لجريدة عمان:
2025-07-11@06:04:02 GMT

ما يلزم لبناء المؤسسات الديمقراطية

تاريخ النشر: 21st, January 2024 GMT

توجد من حولنا وفرة من النماذج الواقعية التي يمكن الاستعانة بها لمساعدة كل من البلدان النامية والصناعية على بناء مؤسسات ديمقراطية أفضل. لكن تشيلي تقدم لنا، بمحاولاتها العقيمة لصياغة دستور جديد، درسا حول ما ينبغي تجنبه.

فبرغم كونها واحدة من أغنى الدول في أمريكا اللاتينية، لا تزال تشيلي تعاني من إرث دكتاتورية الجنرال أوجستو بينوشيه الوحشية وأوجه التفاوت التاريخية.

أحرزت تشيلي بعض التقدم في بناء المؤسسات الديمقراطية منذ استفتاء عام 1988 الذي بدأ التحول من الاستبداد، وقد نجحت البرامج التعليمية والاجتماعية في تضييق فجوة التفاوت في الدخل. ولكن تظل مشكلات كبرى قائمة. إذ تنتشر أوجه التفاوت العميق، ليس فقط في الدخل، بل وأيضا في القدرة على الوصول إلى الخدمات الحكومية، والموارد التعليمية عالية الجودة، والفرص في سوق العمل. علاوة على ذلك، لا تزال تشيلي تطبق الدستور الذي فرضه بينوشيه في عام 1980. مع ذلك، وفي حين كان من الطبيعي أن تبدأ من جديد، سلكت تشيلي الطريق الخطأ في هذا الصدد. فبعد استفتاء 2020 الذي أظهر دعما ساحقا لصياغة دستور جديد، عُـهِـد بالعملية إلى جمعية من المندوبين المنتخبين. لكن 43% فقط من الناخبين شاركوا في انتخابات 2021 لشغل مقاعد الجمعية، وكان عدد كبير من المرشحين ينتمون إلى دوائر يسارية متطرفة ملتزمة أيديولوجيا بقوة بصياغة دستور من شأنه أن يفرض تدابير صارمة ضد الأعمال التجارية ويهدف إلى إنشاء عدد لا يحصى من الحقوق الجديدة للمجتمعات المختلفة. وعندما طُـرِحَت الوثيقة الناتجة للتصويت، رفضها 62% من أهل تشيلي. ثم كررت محاولة ثانية ذات الإخفاقات، ولكن من الاتجاه الآخر. فقد عملت أغلبية يمينية في الجمعية، بتشجيع من ردة فعل الجمهور على النسخة الأولى، على صياغة دستور رُفِـضَ أيضا على أنه تجاوز الحدود. ولا بد أن تبدو هذه التجربة مألوفة، لأن تشيلي ليست الدولة الوحيدة حيث ضغطت كتلة ناشطة من أجل اتخاذ تدابير يعارضها أغلبية من الناخبين. في مختلف أنحاء العالم نشهد أحداثا مماثلة -وخاصة في الولايات المتحدة- ونتيجة لهذا تتدهور الثقة في المؤسسات. ولكن هل من الممكن إعادة بناء الدعم للديمقراطية؟ ربما يقدم عملي الأخير مع نيكولاس أجزنمان، وسيفات أكسوي، ومارتن فيزباين، وكارلوس مولينا بعض الدلائل. لقد وجدنا أن الأشخاص الذين يتمتعون بخبرة في التعامل مع المؤسسات الديمقراطية يميلون إلى دعمها، ولكن فقط إذا رأوا أن الديمقراطيات ناجحة في تقديم ذلك النوع من الأداء الاقتصادي، والخدمات العامة، وغير ذلك من النتائج التي يتوقعونها. الواقع أن ما يريده الناس من الديمقراطية في الظاهر يكشف لنا عن كثير. يتضاءل الدعم الذي تناله الديمقراطية أثناء الأزمات الاقتصادية أو الحروب أو غير ذلك من فترات انعدام الاستقرار، ويتحسن عندما يتمتع الجمهور بفوائد الخدمات العامة الجيدة، وتضيق فجوة التفاوت، ويتضاءل الفساد أو ينعدم. تبدو الدروس واضحة. فإذا كنا راغبين في بناء ديمقراطية أفضل، يتعين علينا أن نبدأ بقدرة المؤسسات الديمقراطية على تحقيق ما يريده الناس.

