تعرّضت سلوفينيا لدمار إثر فيضانات ضربتها عام 2023، فكيف تستعد للأمطار الغزيرة في المستقبل؟
تاريخ النشر: 22nd, January 2024 GMT
يجري العمل في سلوفينيا على رفع الحواجز المائية والرسوم في إطار سعي شامل للبلاد بأكملها لبناء القدرة على الصمود في مواجهة الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة. يُقدم لكم برنامج Climate Now تقريره من ضفة النهر عن الأعمال الجارية ونُلقِ نظرة متعمّقة على حدث بيانات المناخ من Copernicus.
قبل التعمّق في خطة سلوفينيا للصمود في وجه الفيضانات، لنراجع أحدث البيانات من Copernicus والتي تؤكد أن عام 2023 كان بالفعل العام الأكثر حرارة على الإطلاق.
يُنسب ارتفاع درجات الحرارة إلى عدة عوامل أهمها زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة وارتفاع درجة حرارة المحيطات وانخفاض تركيزات الجليد البحري.
شهدنا أيضًا أشد شهر ديسمبر حرارة على الإطلاق، حيث تجاوزت درجات الحرارة 0.8 درجة مئوية فوق متوسط الفترة ما بين 1991-2020. في أوروبا، كان الجو أبرد بكثير مقارنة بالمتوسط بين الدول الاسكندنافية حتى روسيا، بينما كان أدفأ على نحو غير عادي بين أيرلندا حتى البحر الأسود. كان شهر ديسمبر ممطرًا في الكثير من مناطقنا حيث تتابعت سلسلة من العواصف في غرب ووسط وشرق أوروبا.
تتذكر Neža Kodre مديرة وكالة المياه السلوفينية الآثار المدمرة للأمطار الغزيرة في أغسطس الماضي، قائلة: ”غمرت الفيضانات فجأة أكثر من ثلثي البلاد بأكملها.“
الآن بعد ستة أشهر يجري العمل على قدم وساق في البلاد لمواجهة الفيضانات المفاجئة بهدف جعل سلوفينيا أكثر قدرة على الصمود في وجه هطول الأمطار الغزيرة المرتبطة بتغير المناخ.
يوجد 250 موقعًا يجري العمل فيه على طول مجاري المياه في جميع أنحاء سلوفينيا، حيث تعمل الشاحنات والحفارات الضخمة على بناء الهدارات وتوسيع ضفاف الأنهار ورفع الحواجز على جانبي الأنهار. انتهى العمل بالفعل في أكثر من 700 موقع آخر مماثل.
في المكان الذي زرناه بالقرب من بلدة كامنيك، تشرح Kodre الخطة: ”نعمل على توجيه التدفق الأساسي لقاع النهر عن طريق إزالة المواد. في الوقت نفسه قمنا بتغيير أماكن الحواجز على جانب النهر بحيث توفر مساحة أكبر للنهر.“
تأثر الجميع تقريبًا بالفيضانات في أغسطس الماضي حيث أصابت 183 من أصل 212 بلدية في سلوفينيا. شهدت البلاد هطول أمطار أكثر بنسبة 63 ٪ فوق المتوسط خلال الصيف الماضي.
ليست المرة الأولى التي واجهت فيها البلاد الفيضانات أيضًا. شهدت ليوبليانا بين عامي 2010 و2014 فيضانات مدمرة دمرت المنازل والمدارس والشركات.
تُحذر خبيرة الطقس السلوفينية Tanja Cegnar من أن ارتفاع بسبب تغير المناخ سيؤدي إلى ازدياد خطر الفيضانات المفاجأة: ”ستهطل المزيد من الأمطار الغزيرة في المستقبل وسنتعرض لمزيد من هذه الأحداث على وجه الخصوص خلال الصيف عندما يكون الهواء دافئًا وتزداد الرطوبة فيه.“
مع كل درجة تزداد درجات الحرارة فيها، يمكن للهواء أن يحمل رطوبة أكثر بنسبة 7%.
تقول Cegnar لقناة Euronews: "لذلك نبذل الكثير من الجهود لتحسين تحذيراتنا من الفيضانات ويتعاون بشكل وثيق خبراء الأرصاد الجوية وعلماء المياه لإصدار التحذيرات في الوقت المناسب.“
حلول فيضانات في بيئات مختلفةتُطبق أساليب مختلفة لمواجهة الفيضانات المفاجئة في أجزاء مختلفة من سلوفينيا. في أعلى منبع النهر ضمن السيول الجبلية، يجري تثبيت أنظمة لإيقاف الأغصان والأشجار الثقيلة قبل أن تُلحق الضرر بالمباني.
