أحمد يحيى الديلمي
الشخص الذي اتصل بي من أصحاب الرؤية المتقدمة، الذي يطالب دائماً بإصلاح الأمور من الداخل ويرفض أي حل من الخارج أياً كان وممن كان ، وهو منهج سليم ومتميز إذا قارناه بمناهج آخرين يتمسحون بالخارج ويتحولون إلى عبيد عند الآخرين في سبيل الوصول إلى غايتهم مهما كانت هذه الغاية دنيئة أو رخيصة والتي قد لا تخرج في الغالب عن حفنة من المال.
تحدث الرجل بحماس عن موقف قيادة المسيرة القرآنية مما يجري في غزة وانتقال المعركة إلى البحر الأحمر ، طبعاً هو يتحدث وأمريكا في نظره غول رهيب ويشفق على الوطن من منطلق أن أمريكا لن تترك الأمور على حالها وستتدخل بقوة خاصة بفرض حصار اقتصادي على الشعب اليمني، كلها هواجس وهموم لم تصل بي إلى معرفة اتجاه الرجل وموقفه الحقيقي مما يجري، ودون أن يتحدث عن القوة العظمى ممثلة في تأييد الخالق سبحانه وتعالى ونصرته للمظلومين ، بل ظل يسبح في خيال ردود الفعل المتوقعة دون أن يقرأ قوله تعالى حينما خاطب المسلمين (( وإن خِفتُم عَيلة فسيُغنيكُم اللهُ من فضله ))، فالله سبحانه وتعالى هو المتكفل بالرزق وهو المُسخر وهو القادر على تغيير الأمور بين عشية وضحاها ، والتوكل عليه سبحانه وتعالى هو من أعظم الطرق التي تؤدي إلى الغلبة وتحقيق النصر مهما بلغت قوة الطرف الآخر، وشواهد القرآن كثيرة في هذا الجانب ، فقط إذا استطعنا الإلمام بشروط هذا التوكل وصفات الوصول إليه، وأهم تلك الشروط امتلاك بصيرة ثاقبة تجعل الشخص قادراً على التمييز بين الحق والباطل بالانحياز إلى الحق ونبذ الباطل مهما كانت مميزات الباطل ومكاسبه فإن المؤمن دائماً ينحاز إلى الحق وإن كانت الطريق إليه صعبة ووعرة ، وبالتالي فإنه لا يخشى أحداً من البشر ، أما الباطل فإنه كما قيل تكون له صولة قوية ثم يضمحل مهما عظم شأنه ، وهذه هي سنة الحياة وكم عرفنا للباطل من صولات وجولات كاد الناس أن يضلوا ويسيروا باتجاهه ، لكن الغفلة سرعان ما تزول ويعود الناس إلى الطريق القويم إذا وجدت القيادة السليمة المرتبطة بالله سبحانه وتعالى ، وهذا هو ما نؤمن به في ظل القيادة الحكيمة لقائد المسيرة القرآنية أبي جبريل.
إذاً يا صاحبي لا تخشى من أحد طالما أن الله معك وناصرك ومؤيدك وهذه نصيحة خُذها مني حتى لا تنغمس في الخطأ وتكون عبداً للباطل والمبطلين وصولاتهم ، وإن شاء الله النصر قريب وستذكر مثل هذا الكلام عندما سيتحقق ذلك طالما أن الإرادة موجودة والإيمان راسخ في النفوس ، والله هو الهادي إلى الحق والمؤيد والمعين والناصر .
* الشيخ أحمد علي المطري
نعيش هذه الأيام ذكرى رحيل الشيخ الوطني المناضل أحمد علي المطري، شيخ مشايخ بني مطر الذي انتقل إلى جوار ربه في مثل هذه الأيام بعد حياة حافلة بالنشاط والمواقف الوطنية الصادقة ، إذ يكفي أن نُشير إلى موقف واحد لهذا الرجل فلقد رفض العرض السعودي عندما عرضوا عليه تحديد ميزانية خاصة له كما هو حال بقية المشايخ الذين يتقاضون ميزانيات شهرية من السعودية على حساب الوطن ومكاسبه وسيادته واستقلاله ، وقال إن لي وطناً يمنعني الكفاف ويحميني من التكفف .