مع اتساع فجوات التفاوت في عدد كبير من البلدان وتزايد قوة الشركات العالمية، من المعقول أن تقدم الديمقراطيات قدرا أكبر من إعادة التوزيع وتدابير حماية أقوى للفئات المحرومة. ولكن مرة أخرى، يتعامل كل من اليمين واليسار مع الأمر بطرق مختلفة.

في حالة تشيلي، تبدو أجندة اليسار المتشددة المناهضة للأعمال غير حكيمة. والبديل الأفضل هو النموذج الذي ابتكرته الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في الدول الإسكندنافية، والتي وصلت إلى السلطة بعد انهيار سوق الأوراق المالية عام 1929 وأزمة الكساد العظيم، عندما كان الاحتياج واضحا إلى تغييرات سياسية ومؤسسية كبرى لاستعادة الاقتصاد إلى الصحة والحد من التفاوت. يحيط بأصول الديمقراطية الاجتماعية في بلدان الشمال كثير من المفاهيم الخاطئة. ففي حين يبدو أن بعض المعلقين يعتقدون أن هذه البلدان كانت دائما ميالة نحو المساواة والتعاون، ينظر آخرون إليها باعتبارها قدوة «للديمقراطية الاشتراكية». لا يبدو أن أيا من التصورين صحيح. كانت كل من السويد والنرويج تعاني من عدم المساواة إلى حد كبير في بداية القرن العشرين. وكان معامل جيني للدخل قبل الضريبة في النرويج (وهو مقياس للتفاوت على مقياس من صفر إلى واحد) 0.57 في عام 1930، هذا يعني أن التفاوت بين الناس هناك آنذاك كان أكبر من أي مكان في أمريكا اللاتينية اليوم. كما شهد كل من البلدين صراعات صناعية متكررة.

كانت أحزاب العمال، التي أصبحت فيما بعد أحزابا ديمقراطية اجتماعية، تضرب بجذورها في الفِكر الماركسي. ولكن بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى السلطة، كانت بدأت تتحرك بعيدا عن التزاماتها السابقة بالثورة والأيديولوجية الصارمة. وبدلا من ذلك، أدارت حملاتها تحت مظلة واسعة، ووعدت بإدارة الاقتصاد الكلي على الوجه السليم والإصلاح العادل لسوق العمل والتعليم. من جانبه، تحول حزب العمال النرويجي في الاتجاه المعاكس لأجندته الماركسية المتشددة بعد أدائه الهزيل في انتخابات النرويج عام 1930. ومثله كمثل الأحزاب العمالية الدنماركية والسويدية في ذلك الوقت، أعاد الحزب توجيه تركيزه نحو مسائل أكثر عملية، فنفذ السياسات التي أرادها الناس. كما وعد الحزب بإصلاح تعليمي كبير لتحسين جودة التعليم في المناطق الريفية التي كانت متخلفة عن الركب. وبعد وصوله إلى السلطة مرة أخرى في عام 1935، تحرك الحزب بسرعة لتنفيذ «قانون المدرسة الشعبية» في العام التالي.