أما ضمن المدن، تُستخدم مجموعة من الحلول. في المناطق الحضرية الكثيفة، يتمثل أفضل حل في رفع الحواجز على جانبي النهر إلى حد أعلى بكثير من ارتفاع فيضان فترة عودته هي 500 عام.
في المناطق الأخرى على طول نهر غراداشتشيكا، توجد مساحة تكفي للحفر بقصد توسيع قاع النهر مع الحفاظ على الأشجار وإبطاء المياه. يُسمى هذا بالحل "القائم على الطبيعة"، وعلى الرغم من أن تنفيذه أقل تكلفة ومظهره أفضل بالنسبة للمقيمين والزوار المحليين، إلا أنه يتطلب صيانة منتظمة.
يقول مهندس الحماية من الفيضانات Rok Fazarinc: "ستحتاج الصيانة كل عام ويمكن أن نقول حتى أنها ستلزم مرتين في السنة لأجل إزالة أي زيادة مفرطة في الغطاء النباتي مثل الأشجار الميتة أو المتساقطة على سبيل المثال وذلك كي نسمح للبيئة بالتجدد بشكل طبيعي.“
تُعدّ جهود التكيف مع الفيضانات في سلوفينيا مكلف. خصصت الحكومة حتى الآن نصف مليار يورو لمساعدة السكان والشركات والسلطات المحلية على دفع تكاليف التنظيف والترميم، كما تم تخصيص أكثر من ذلك بكثير لتمويل التكيف.
رفعت الحكومة بقصد لتحقيق أهدافها ضريبة على أصول البنوك بنسبة 0.2% مؤقتًا لفترة خمس سنوات، وهو إجراء من المفترض أن يجلب 100 مليون يورو سنويًا. كما رفعت معدل ضريبة الدخل على الشركات لنفس الفترة من 19% إلى 22%، بدءاً من عام 2024.
يُشرف وزير الدولة Boštjan Šefic على إصلاح البنية التحتية، ويبرر لنا هذا القرار.
يقول: ”لا أحد يرحب بالزيادات الضريبية، لكننا نعتقد أن هذا استثمار في مستقبلنا وهو أيضًا لصالح الاقتصاد. لأن المباني ذات قدرة الصمود الأعلى ستزيد من سلامتنا في وجه الفيضانات والظواهر الطبيعية الأخرى وستعود بنفع أكبر بكثير لاحقًا.“
إلى جانب الضرائب، يظهر التحدي الاجتماعي المتمثل في إقناع الأشخاص الذين يعيشون على ضفاف الجداول والأنهار بتكييف عقليتهم مع واقع الاحتباس الحراري الجديد الذي تواجهه البلاد. تبتسم مديرة وكالة المياه Kodre أثناء شرحها أن هذا أحد أكثر جوانب المشروع استهلاكًا للوقت:
”يرفض معظم الناس تطبيق الإجراءات بالقرب منهم ولا يرغبون بوجود أحواض احتجاز جافة في مناطقهم. لذلك تهدف الكثير من الجهود إلى دفع مشاركة العامة والقطاعات المختلفة ويشكل هذا تحديًا كبيرًا.“
شارك هذا المقال Partner: Copernicus سلوفينيا كوارث طبيعية فيضانات - سيول الطقس الاحتباس الحراري والتغير المناخيالمصدر: euronews
كلمات دلالية: سلوفينيا كوارث طبيعية فيضانات سيول الطقس الاحتباس الحراري والتغير المناخي غزة حركة حماس فلسطين الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إسرائيل أزمة المهاجرين قتل ألمانيا طوفان الأقصى مهاجرون عاصفة غزة حركة حماس فلسطين الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إسرائيل أزمة المهاجرين الأمطار الغزیرة درجات الحرارة بالقرب من فی وجه
إقرأ أيضاً:
هذا ليس نهرا
لا تتوقف آداب أمريكا اللاتينية عن إثارة دهشتنا، منذ أن انفجرت تلك «القنبلة» (الأدبية بالطبع) فـي ستينيات القرن الماضي، والتي أفضت إلى أسماء عرفت كيف تصوغ مشهدا أدبيا مخالفا، لا يزال صداه يتردد لغاية اليوم. لكن بالطبع، لا يقتصر هذا الأدب على تلك الأسماء، بل ثمة تجدد لا ينفك عن توليد كتابات أخرى، لافتة، تفترق عن سابقاتها، لتحفر لنفسها مكانتها المميزة.
