عمان ـ “راي اليوم” ـ اسراء عبيدات: عندما يتجه رئيس دولة إلى بلد عملاق كالصين، يشعر العالم بالترقب والاهتمام، وهكذا حدث مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي وصل إلى بكين قادماً من الدوحة في زيارة رسمية تستمر لمدة خمسة أيام. تلك الزيارة تعتبر الأولى لرئيس جزائري إلى الصين منذ 15 عاماً، وهي تحمل وعوداً وآفاقاً جديدة للعلاقات بين البلدين.

يتناول الرئيسان خلال هذه الزيارة ملفات سياسية ثنائية ودولية تعكس تحولاً في العلاقات الثنائية. فما هو مضمون تلك المحادثات الهامة؟ هل ترتكب الصين دوراً جديداً في ملفات السلم والأمان في منطقة الشرق الأوسط؟ وماذا عن التعاون الاقتصادي والاستثمار المشترك بين الجزائر والصين؟ هل ستنعكس هذه الزيارة على ملف الطاقة والتجارة بين البلدين؟ في هذا المقال، سنستعرض تفاصيل الزيارة وما يمكن أن تحمله من أثر وتأثير على العلاقات الجزائرية الصينية. سنناقش تطورات العلاقات بين البلدين على مر العقود، ونبحث في الفرص والتحديات التي تنتظرهما في المستقبل. بين الرهانات والتحديات.. الجزائر وانضمامها إلى بريكس تتجه الأنظار نحو الجزائر في الآونة الأخيرة، حيث تستعد للدخول إلى مشهد جديد ومحفوف بالتحديات. الرئيس عبد المجيد تبون يبدو واثقًا من قوة الدعم الصيني داخل منظمة بريكس، حيث تسعى الجزائر إلى الانضمام إليها كعضو ملاحظ أولاً، ثم عضو كامل الصلاحيات. تعد الصين وروسيا الداعمين الأساسيين للجزائر في مسعاها للانضمام إلى بريكس، وتتطلع الجزائر إلى تعزيز تعاونها وشراكتها مع هاتين الدولتين الكبريين. بينما تواجه الجزائر تحديات تتعلق بمتطلبات الانضمام، فهل تتمكن من تحقيقها وتجاوز التحديات؟ قمة بريكس المقبلة في جنوب أفريقيا ستكون المناسبة المثالية لاستعراض ملف انضمام الجزائر، وهنا تتجلى أهمية الاقتصاد الجزائري وتنوعه. وفي ظل استقلالية القرار السياسي للبلاد واعتمادها على الغاز الطبيعي كأكبر منتج ومصدر في إفريقيا، تبقى المسألة مثيرة للجدل وتشكل تحديًا. من جهة أخرى، تظل الجزائر محدودة في اعتمادها على مداخيل النفط والغاز، وتواجه صعوبات في انفتاحها على الأسواق العالمية بشكل كافٍ. هل ستتمكن الجزائر من تجاوز هذه العقبات والانضمام إلى بريكس؟ أم ستواجه تحديات أكبر على طريق الانضمام؟ في هذا السياق، يتوجب على الجزائر تحقيق التوازن بين تعزيز اقتصادها وتنويعه، والعمل على فتح الأبواب أمام الاستثمارات والتجارة الدولية. إن انضمامها إلى بريكس يتطلب رؤية استراتيجية شاملة وخطط عمل واضحة، لتكون الجزائر شريكاً موثوقاً وقويًا داخل هذه المنظمة الاقتصادية الصاعدة. زيادات استثنائية في الأجور والمعاشات ومنحة البطالة في الجزائر: هل تقف واجهة التحديات الاقتصادية؟ أعلنت السلطات الجزائرية عن قرار جريء ومبهج للمواطنين في إطار مواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد. تضمنت موازنة عام 2023 زيادات كبيرة في أجور العمال، معاشات المتقاعدين، ومنحة العاطلين عن العمل، وهي الزيادات الأولى من نوعها في البلاد منذ أكثر من 15 عامًا. تهدف هذه الزيادات الكبيرة إلى حماية جيوب المواطنين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وارتفاع معدلات التضخم. وتمت الموافقة على هذه الزيادات بنسبة 47% للقطاع العام على مدى السنتين 2023 و 2024، مما يساهم في تخفيف الضغوط المالية على المواطنين. تشمل الزيادات رواتب العاملين بين 4500 و8500 دينار، وهذه الزيادات ستنفذ على مدى السنوات الثلاث المقبلة. كما ستشهد معاشات المتقاعدين زيادة مرتبطة بالحد الأدنى المضمون للأجور في الجزائر، وسترتفع منحة البطالة أيضًا. من المتوقع أن تستفيد زيادات الأجور من حوالي 2.8 مليون عامل في القطاع العام، و1.9 مليون شخص بطالة، ونحو مليوني متقاعد يتلقون معاشات ضعيفة. هذه الخطوة تأتي في إطار الجهود الحكومية لتحسين الأوضاع المعيشية لهؤلاء الفئات وتحفيز الاقتصاد المحلي. وفي ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها البلد، فإن هذه الزيادات الجريئة تلعب دورًا مهمًا في مساعدة الجزائر على تجاوز الصعاب وتعزيز قوتها الاقتصادية. تحديات التضخم في الجزائر: بين الزيادات الهدية والمستويات المتصاعدة