في عمل بحثي أخير مع توماس بيكارينن، وكجيل سالفانيس، وماتي سارفيماكي، أظهرنا أن إصلاح المدارس في النرويج حقق أكثر من مجرد تحسين جودة التعليم في المناطق الريفية. فقد خلف أيضا تأثيرا عميقا على السياسة النرويجية؛ لأن كثيرين من أولئك الذين استفادوا من الإصلاح (بدءا بالآباء) حولوا ولاءاتهم إلى حزب العمال، الأمر الذي ساعد بالتالي على إنشاء التحالف الكفيل بدعم نموذج الديمقراطية الاجتماعية المشهور الآن في النرويج. ببساطة، قدم الحزب الخدمات التي أرادها الناخبون، وكافأه الناخبون بالدعم الانتخابي. الحالة السويدية مشابهة في عموم الأمر. فبعد فوزه الانتخابي الأول عام 1932، حقق الحزب الديمقراطي الاجتماعي السويدي وعده بزيادة الأجور، والسلام الصناعي، وبيئة الاقتصاد الكلي المستقرة. ثم كوفئ في صناديق الاقتراع على مدى عقود عديدة تالية. ينطوي كل هذا على دروس لأولئك الذين يريدون تعزيز الديمقراطية وبناء مؤسسات جديدة لمكافحة التفاوت بين الناس وحماية المحرومين. يجب أن تكون الخطوة الأولى إظهار نجاح الديمقراطية من خلال صياغة أجندة إصلاحية تنجح في تقديم الخدمات للسكان. أما محاولات فرض سياسات متطرفة (من اليسار أو اليمين) على الناخبين فمصيرها الفشل -ومن المرجح أن تُـفـضي إلى تقليص الثقة في المؤسسات الديمقراطية بدرجة أكبر.

دارون عاصم أوغلو، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو مؤلف مشارك (مع جيمس أ. روبنسون) لكتاب لماذا تفشل الأمم: أصول القوة والازدهار والفقر.

خدمة بروجيكت سنديكيت

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المؤسسات الدیمقراطیة

إقرأ أيضاً:

محافظ المنيا : تمكين المرأة ودعم الأسرة حجر الأساس لبناء مجتمع قوي

تفقد اللواء عماد كدواني محافظ المنيا، اليوم، فعاليات القافلة الطبية الشاملة التي ينظمها مركز خدمات المرأة والطفل بمدينة المنيا الجديدة،في إطار المبادرة الرئاسية “معًا بالوعي نحميها” برعاية السيدة انتصار السيسي، قرينة رئيس الجمهورية، والتي تهدف إلى دعم الجهود المبذولة لرفع الوعي المجتمعي بمختلف القضايا الوطنية والاجتماعية وتعزيز دور المرأة في تحقيق التنمية الشاملة بمختلف القطاعات.

السبت المقبل.. فتح باب التقديم لمدارس التمريض للعام الدراسي 2025 - 2026 بالمنياتطوير ميدان النيل ليصبح واجهة حضارية لمحافظ المنيامحافظ المنيا: إنجازات في قطاع الشباب والرياضة خلال عام واهتمام بالبنية التحتية

أكد المحافظ أن المبادرة تهدف إلى بناء مجتمع أكثر وعياً بدور المرأة المصرية فى حماية وتعزيز قدراتها وتمكينها من المشاركة الفعالة في دعم سياسات الدولة وتحقيق التكاتف الوطني بصفتها الركيزة الأساسية للأسرة والمجتمع، الى جانب نشر الوعي الوطني، وضمان مشاركتها المجتمعية فالوعي هو القوة الحقيقية، وأن المرأة الواعية تصنع مستقبلًا أكثر إشراقًا لها ولوطنها.

وأضاف المحافظ، أن المبادرة تأتى تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية بدعم كل ما يخدم استقرار الدولة ويعزز تماسك المجتمع وتوعيته بقضايا الأمن القومي والموضوعات الاجتماعية، مثمناً دور برامج الحماية المجتمعية كجزء أساسي من استراتيجية بناء الوعي وتمكين الأفراد من حياة أكثر استقرارًا، من خلال مبادرات مثل (تكافل وكرامة) التي تدعم الأسر الأكثر احتياجًا وبرامج التأمين الصحي الشامل التي تضمن الرعاية الطبية للجميع، ودعم المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال التي تعزز الوعي الاقتصادي.