من هذه الأسماء اللافتة، الجديدة، الروائية الأرجنتينية سيلفا ألمادا (مواليد العام 1973) التي عرفت كيف تصوغ عالمها مع رواياتها الأربع القصيرة (لا تتجاوز أكبرها الــ 150 صفحة)، وهي «الشبّان الموتى» و«تحت العجلة الكبيرة» و«بعد العاصفة» و«هذا ليس نهرا» وهي أحدث ما صدر لها (وأعتمد هنا على الترجمة الفرنسية الصادرة حديثا عن منشورات «ميتاييه» فـي 128 صفحة).
تبدأ الرواية من رحلة صيد بين صديقين، حيث يتمكنا من «قتل» سمكة عملاقة ــ تحمل اسم «شيطان البحر»، حيث يطلق عليها واحد منهما ثلاث رصاصات، ما يثير استغراب زميله الذي يوبخه قائلا «رصاصة واحدة تكفـي». وبعد قتال عنيف، ينجحان فـي الإمساك بها ليعرضا غنيمتهما بسلام. لكن هل فعلا ثمة سلام فـي الأمر؟ لقد أثار عملهما استغراب السكان وغضبهم، ما دفعهم إلى التساؤل عن قتل هذا الحيوان من دون أي سبب، وعن سبب عنادهما فـي ارتكاب ما ارتكباه. هكذا هي بداية «هذا ليس نهرا» الذي سرعان ما يتحول إلى أرض للصراع تتصادم فـيها رؤيتان للحياة والطبيعة.
ثمة، من بين سكان تلك الأرض، من كان ينظر إلى النهر على أنه مكان للترفـيه أو أيضا تهديد دائم ــ حيث يظهر الخوف من الغرق فـي أحلامهم. وهناك أيضا الذين يجدون أن المكان هذا، هو هذه البيئة التي تشكل حياتهم، التي هي بمثابة بيتهم الحقيقي. فالنهر ليس نهرًا: «إذا مدّ المرء بصره نحو منحدر الشارع، فهو يستطيع أن يرى النهر. بريقٌ يُدمع العينين. وهنا أيضًا: إنه ليس نهرًا، إنه ذلك النهر. لقد قضوا وقتًا أطول بكثير برفقته من أي شخص آخر. إذًا. من أعطاهم الحق فـي ذلك! لم تكن سمكة رقيطة. بل كانت تلك الرقيطة. وحشٌ بديع، مُلقىً فـي الوحل فـي قاع الماء «...». مُنتزعًا من النهر ثم عاد إليه. ميتًا».
ما ترمي إليه الكاتبة، الإشارة إلى عملية غزو الأراضي ونهبها فقط لأنها موجودة ومتاحة ومن دون حدود. «إنه جسد تغلب عليه الذكورية»، كما تقول ألمادا فـي إحدى مقابلاتها الصحافـية (*)، من خلال هذا العنف الذي يبدو أنه أساس العلاقات بين البشر. ومن خلال الرغبة فـي فهم الروابط بينهما، وتأثيراتهما، ومشاعرهما المكبوتة فـي كثير من الأحيان، بدأت «ثلاثيتها غير الإرادية» المكرسة للكون الذكوري، والتحالفات والاتفاقيات التي أسسته. من هنا تشكل رواية «هذا ليس نهرًا»، الأغنية الختامية لكل من روايتي «بعد العاصفة» و«تحت العجلة الكبيرة».
وبرغم أن العنف حاضر بقوة، فإن هؤلاء البشر، الذين يعيشون فـي بيئة ريفـية متواضعة، بل وحتى محفوفة بالمخاطر، يظهرون فـي تعقيداتهم وتفاصيلهم الدقيقة، بعيدًا عن المنظور النمطي الذي من شأنه أن يختزلهم إلى وحوش: إنهم معادون للأجانب وفـي الوقت عينه قادرون على الحنان الحقيقي والإخلاص تجاه الطبيعة. كذلك تحتل الصداقة أيضًا مكانة مركزية فـي الكتاب، لا سيما من خلال ذكرى الصديق المتوفى، يوزيبيو، التي تعمل لحظات الصيد التي تقاسمها مع ابنه، تيلو، على تنميتها وإطالتها. بين الثلاثة، إينرو، إلنيجرو، وتيلو الشاب، تنشأ رابطة حول النهر، تستكشفها الرواية بدقة.