 

على الرغم من وعد الرئيس عبد المجيد تبون بزيادات الرواتب والمعاشات كهدية للجزائريين، إلا أن هذه الزيادات تأتي في ظل تحديات جديدة تواجه الاقتصاد الجزائري. تزامنت هذه الزيادات مع ارتفاع مستويات التضخم التي تجاوزت توقعات الحكومة. وفقًا للديوان الجزائري الحكومي، بلغت نسبة التضخم 9.7 بالمائة في نهاية نوفمبر الماضي، مما يعكس ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط الأسعار على المواطنين. وتستمر العملة الجزائرية، الدينار، في استقرارها على مستويات منخفضة أمام العملات الأجنبية، حيث فقد نحو 37 بالمائة من قيمته أمام الدولار واليورو خلال عام 2022. وبالتالي، يواجه الجزائريون تحديات اقتصادية جديدة في ظل ارتفاع التضخم وتدهور قيمة العملة. قد تؤثر هذه الظروف على القدرة الشرائية ومستوى المعيشة للمواطنين، مما يتطلب من الحكومة اتخاذ إجراءات اقتصادية واحتياطية لمواجهة هذه التحديات وتعزيز استقرار الاقتصاد الوطني. الجزائر تتجاوز اقتصاد النفط لأول مرة منذ استقلالها عبدالمجيد تبون، الرئيس الجزائري، يخطو خطوة جريئة وتاريخية في تحقيق رؤية طموحة تهدف إلى تحرير اقتصاد البلاد من الاعتماد الشديد على النفط، لأول مرة منذ استقلالها. هذا القرار الجريء يأتي في ظل التحديات الاقتصادية والتقلبات العالمية في سوق الطاقة. منذ عقود طويلة، كانت الجزائر تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للإيرادات المالية. وعلى الرغم من أهمية هذا القطاع في تحقيق الاستقرار الاقتصادي للبلاد، إلا أن الاعتماد الشديد عليه أدى إلى ضعف التنوع الاقتصادي وجعل الاقتصاد الجزائري عُرضة للتقلبات السعرية في سوق النفط العالمية. ومع تزايد التحديات الاقتصادية والتباطؤ في نمو القطاع النفطي عالميًا، أدركت الجزائر ضرورة تنويع اقتصادها والبحث عن مصادر جديدة للإيرادات وتعزيز الاستقلالية المالية. لهذا السبب، أعلن الرئيس عبدالمجيد تبون عن مبادرة جريئة لتحرير الاقتصاد من الاعتماد الشديد على النفط، وتعزيز التنوع الاقتصادي وتطوير قطاعات جديدة. تتضمن خطة تحرير الاقتصاد إصلاحات هيكلية واستراتيجيات تهدف إلى تنمية قطاعات أخرى مثل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياحة. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الجزائر إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتحسين بيئة الأعمال لجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا الحديثة. على صعيد آخر، تأتي هذه الخطوة في إطار رؤية استراتيجية تهدف لضمان أمن البلاد واستقرارها، حيث يعتبر التحرر من الاعتماد على النفط خطوة هامة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتخفيف من تبعات التقلبات العالمية في أسعار النفط. ويأتي هذا القرار في وقت حرج للجزائر، حيث تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. ولكنه يمثل أيضًا فرصة لتحقيق التطور والازدهار، وتحسين مستوى المعيشة للشعب الجزائري. بالتزامن مع تحرير الاقتصاد، يسعى الرئيس تبون لتحقيق شراكات دولية جديدة وتوسيع آفاق التعاون مع دول أخرى، وخاصة دول البريكس التي تمثل مجموعة من الدول الناشئة والاقتصادات الصاعدة في العالم. وفي خطوة استباقية وجريئة، أعلن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أن البلاد كانت تعتمد بنسبة 97 بالمئة من صادراتها على المحروقات حتى عام 2019. ولكن تحت رؤيته الجديدة والتطورات الاقتصادية، هذه النسبة باتت تتراجع بسرعة. في عام 2022، وصلت الصادرات بعيدًا عن المحروقات إلى 11 بالمئة، مما يعكس التحول