؤال تتطلب مواجهة الحقيقة، حقيقة الذات و رغائبها، حقيقة المعرفة و كيفية توظيفها من أجل الوصول على إجابات مقنعة، حقيقة الموقف من الأخر، حقيقة الأهداف المطلوب تحققها في الواقع، حقيقة أن التحول الديمقراطي يجب أن يؤسس على التسوية السياسية، حقيقة أن التسوية تعني القبول بمبدأ التنازلات المتبادلة، و أخيرا يجب الرد على العديد من التساؤلات التي تكون مطروحة و بوضوح، و بعيدا عن البحث عن شماعات تعلق عليها الأخطاء.
أن طول النظم الشمولية في أي دولة، يعمل على تجريف مساحة الحرية، و يضعف الممارسة الديمقراطية، الأمر الذي ينعكس سلبا على المؤسسات الحزبية و يضعفها، فالديمقراطية تؤسس على الحرية و صراع الأفكار و الأراء من خلال الحوارات المفتوحة، و التي تتواصل مع الحراك داخل المؤسسات الحزبية و الأكاديمية و البحثية و منظمات المجتمع المدني، بهدف ضبط المفاهيم لكي تخلق أرضية مشتركة للثقافة المطلوبة لعملية التغيير. لكن التجارب التاريخية أثبتت أن النخب السياسية السودانية لا تلتفت لهذه القضايا، لأنهم جميعا يعتقدون أن قوة السلطان وحدها هي التي تستطيع أن تحدث التغيير، مما يؤكد أن النخب تريد أن تحدث التغيير بذات الثقافة و الإرث السياسي ما قبل الثورة و الانتفاضة.
في ظل شعارات الديمقراطية المرفوعة في سماء السياسة؛ يحاول البعض أن يفرضوا على المرء آرائهم إعتقادا أن الآخرين ليس أمامهم خيار غير الإذعان و الرضوخ لمبدأ الأستاذية الذي يتعاملون به. و آخرون يهددون بالتدخل الدولي استنكارا لرفض البعض الرضوخ. إذا لم تفعلوا كذا و كذا أن المجتمع الدولي سوف يفرض قرار التدخل، أو أن مجلس الأمن سوف يفرض التدخل العسكري امتثالا للبند السابع. و يتجاهلون أن المنظمات الدولية نفسها رغم أن القوانين و الاتفاقات الدولية تحكمها، إلا أن قراراتها تحركها مصالح الدول داخل هذه المؤسسات. و من الصعوبة بمكان أن يتخذ مجلس الأمن الدولي قرارا بالتدخل في أي دولة بعيدا عن صراع المصالح الإستراتيجية الدائر بين الدول..
في ظل هذا الركود العقلي و الثقافي السياسي؛ أتذكر قول سلامة موسى في كتابه "ما هي النهضة" يقول ( كل تحرك اجتماعي يحتاج إلي تحرك ثقافي و ليس هناك غير الأمم الزراعية التي تستطيع أن تعيش على ثقافة راكدة لا تتحرك و لا تتباين و لا تتنوع لآن المجتمع المتحرك يحتاج إلي ثقافة متحركة متباينة و متنوعة.. و من هنا تكون ضرورة الانقلاب الثقافي لإيجاد انقلاب في الحضارة) أن التحرك الذي يشير إليه سلامة موسى يحتاج إلي عقل نقدي يواجه الحقائق، و يتعامل معها بذهن مفتوح، و لا يحاول تغيبها بتبريرات واهية. أن العقل السياسي السوداني بمختلف تياراته الفكرية هو عقل تبريري، التبرير لا يجعل صاحبه يتعرف على سباب الأخطاء التي تسببت في الفشل. لذلك يتراكم الفشل في السودان منذ عشرات السنين. و ربما يرجع ذلك لتراكم الثقافة الشمولية، و أيضا ثقافة "الحوار و الشيخ " المهاجرة من حقل الصوفية إلي الساحة السياسية، هي التي تسببت في تعطيل العقل السياسي السوداني. أن حالة الركود تفقد المرء الجسارة التي يستطيع أن يقدم فيها أراءه بقوة دون خوف أن يرميه الأخرين بصفات الانحرافية و التخازلية و الكوزنة و غيرها من المحبطات و الفزاعات التي تستخدم للحد من تقديم الأفكار و الآراء.