فمن منا لا يعرف الشيخ أحمد علي المطري بهيئته الشعبية المعروفة التي ظل متمسكاً بها في حله وترحاله إلى جانب أنه كان مطلعاً وثقافته واسعة بالذات في الجانب الديني وكان دائماً متميزاً في الردود على الآخرين والمقارعة بمنهج آل البيت ، لأنه كان يرى أنه المنهج القويم المتمسك بنهج الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والمتكئ على التراث الواسع لإمام المتقين ويعسوب الموحدين الإمام علي بن طالب عليه السلام ، وهذا ما جعله يعيش حياة سعيدة حتى وافاه الأجل ويحظى بحب الناس جميعاً ، بل ويقوم بأعمال إصلاح ذات البين وحل أعقد المشاكل مستعيناً بالله وبأهل العلم ، إذ كثيراً ما شاهدته يجلس إلى فضيلة العلامة الحجة محمد بن محمد المنصور «طيب الله ثراه» ويأخذ آراءه في الكثير من القضايا التي تعرض عليه من الآخرين ، أي أنه كان لا يستكمل نفسه ولا يدعي المعرفة المطلقة، كما هو حال الآخرين ، وهذه هي من صفات الرجولة والقدرة على التحصيل ، وهو ما جعله مقبولاً وجعل الناس يلجأون إليه في كل صغيرة وكبيرة ، رحم الله الشيخ المطري واسكنه فسيح جناته ، وكم أتمنى لو أن من تبقى من أسرته يجمعون تراثه ويصدرونه في كتاب ، لأنه كثيراً ما أطلعني على خواطر كلها ترتبط بالدين والمعرفة وأحكام الشريعة الإسلامية، وله اسهامات في الأدب واهتمامات كثيرة بالشعر ، لذلك ستحقق الفائدة للكثير ممن يجهلون هذه الحقائق ، أتمنى أن تتحقق هذه الأمنية لتعم الفائدة وتخرج مثل هذه الأفكار إلى النور.. أكرر الرحمة على الفقيد ، والله من وراء القصد ..
المصدر: الثورة نت
كلمات دلالية: سبحانه وتعالى
إقرأ أيضاً:
الإخلاص والخير.. بيان المراد من حديث النبي عليه السلام «الدين النصيحة»
اجابت دار الافتاء المصرية، عن سؤال ورد اليها عبر موقعها الرسمي مضمونة: "المراد بالنصيحة في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»؟".
لترد دار الافتاء موضحة: ان المراد بالنصيحة في حديث النبي عليه السلام «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، التَّناصُح بين الناس من الأمور المهمَّة التي حرص الإسلامُ على ترسيخها بين أفراد المجتمع، فهو ضرورةٌ اجتماعيةٌ لما فيه من الحرص على الإصلاح، ولا سيما إذا كان نابع من حرصٍ وإخلاصٍ؛ فالنَّاصِح يُخلِص القولَ لمن يَنْصحُه ويسعى في هدايتِه وصلاحِه، جاء عن سيدنا تميم الدَّاريِّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قلنا -أي الصحابة-: لِمَنْ؟ قال: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" متفق عليه.
ولعظم شأن النصيحة في الإسلام؛ كانت محل اهتمام العلماء ببيان حقيقتها وسعة مدلولها، فهي تعني إرادة الخير للمنصوح له.
قال الإمام الخطابي في "معالم السنن" (4/ 125-126، ط. المطبعة العلمية): [النصيحة كلمة يعبر بها عن جملةٍ: هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمةٍ واحدةٍ تحصرها وتجمع معناها غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع] اهـ.
كما أنَّها تعني أيضًا: صحة إخلاص القول والفعل والاجتهاد بتقديم ما فيه الخير والمصلحة للمنصوح له، وذلك بإرشاده لكل صالح، ونَهْيه عن كلِّ طالح.