الجذري الذي يسعى تبون إلى تحقيقه في اقتصاد البلاد. طموحات تبون تتمثل في زيادة هذه النسبة إلى 16-22 بالمئة بحلول عام 2024، وهو هدف يُعد تحدٍّا مهمًا في تحقيق التنويع الاقتصادي وتطوير قطاعات أخرى غير النفطية. هذا الانتقال الهام يهدف إلى تقليل الاعتماد الشديد على النفط وتوسيع نطاق الصادرات إلى قطاعات مختلفة ومتنوعة. في مسعى طموح نحو التحرر من الاعتماد الشديد على النفط، يراهن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون على تحقيق تحول اقتصادي ذي موازين جديدة. يسعى تبون إلى رفع الناتج الداخلي الخام فوق حاجز الـ 200 مليار دولار، وهو رقم هائل يبرز الطموحات الكبيرة للبلاد في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي وتحقيق أمنها الاقتصادي. منذ بداية تولي تبون للرئاسة، تم تحقيق تقدم ملحوظ في الناتج الداخلي الخام، حيث ارتفع من 145.74 مليار دولار في عام 2020 إلى 191.9 مليار دولار في 2022، ومن المتوقع أن يصل إلى 206 مليارات دولار بنهاية العام الجاري. هذا الانتعاش الاقتصادي يرجع بشكل أساسي إلى ارتفاع مداخيل النفط والغاز بعد تجاوز تداعيات جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية العالمية، وكذلك نتيجة لزيادة الصادرات خارج المحروقات. في إنجاز ملفت، نجحت الجزائر في تعزيز صادراتها خارج المحروقات من 1.7 مليارات دولار في عام 2019 إلى 5 مليارات دولار في عام 2021، ثم ارتفعت إلى 7 مليارات دولار في 2022، مما يدل على التحول الكبير الذي تشهده استراتيجية البلاد الاقتصادية. شراكة متجددة: الصين والجزائر يستعدان لمشاريع مستقبلية مبهرة تراهن الجزائر على العلاقة الاستراتيجية مع الصين لاستغلال قدراتها المنجمية وتحقيق تطور اقتصادي طموح. تمتاز الصين بأنها الرهان الكبير للجزائر في مجال استثمارات المحاجر والمناجم، حيث تم تخصيص ملياري دولار لاستثمار منجم الحديد في غار جبيلات ومبلغ يقدر بنحو 7 مليارات دولار لاستغلال وتحويل الفوسفات في منجم وادي الهدبة. بالإضافة إلى ذلك، تتمثل أحدى اللآلئ الصينية في الجزائر في إنشاء ميناء الحمدانية بمدينة شرشال، والذي يعد أكبر ميناء في إفريقيا وجزءًا من مبادرة الحزام والطريق. جميع هذه المشاريع تمت من خلال شركات صينية، وتهدف زيارة الرئيس تبون إلى تعزيز وتسريع تنفيذ هذه المشاريع التي تأتي ضمن الخطة الخماسية الثانية للشراكة الاستراتيجية بين البلدين ومبادرة الحزام والطريق. ومن المتوقع أن يتم توقيع اتفاقيات جديدة في قطاع المناجم، حيث تحتوي الجزائر على خامات مهمة مثل الذهب واليورانيوم، بالإضافة إلى المعادن النادرة التي تشهد منافسة بين الصين والولايات المتحدة. تسعى الجزائر أيضًا للاستفادة من الخبرة الصينية في الصناعات الدفاعية والفضاء والتكنولوجيات الحديثة، ومن المرتقب أن يتم إعلان عن تأسيس “مجلس أعمال مشترك” بين البلدين لتعزيز التعاون وتنفيذ مشاريع شراكة مثمرة. ويشكل موضوع هيمنة الدولار على المعاملات التجارية الدولية محورًا مهمًا في المحادثات بين الرئيسين الصيني والجزائري، حيث يسعى الجانب الجزائري لتحقيق استقلالية أكبر في العملات وتنوي تنويع العملات المستخدمة في المعاملات التجارية والتعاون الاقتصادي الدولي. في النهاية، إن الزيارة إلى الصين تمثل خطوة جريئة ومثيرة للجدل للجزائر، والتحديات المستقبلية ستكون محط اهتمام ومتابعة. إنها فرصة للبلدين لتعزيز التعاون والشراكة وتحقيق الاستفادة المتبادلة. سيكون لنا الانتظار لرؤية نتائج هذه الرحلة وتأثيراتها على مسار تطور الجزائر واقتصادها في السنوات المقبلة.