من قرأ لألمادا سابقا، يدرك إلى أي مدى تأتي كتابتها دقيقة، حتى لتصبح على درجة كبيرة من الاقتصاد حتى فـي وسائل السرد، إنها هذه اللغة التي تتحدث عن تلك المنطقة بدقة أولئك الذين عاشوها عن كثب. وبما أن الكاتبة تنتمي إلى منطقة إنتري ريوس، البعيدة عن بوينس آيرس، فقد استطاعت أن تجد فـي هذه المناظر الطبيعية وفـي لغة سكانها الطريقة التي تستطيع من خلالها تمثيلها دون الإطناب الخلاب. إذ إنها، ولفترة طويلة، وخوفًا من الوقوع فـي أدب إقليمي مستوحى من الصور النمطية، نجدها ترفض الاقتراب من ذلك، لتفضل الموضوعات الأكثر حضرية إذ تعتبرها أكثر أدبية. من هنا، تسعى كتابتها إلى تتبع إيقاع النهر، وتعرجاته ودواماته، من خلال العديد من اللقطات الماضية، واحتضان شكل الماء من خلال غياب الفصول، عبر جُمل فـي حالة من التدفق المستمر، من خلال هذه التيارات الجوفـية التي تعبر عن تبادلات الشخصيات مع الكلمات غير المنطوقة.
قد يكون أسلوب ألمادا هو الذي يميزها عن غيرها من الكتّاب والأساليب، وهو ما يسمح لنا بالتعرف عليها بشكل أفضل. أسلوب يأتي بمثابة دعوة للنظر إلى الحياة اليومية بشكل مختلف، لاكتشاف علامات التحذير من سوء الحظ، حيث يبدو أن التهديد يثقل كاهل هذا الكون باستمرار، بين الرتابة والأفراح الصغيرة، قبل أن ينكسر الهدوء العادي باندلاع العنف أو الموت. من دون أن ننسى قصص الأشباح التي تملأ الرواية والشخصيات: كابوس الرجل الغريق الذي يطارد إينرو منذ طفولته، وقصة شقيقتين صغيرتين توفـيتا فـي حادث سيارة، ثم عادتا لتطاردا الجزيرة.
يسود مناخ غير واقعي فـي الكتاب، مما يثير التساؤلات حول تصنيفات «الخيالي» أو «الواقعي». لا يوجد شيء فـي كتابات سيلفا ألمادا يجعلها أقرب إلى الواقعية السحرية. بل إننا نجد ولاءً لطريقة رؤية العالم الخاصة بهذه المناطق حيث تتعايش المعتقدات الوثنية والكاثوليكية والإنجيلية: فلا يوجد شيء أكثر طبيعية من استشارة الطبيب والمعالج؛ لا يوجد شيء أكثر طبيعية من السماح لنفسك بأن تسكنها هذه القصص عن الأرواح التي تقسم الواقع وتفتح على أبعاد أخرى منه. الذي، مثل الرجل الغريق، يجبرنا على فتح أعيننا، ليدهشنا مرة أخرى: عندما جرفه النهر، لا بدّ أن أوزيبيو قد فتح عينيه فـي سواد كثيف، كهذا. هل رأى النور أخيرًا؟ يتذكر عينيه جاحظتين من محجريهما عندما استعادوا الجثة. كما لو أنه، قبيل موته، رأى شيئًا هائلًا لدرجة أن بصره لم يكن كافـيًا لاستيعابه تمامًا. ولكن ماذا عساه أن يكون؟ شيئًا هائلًا جدًا، أجل. ولكنه فظيع جدًا أيضًا؟ أو جميل جدًا».
تقودنا سيلفا ألمادا، فـي جميع كتبها، إلى هذه النقطة المتوترة بين الجمال والرعب، حيث كل شيء قابل للتغيير، وتدعونا إلى إلقاء نظرة مختلفة على العالم.
يمكن مشاهدة هذه المقابلة على الرابط التالي:
(https://www.youtube.com/watch?v=avNpoVPYei4)