ولزوم أدائها على المسلم: مقيدٌ بقدر جهده واستطاعته، وذلك لا يكون إلا بأمنه على نفسه من وقوع ما يؤذيه، وتيقنه بالطاعة فيما يقول من نُصْحٍ، وأما إن خشي أن يَجُرَّ عليه ذلك مكروهًا؛ فحينها يُرفع عنه لزومها. يُنظر: "سبل السلام" للصنعاني (2/ 696، ط. دار الحديث).
والنصيحة لكتابه: الإيمانُ به وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حقَّ تلاوتِه والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهُّم علومِه وأمثالِه، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وذَبُّ تحريف الغالين وطعنِ الملحدين عنه. والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم قريب من ذلك: الإيمان به وبما جاء به وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سنته واستثارة علومها ونشرها ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدُّب بآدابه، ومحبة آله وصحابته، ونحو ذلك.
والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحقِّ، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك.
والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلَّاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب عنهم، ومجانبة الغش، والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، وما شابه ذلك] اهـ. وينظر أيضًا: "شرح صحيح مسلم" للإمام النووي (2/ 38-39، ط. دار إحياء التراث العربي)، و "تعظيم قدر الصلاة" للإمام المروزي (2/ 691-694، ط. مكتبة الدار)، و "معالم السنن" للإمام الخطابي (4/ 126)، و"النصيحة الكافية" للشيخ زروق (ص: 15-16، ط. مكتبة الظلال).
الضوابط والآداب التي ينبغي مراعاتها عند إرداة النصح
للنصيحة ضوابط ينبغي مراعتها، منها: ألا تكون على الملأ، وإنما من أدب النصيحة أن تكون على انفرادٍ؛ لكيلا تورث العداوة والبغضاء بين المنصوح والناصح، إلا أن يكون المنصوح لا يفهم إلَّا بالتصريح والجهر، فيجوز ذلك ما لم يترتب عليه ضرر للناصح، مع الأخذ في الاعتبار ألَّا يكون النصح على شرط القبول للنصيحة.
قال الإمام ابن حزم في "الأخلاق والسير في مداواة النفوس" (ص: 45، ط. دار الآفاق الجديدة): [وإذا نصحتَ فانصح سرًّا لا جهرًا، وبتعريضٍ لا تصريحٍ، إلا أنْ لا يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح، ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالمٌ لا ناصحٌ، وطالب طاعةٍ وملكٍ لا مؤدي حق أمانةٍ وأخوةٍ، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة] اهـ. وينظر أيضًا: "جامع العلوم والحكم" ابن رجب الحنبلي (1/ 225، ط. مؤسسة الرسالة).
ومن الضوابط أيضًا: أن تكون النصيحة بغير تعيينٍ؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «ما بال أقوام»؛ ومن ذلك ما جاء عن أمِّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها، فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكَّرته ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اشْتَرِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فقال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ» متفق عليه.
كذلك من ضوابط النصيحة: ألَّا تؤدي إلى مفسدة أعظم أو إلى منكر أشد، وقد أصَّل لهذا المعنى الإمام القرافي في "الفروق" (4/ 257، ط. عالم الكتب) حيث قال: [شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ما لم يؤد إلى مفسدة هي أعظم، هذه المفسدة قسمان: تارة تكون إذا نهاه عن منكرٍ؛ فَعَلَ ما هو أعظم منه في غير الناهي، وتارة يفعله في الناهي بأن ينهاه عن الزنا فيقتله -أعني الناهي، يقتله المُلابِسُ للمنكر-، والقسم الأول: اتفق الناس عليه أنه يحرم النهي عن المنكر، والقسم الثاني: اختلف الناس فيه، فمنهم من سواه بالأول، نَظَرًا لعظم المفسدة، ومنهم من فَرَّق] اهـ.
الخلاصة
بناءً على ذلك: فالنصيحة بها قوام الدين، وحديثها من جوامع كَلِم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعناها يختلف باختلاف المنصوح، وبيان معناها واسع باتساع الحقوق الواجبة على المكلف تجاه الخالق سبحانه وتعالى، وكتابه العظيم، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وعامة الأمة وخاصتهم، مع ضرورة مراعاة أن تكون النصيحة بالتعريض لا التصريح، وبالتعميم لا التعيين، وألَّا تؤدي إلى مفسدةٍ أو منكرٍ أشد.