المصدر: رأي اليوم

كلمات دلالية: الرئیس الجزائری ملیارات دولار من الاعتماد بین البلدین فی الجزائر إلى بریکس فی تحقیق دولار فی فی عام

إقرأ أيضاً:

محافظ "البنك المركزي" لـ"الرؤية": "حزمة الـ25 مليار دولار" تستهدف دعم النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل للمواطنين

 

 

 

 

 

◄ التدابير التحويلية التنظيمية تساهم في تعزيز التمويل المُوجَّه نحو القطاعات الاقتصادية الحيوية

◄ نجاح المبادرات يعتمد على قدرة المصارف على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وإدارة المخاطر

◄ اتباع نهج رقابي وإشرافي لضمان التزام المصارف بتوجيه التمويلات نحو القطاعات المستهدفة

◄ زيادة التمويل الممنوح للقطاعات المستهدفة من 5.3 مليار ريال إلى 15 مليار ريال في 2030

◄ السعي نحو تعزيز النمو الاقتصادي غير النفطي وخلق فرص وظيفية متنوعة

◄ المبادرات الحالية تسهم في تعزيز أداء المصارف وزيادة ربحيتها وتعزيز استثماراتها

◄ التحسينات الجديدة تؤثر إيجابيا على التصنيف الائتماني للمصارف وتعزز جاذبيتها للمستثمرين

◄ تحديد القطاعات المستهدفة جاء بناء على قدرتها على دعم النمو المستدام وتنويع الاقتصاد

◄ التركيز على المجالات ذات الأثر الأكبر في خلق الوظائف وجذب الاستثمارات

◄ المبادرات ستسهم في إعادة تشكيل سياسات المصارف المتعلقة بإدارة مخاطر سعر الفائدة

◄ نسبة الكفاية الحالية لرؤوس أموال المصارف العُمانية تتجاوز بكثير المتطلبات المُوصى بها دوليًا

 

 

الرؤية- سارة العبرية

 

أكد معالي أحمد بن جعفر المسلمي محافظ البنك المركزي، أن المبادرات الرقابية والتنظيمية المبتكرة التي أطلقها البنك مؤخرًا تشمل عدة إجراءات مهمة تختص بنمو القروض والتمويلات الموجهة لقطاعات اقتصادية محددة، إلى جانب حِزم لتخفيف متطلبات رأس المال وتحديث آليات إدارة مخاطر السيولة وسعر الفائدة لدى المصارف، مشيرًا إلى أنه جرى تصميم هذه المبادرات خصيصًا بهدف تعزيز التنوع الاقتصادي في سلطنة عُمان، بما يتماشى مع استراتيجية التنمية المُستدامة والأولويات الوطنية وفقًا لرؤية "عُمان 2040".

وأضاف المسلمي- في حوار خاص مع "الرؤية"- أنه من المتوقع أن تسهم هذه التدابير في توفير قروض تصل قيمتها إلى أكثر من 25 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وتستهدف هذه المبادرات العديد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، بما في ذلك السياحة، والطاقة المتجددة، وسلاسل الإمداد، والتعدين، والزراعة، والتكنولوجيا، والتعليم، والرعاية الصحية، وقطاع الأسماك، الأمر الذي سيعزز نمو القطاعات غير النفطية ويخلق فرص عمل جديدة للمواطنين.