أن العقل السياسي السوداني و حتى المثقفين أمام تحدي: هل هم قادرين أن يقدموا أفكارا تساعد على الخروج من الأزمة، و فتح حوارات فكرية و سياسية بهدف خلق أرضية للثقة ثم الوصول منها إلي توافق وطني؟ و نسأل الله حسن البصير..
zainsalih@hotmail.com
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
جدلية التغيير ومقاومة البنى العميقة
حين ينهار نظام استبدادي، يتولد شعور عام بأن كل شيء سيتغير بين عشية وضحاها. يتوقع الناس تحسنًا فوريًا في الاقتصاد، والأمن، والخدمات، وكأن المشكلة كانت في رأس السلطة فقط، وليس في منظومة متجذرة تشكلت عبر عقود. هذه الحالة تجعل القوى الثورية أمام معضلة خطيرة: كيف تدير عملية التغيير دون أن تستنزفها الجماهير بتوقعات غير واقعية؟
الأنثروبولوجيا السياسية للثورات.. لماذا لا يتغير كل شيء فورًا؟
تشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى أن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة تغير المجتمعات التي حكمتها. فالدولة ليست مجرد حكومة، بل هي نسيج من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث تشكلت عبر الزمن أعراف وسلوكيات يصعب استئصالها بسرعة. الأنظمة الاستبدادية تخلق مؤسسات تبدو وكأنها تخدم الناس، لكنها في الحقيقة تؤسس لاستدامة القمع، بحيث يصبح التغيير الجذري أكثر تعقيدًا من مجرد الإطاحة بالحاكم.
في السودان، بعد سقوط عمر البشير، كان المشهد نموذجًا حيًا لهذا التحدي. خرجت الجماهير محتفلة بالنصر، لكنها بعد أسابيع قليلة بدأت تطالب الحكومة الانتقالية بتحقيق إنجازات اقتصادية وأمنية فورية، رغم أن الدولة كانت تعاني من انهيار مالي ومؤسسات مترهلة. هنا لعبت الثورة المضادة دورها، حيث عملت أجهزة الدولة العميقة، بما في ذلك بعض القوى العسكرية، على عرقلة عملية الانتقال، حتى أصبح الشارع نفسه يردد شعارات تتهم الثورة بالفشل، مما مهد الطريق لانقلاب عسكري أعاد السلطة إلى أيدي القوى التقليدية.
سيكولوجية الجماهير.. من الصبر على الاستبداد إلى استعجال الثورة
في علم النفس الاجتماعي، يُعرف "التنافر المعرفي" بأنه حالة من الصراع الداخلي تحدث عندما يواجه الإنسان واقعًا يتناقض مع توقعاته. فالجماهير التي صبرت على الفساد لعقود، تتوقع أن تُحل كل المشاكل فورًا بعد سقوط النظام، وعندما لا يتحقق ذلك، تنتقل سريعًا من التأييد إلى الرفض، مما يسهل على الثورة المضادة اختراقها.
لبنان مثال آخر على ذلك. حين اندلعت ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، امتلأت الساحات بالمحتجين المطالبين بإنهاء الفساد وإسقاط الطبقة السياسية. لكن مع مرور الوقت، بدأت المطالب تتشتت، وتحولت الحركة الاحتجاجية من قوة ضغط إلى حالة من الإحباط الجماعي. لعبت الأحزاب التقليدية على هذا الوتر، وبدلًا من أن تقدم حلولًا، دفعت نحو ترسيخ الفوضى الاقتصادية، حتى باتت الجماهير نفسها تطالب بالاستقرار بأي ثمن، ولو على حساب التغيير.
التاريخ يعيد نفسه.. كيف تُستنزف الثورات؟
ما يحدث في كل ثورة هو نمط متكرر، يمكن تلخيصه في ثلاث مراحل:
1 ـ التوقعات غير الواقعية: الجمهور ينتظر تحولات سريعة دون إدراك تعقيدات المشهد.