وأعرب اللواء "كدوانى" عن تقديره للتعاون المثمر بين الجهات المنظمة لتقديم الخدمات التي تهدف إلى تحسين جودة الحياة المقدمة للمواطنين خاصة فى مجال رفع مستوى الخدمة الطبية ، مؤكداً أن تمكين المرأة ودعم الأسرة يمثلان حجر الأساس لبناء مجتمع قوي ومستقر، الأمر الذى يتطلب تضافر كافة الجهود لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحيط بالوطن ،لافتاً إلى أهمية دور الأسرة، وخاصة الأم، في تشكيل وعي الأجيال الناشئة ومتابعة سلوكياتهم.

من جانبها، أوضحت فاطمة الزهراء على مدير ادارة الطفولة و الأمومة، أن القافلة يتم تنظيمها بالتعاون مع مديرية الصحة من خلال عيادات الصحة التخصصية، وتضم نخبة من الأطباء في تخصصات: الباطنة، الأطفال، الأنف والأذن والحنجرة، النساء والتوليد، الجراحة العامة، العظام، الروماتيزم والتأهيل، إلى جانب خدمات التحاليل الطبية المجانية، مشيرة الى أن القافلة تستهدف تقديم خدمات صحية متكاملة ودعمًا مباشرًا للمرأة والطفل، في إطار جهود الدولة لتعزيز الرعاية الصحية المجتمعية، كما تتضمن الفعاليات عددًا من الفقرات الفنية للأطفال وندوة توعوية للتعريف بأهداف المبادرة والخدمات المقدمة من خلالها.

وعلى هامش القافلة، كرم المحافظ عدداً من النماذج النسائية المشهود لهن بالكفاءة والإخلاص في العمل تقديرًا لجهودهن الملموسة في الارتقاء بالمحافظة وتأدية رسالتهن بإخلاص، موجهاً خالص الشكر والتقدير لكل امرأة مصرية تواصل العطاء والتضحية من أجل رفعة شأن الوطن، في تأكيد على أن دعم المرأة وتمكينها يمثل خطوة أساسية نحو مستقبل أكثر إشراقًا.

حضر الفعاليات الدكتورة رشا المهدى عضو لجنة الثلاثين وعضو مجلس الشيوخ، الدكتورة نادية مكرم وكيل وزارة الصحة، عبد الحميد الطحاوي وكيل وزارة التضامن الاجتماعي، الدكتور بهاء حسن مدير ادارة المنيا التعليمية، الدكتورة نجاح التلاوي مقررة فرع المجلس القومي للمرأة، فاطمة الزهراء على مدير إدارة المرأة والأمومة والطفولة ووحدة تكافؤ الفرص بديوان عام المحافظة.

طباعة شارك محافظ المنيا فاعليات المرأة

مقالات مشابهة

  • الإمارات تختتم تدريباً لبناء كوادر وطنية في «حقوق الإنسان»
  • وزير الأوقاف يدعو لبناء منصة وطنية تُبرز طاقات الشباب
  • 10 جيجا إنترنت مجاني.. القومي لتنظيم الاتصالات يلزم الشركات بتعويض العملاء
  • «القومي لتنظيم الاتصالات» يلزم الشركات بتقديم إنترنت أرضي و محمول مجاني للعملاء
  • شنقريحة: التكوين الجيّد لموردنا البشري هو حجر الزاوية لبناء جيش قوي
  • التعليم الخاص بالمغرب يعرب عن قلقه من مشروع مرسوم يلزم بتقديم 15% من الخدمات مجانا
  • الفراج: الفجوة مع أندية أوروبا لم تعد شاسعة ولكن هل استوعبنا الدرس؟
  • جامعة طيبة تنفّذ تجارب علمية ورقمية وبرامج لبناء الروبوتات
  • نتنياهو: لا نهدف لطرد سكان غزة ولكن نسعى لإنهاء حكم حماس
  • محافظ المنيا : تمكين المرأة ودعم الأسرة حجر الأساس لبناء مجتمع قوي