وقال معالي أحمد بن جعفر المسلمي إن توجيه البنك المركزي العُماني للمصارف بضرورة تخصيص نسب محددة من محافظها الائتمانية لقطاعات استراتيجية محددة يأتي ضمن مساعي سلطنة عُمان إلى تعزيز النمو الاقتصادي غير النفطي وخلق فرص وظيفية متنوعة عبر مجموعة من الإصلاحات التي تشمل إعادة توجيه التمويلات نحو قطاعات إنتاجية مستدامة، لافتًا إلى أنه من شأن هذا النهج المدروس أن يسرّع من وتيرة توفير وظائف جديدة؛ مما يعزز استيعاب القوى العاملة الوطنية في مجالات مختلفة، ودعم مشاركة المرأة في سوق العمل، وتنمية المهارات المهنية؛ مما يُعزز من تطوير رأس المال البشري ويزيد من مرونة الاقتصاد العُماني في مُواجهة التحديات المستقبلية.

 

وإلى نص الحوار:

 

** ما الهدف من التدابير التحويلية التنظيمية التي بادر البنك المركزي العُماني بإطلاقها مؤخرًا؟

تهدف التدابير التحويلية التنظيمية التي بادر البنك المركزي العُماني بإطلاقها مؤخرا إلى تعزيز التمويل الموجه نحو القطاعات الاقتصادية الحيوية التي تدعم الأهداف الوطنية للتنمية وتعزز التنويع الاقتصادي؛ حيث تُركِّز بشكل خاص على توفير التمويل والتسهيلات المصرفية لقطاعات مثل الصناعة، والسياحة، والطاقة المتجددة، وسلاسل الإمداد، والتعدين، والزراعة، وصيد الأسماك، والتعليم، والرعاية الصحية، وقطاع التكنولوجيا.

 

 

** وكيف يمكن لهذه التدابير أن تؤثر على توجهات المصارف العُمانية في منح القروض؟

من المتوقع أن تسهم هذه التدابير في توفير قروض تصل قيمتها إلى أكثر من 25 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة؛ بما من شأنه أن يقود النمو في القطاعات غير النفطية على نحو مؤثر والإسهام في إيجاد وخلق فرص عمل جديدة للمواطنين بحلول عام 2030. وفي ضوء ذلك، يُتوقع أن تقوم المصارف بتحديث سياساتها الائتمانية بما يتماشى مع هذه المبادرات، مما يستدعي تعديل نماذج المخاطر وآليات التسعير؛ بما يتناسب مع الاحتياجات الجديدة لهذه القطاعات الحيوية.

كما ستدفع هذه التعديلات المصارف لإعادة هيكلة محافظها الائتمانية والتركيز على القطاعات التي تتمتع بالحوافز المالية، مما يساهم في جذب التمويل إلى المشاريع التي تساهم في تحقيق التنمية المستدامة. وعلى الرغم من أن التأثير قد يكون تدريجيًا، إلّا أن هذه الخطوات ستؤدي إلى تحول جوهري في أولويات التمويل المصرفي، حيث ستصبح القطاعات المستهدفة في طليعة الاهتمام، مما يعيد تشكيل ديناميكيات سوق الائتمان في سلطنة عُمان. وسيعزز هذا التحول أيضا من استقرار النظام المالي بما من شأنه أن يضمن توفير التمويل اللازم لتنفيذ مشاريع حيوية تساهم في تحقيق الأهداف الوطنية واستدامة الاقتصاد العُماني على المدى الطويل.

** ما مدى قدرة هذه المبادرات على تحقيق التوازن بين تعزيز النمو الاقتصادي وإدارة المخاطر المصرفية، خصوصًا فيما يتعلق بمخاطر السيولة وسعر الفائدة؟

تمثل التدابير التي أطلقها البنك المركزي العُماني مبادرة استراتيجية لتحقيق توازن بين تعزيز النمو الاقتصادي وإدارة المخاطر المصرفية، لا سيما فيما يتعلق بمخاطر السيولة وسعر الفائدة، حيث يتم توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية التي تسهم في التنمية الاقتصادية، مما يعزز التنويع ويحد من التركيز المفرط على القطاعات التقليدية والتي قد تكون أكثر عرضة للتقلبات الدورية، وفي المقابل، فإن تخفيف متطلبات رأس المال للمصارف يشجعها على الامتثال، لكنه يستدعي في الوقت ذاته إدارة حذرة للسيولة لضمان عدم حدوث اختلالات في التدفقات النقدية أو زيادة في فجوات الأصول والخصوم.

كما أن التركيز على قطاعات معينة قد يؤثر على هامش الفائدة، مما يتعين على المصارف مراجعة آليات التسعير للحد من مخاطر تقلبات أسعار الفائدة. ولذا، فإن نجاح هذه المبادرات يعتمد على قدرة المصارف على تحقيق التوازن بين الامتثال للأهداف التنموية وإدارة المخاطر الائتمانية والسيولة بشكل استباقي، مع تعزيز مرونة النظام المصرفي أمام التقلبات الاقتصادية.