2 ـ المطالب التصعيدية: مع كل إنجاز يتحقق، تتزايد المطالب حتى تصبح غير قابلة للتنفيذ.
3 ـ استغلال النظام القديم للفوضى: عبر تأجيج الأزمات الاقتصادية والأمنية، ليجعل الجماهير نفسها تطالب بعودة "الاستقرار".
في الجزائر، بعد الحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، دخلت البلاد في مرحلة انتقالية معقدة. حاولت القوى العسكرية تقديم وعود بالإصلاح، لكن دون تفكيك فعلي لمنظومة الحكم السابقة. ومع تصاعد الإحباط الشعبي، بدأ الخطاب الرسمي يروج لفكرة أن الثورة لم تحقق شيئًا، وأن الحل الوحيد هو العودة إلى "حكم مستقر"، مما أدى إلى استنزاف الحركة الاحتجاجية تدريجيًا.
التغيير الحقيقي لا يتحقق بإسقاط الحكومات فقط، بل بترسيخ وعي جديد داخل المجتمع. الثورات التي تفشل هي تلك التي لم تستطع فصل نفسها عن الحالة العاطفية للجماهير، بينما تنجح الحركات الإصلاحية التي تدرك أن المعركة ليست في سرعة الإنجاز، بل في استدامة التحول. إذا لم يتغير وعي الشعوب، فستعود الأنظمة القديمة بأسماء جديدة، وستجد الجماهير نفسها تعيد إنتاج الطغيان الذي ثارت عليه، لأن المشكلة لم تكن في الحاكم وحده، بل في الثقافة السياسية التي سمحت له بالبقاء.ما الحل؟ نحو استراتيجية للتحصين ضد الثورة المضادة
إذا كانت الثورة المضادة تستغل الجماهير، فإن الحل يبدأ من الجماهير نفسها. يمكن تحقيق ذلك من خلال:
1 ـ إدارة التوقعات الشعبية
مصارحة الناس بأن التغيير التدريجي أكثر استدامة من التحولات الفورية.
تعزيز الوعي بأن بناء الدول يحتاج إلى سنوات، وليس مجرد قرارات سريعة.
2 ـ تفكيك الدولة العميقة بشكل مرحلي
تجنب الصدام المباشر مع المؤسسات القائمة، والعمل على اختراقها وإصلاحها من الداخل.
بناء بدائل تدريجية، حتى لا يكون إسقاط النظام مرتبطًا بفراغ إداري وأمني.
3 ـ حماية القيادات الثورية من الاستنزاف
ـ تحديد أولويات واضحة، بدلًا من محاولة حل جميع المشاكل دفعة واحدة.
ـ توزيع الأعباء على مختلف القوى، بحيث لا يُستهلك الزخم الثوري في تفاصيل يومية.
4 ـ تحصين الجماهير ضد الدعاية المضادة
ـ إنشاء منصات إعلامية مستقلة تشرح الحقائق بلغة مبسطة، دون تضخيم الإنجازات أو التهويل من الصعوبات.
ـ كشف أساليب التلاعب الإعلامي التي تستخدمها الثورة المضادة لإثارة الإحباط واليأس.
الثورة كعملية طويلة الأمد
التغيير الحقيقي لا يتحقق بإسقاط الحكومات فقط، بل بترسيخ وعي جديد داخل المجتمع. الثورات التي تفشل هي تلك التي لم تستطع فصل نفسها عن الحالة العاطفية للجماهير، بينما تنجح الحركات الإصلاحية التي تدرك أن المعركة ليست في سرعة الإنجاز، بل في استدامة التحول. إذا لم يتغير وعي الشعوب، فستعود الأنظمة القديمة بأسماء جديدة، وستجد الجماهير نفسها تعيد إنتاج الطغيان الذي ثارت عليه، لأن المشكلة لم تكن في الحاكم وحده، بل في الثقافة السياسية التي سمحت له بالبقاء.