** برأيك.. كيف ستُسهم هذه المبادرات في دعم استراتيجية التنويع الاقتصادي بعيدًا عن الاعتماد على قطاع النفط؟

تسهم هذه المبادرات بشكل مباشر في دعم استراتيجية التنويع الاقتصادي من خلال إعادة توجيه التمويل المصرفي نحو قطاعات منتجة ومستدامة، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على قطاع النفط، حيث سيشجع التمويل نحو هذه القطاعات في تحقيق رؤية سلطنة عُمان لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.

وتوفير حوافز رأسمالية للمصارف التي تلتزم بهذه التوجيهات، سيجعل تمويل هذه القطاعات أكثر جاذبية، مما يخلق بيئة أعمال أكثر ديناميكية ويدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعتبر محركًا أساسيًا للتنويع. علاوةً على ذلك، ستؤدي هذه الاستراتيجية إلى تحسين جودة توزيع المخاطر داخل القطاع المصرفي وتقليل الاعتماد على القروض التجارية والاستهلاكية، مما يعزز الاستقرار المالي ويهيئ الاقتصاد العُماني لمستقبل أكثر تنوعًا واستدامة.

 

 

 

** وما الأدوات الرقابية التي سيتبعها البنك المركزي لضمان التزام المصارف بتوجيه التمويلات نحو القطاعات المستهدفة؟

سيتبع البنك المركزي العُماني نهجًا رقابيًا وإشرافيًا متكاملًا لضمان التزام المصارف بتوجيه التمويلات نحو القطاعات المستهدفة، تشمل الرقابة المباشرة، الحوافز الرأسمالية، والإفصاح المنتظم؛ حيث سيتم فرض متطلبات إبلاغ دورية تلزم المصارف بتقديم تقارير تفصيلية حول حجم التمويلات الممنوحة للقطاعات المستهدفة، مما يتيح للبنك المركزي متابعة مدى الالتزام.

وسيعتمد البنك المركزي منهجية قائمة على الفحوصات الرقابية والتقييمات الدورية، سواء من خلال التفتيش الميداني أو التحليل المكتبي، لضمان توافق ممارسات المصارف مع التدابير الجديدة، كما سيتم تطبيق حوافز رأسمالية تمنح تخفيفًا في متطلبات رأس المال للمصارف الملتزمة، مما يشجعها على تحقيق المستهدفات القطاعية، وقد يلجأ البنك المركزي إلى فرض إجراءات تصحيحية أو قيود على المصارف غير الملتزمة، مثل فرض متطلبات رأسمالية إضافية أو وضع حدود على أنواع معينة من التمويلات، لضمان تحقيق الأهداف التنموية وتعزيز الاستقرار المالي.

 

 

** كيف ستنعكس هذه المبادرات على معدلات التوظيف في السلطنة، وما هي التقديرات المتوقعة لفرص العمل الجديدة بحلول 2030؟

تأتي نسب التوزيع الحالي والمستهدف لمحفظة التسهيلات وفق القطاعات الاقتصادية كالتالي: في قطاع سلاسل الإمداد والنقل تبلغ النسبة الحالية 6.02% والمستهدف أن يكون معدل النمو السنوي بنسبة 8% أو 7% من محفظة الائتمان أيهما أعلى، وحسب رؤية عُمان 2040 فإن سلاسل الإمداد تساهم في 12% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي قطاعي الزراعة والثروة السمكية والتعدين تبلغ النسبة الحالية 2.30% و3.66% على التوالي، والمستهدف أن يكون معدل نمو سنوي بنسبة 6% أو 7% من محفظة الائتمان أيهما أعلى، وحسب رؤية عُمان 2040 فإن قطاعي الزراعة والثروة السمكية والتعدين سيحققان نموا بنسبة 4% سنويًا.

وبالنسبة لقطاع السياحة، فتبلغ النسبة الحالية 3.33%، والمستهدف أن يكون معدل النمو السنوي بنسبة 6% أو 5% من محفظة الائتمان أيهما أعلى، وحسب رؤية عُمان 2040 فإن القطاع سيساهم بنسبة 10% من الناتج المحلي الإجمالي.

وبخصوص قطاع التكنولوجيا، فتبلغ النسبة الحالية 0.93% والمستهدف الوصول إلى 4%، وفي قطاع الرعايا الصحية 0.23% والمستهدف 1.5%، والتعليم 0.18% والمستهدف 1.5%، والطاقة المتجددة 0% والمستهدف 8%.

وإضافة إلى ذلك، تبلغ نسبة مساهمة القطاع السياحي حاليا من الناتج المحلي الإجمالي 2.5%، وبناء على وثيقة رؤية عُمان 2040 فإن الهدف هو رفع هذه النسبة إلى 5% بحلول عام 2030، وزيادة الائتمان الموجه لهذا القطاع بنسبة لا تقل عن 200% حتى عام 2030م. وتعتبر نسبة الإقراض للقطاعات الأخرى (مثل الطاقة المتجددة) ضئيلة، وتهدف الرؤية إلى رفع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بحيث يتم الحصول على ما نسبته 30% من الكهرباء من المصادر المتجددة بحلول عام 2030م، مما قد يتطلب زيادة في الإقراض إلى هذا القطاع والتي يمكننا تقديرها لتكون قريبة من 8% من محفظة الائتمان بحلول عام 2030م.

وقد تم تصميم هذه المبادرات لتسريع انتقال سلطنة عُمان نحو اقتصاد متنوع، وكذلك موائمة ميزانيات المصارف مع احتياجات هذه القطاعات، مع الحد من مخاطر التركز، والذي سيسهم في تعزيز الاستثمار الرأسمالي ونمو الإقراض/ التمويلات للقطاعات المستهدفة التي تحظى بالأولوية، مما يؤدي إلى زيادة الإقراض/ التمويل الممنوح لهذه القطاعات من 5.326 مليار ريال عُماني في عام 2024م إلى 15 مليار ريال عُماني بحلول عام 2030م.

 

 

** إلى أي مدى يمكن أن تسهم هذه التدابير في تحسين التصنيف الائتماني للمصارف العُمانية وتعزيز جاذبيتها في الأسواق المالية العالمية؟

كما هو معلوم، يُعتبر أداء المصارف وحوكمتها وربحيتها من أبرز المؤشرات التي تعتمد عليها مؤسسات التصنيف الائتماني في تحديد تقييماتها ودرجات التصنيف للمصارف، ومن المتوقع أن تسهم المبادرات الحالية في تعزيز أداء المصارف العُمانية من خلال زيادة ربحيتها وتعزيز استثماراتها في القطاعات المستهدفة.

وهذه التحسينات ستؤثر بشكل إيجابي على التصنيف الائتماني للمصارف، مما يعزز جاذبيتها للمستثمرين سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، وبالتالي، ستساهم هذه المبادرات في رفع مستوى ثقة المستثمرين وتعزيز قدرة المصارف على جذب التمويل والاستثمارات الجديدة، مما يعزز استقرار النظام المالي والنمو الاقتصادي في سلطنة عُمان.

 

 

** ما المعايير التي تم اعتمادها لاختيار القطاعات الاقتصادية المشمولة في هذه المبادرات؟

جرى تحديد القطاعات المستهدفة بناءً على قدرتها على دعم النمو المستدام وتنويع الاقتصاد، مع التركيز على المجالات ذات الأثر الأكبر في خلق الوظائف، جذب الاستثمارات، وتعزيز الإنتاجية، وشملت المعايير مدى توافق هذه القطاعات مع الأولويات الوطنية، وإمكانياتها في توليد فرص عمل نوعية.

كما تم الأخذ بعين الاعتبار قدرتها على تقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز مصادر الدخل البديلة، إضافةً إلى مرونتها أمام التقلبات الاقتصادية، وتم اختيار القطاعات التي تتكامل مع التحولات الرقمية والإصلاحات الهيكلية، مما يسهم في تحسين بيئة الأعمال وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد العُماني.

 

 

** كيف ستساهم هذه التسهيلات في تعزيز قطاع الطاقة المتجددة في السلطنة، وهل هناك خطط لربط التمويلات بسياسات الاستدامة البيئية؟

تستهدف المبادرات زيادة التمويلات المخصصة لمشاريع الطاقة المتجددة، مما يدعم هدف سلطنة عُمان في تلبية 30% من احتياجاتها للطاقة من المصادر المتجددة، ومن المتوقع أن تسهم محفظة الأصول المصرفية بنسبة 8% من هذا النمو، مما سيعزز الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي.

ويرتبط التمويل بسياسات الاستدامة البيئية، مما يتماشى مع رؤية عُمان 2040 التي تهدف إلى تحفيز النمو الأخضر والمساهمة في التحول نحو الطاقة المتجددة، وهذه المبادرات تساهم بشكل كبير في تعزيز التزام سلطنة عُمان بالاستدامة البيئية والتنمية المستدامة، بما يضمن تحقيق أهدافها المستقبلية في هذا المجال.

 

 

** هل تتضمن هذه المبادرات حوافز مالية أو تفضيلية للمشروعات الناشئة في قطاع التكنولوجيا والابتكار؟

تهدف المبادرات إلى رفع نسبة التمويل الموجه لقطاع التكنولوجيا والابتكار لتصل إلى 4% من محفظة التمويلات خلال السنوات الخمس القادمة، الأمر الذي سيعزز من قدرة الشركات الناشئة في هذا القطاع على النمو والابتكار.

 

 

 

** ما الإجراءات التي سيتم اتخاذها لضمان تحقيق التوازن بين دعم قطاع التعدين والاستدامة البيئية، خاصة مع توجه العالم نحو الاقتصاد الأخضر؟

أصدر البنك المركزي تعليمات للمصارف لتحفيز التمويل الأخضر، ولكن الهدف من رفع نسبة قطاع التعدين هو تنويع مصادر الاقتصاد المحلي وكذلك الامتثال لرؤية "عُمان 2040".

 

** كيف ستؤثر هذه المبادرات على سياسات المصارف المتعلقة بإدارة مخاطر سعر الفائدة، وهل ستؤدي إلى تغييرات في آليات تسعير القروض؟

من المتوقع أن تسهم هذه المبادرات في إعادة تشكيل سياسات المصارف المتعلقة بإدارة مخاطر سعر الفائدة، من خلال مراجعة استراتيجيات التسعير وآليات الإقراض بما يتماشى مع متطلبات التمويل القطاعي الجديد.

كما ستعمل المصارف على إعادة هيكلة محافظها التمويلية، مما يستدعي تبني نهج أكثر ديناميكية في تحديد أسعار الفائدة لضمان التوازن بين العائد والمخاطر، كما أن الحوافز الرأسمالية الممنوحة للمصارف الملتزمة قد تؤدي إلى تفاوت في شروط التمويل، حيث تحصل القطاعات المستهدفة على أسعار تنافسية، مما يعزز من جاذبيتها للاستثمار.

وفي ظل هذه التغييرات، قد تلجأ المصارف إلى تعزيز أدوات التحوط المالي لمواجهة التقلبات المحتملة في أسعار الفائدة، إضافة إلى إعادة تقييم آجال استحقاق القروض وهيكل التكلفة المرتبطة بها. وعليه، فإن هذه التوجهات لا تقتصر على تحقيق الأهداف التنموية فحسب، بل ستسهم أيضًا في تطوير آلية تسعير أكثر مرونة واستدامة، والتي ستعزز من قدرة القطاع المصرفي على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية وضمان استقرار النظام المالي.

 

** كيف سيتعامل البنك المركزي مع المخاطر المحتملة المرتبطة بتخفيف متطلبات رأس المال، وهل هناك خطط طوارئ لمُواجهة أي تداعيات؟

يؤكد البنك المركزي العُماني على أن تخفيف متطلبات رأس المال لن يؤثر على استقرار المصارف، حيث إن نسبة الكفاية الحالية لرؤوس أموال المصارف العُمانية تتجاوز بكثير المتطلبات الموصى بها دوليًا، وهذا يعكس مستوى عالٍ من الأمان المالي، مما يضمن عدم وجود تداعيات سلبية قد تؤثر على متانة رؤوس الأموال أو استقرار القطاع المصرفي بشكل عام.

مقالات مشابهة

  • إعصار الرسوم الأمريكية يضرب أسواق العالم.. والاقتصاد العراقي في مهب الريح
  • إعصار الرسوم الأمريكية يضرب أسواق العالم.. والاقتصاد العراقي في مهب الريح - عاجل
  • محافظ "البنك المركزي" لـ"الرؤية": "حزمة الـ25 مليار دولار" تستهدف دعم النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل للمواطنين
  • اعتداء عنيف من أحد موظفي شركة كورسيكا على مسافر جزائري 
  • النفط يهوي لمستويات غير مسبوقة على وقع رد الصين على رسوم ترامب
  • زيارة المرابطين في جبهة حريب
  • تجاوزت 13 مليار دولار.. السياحة السعودية تسجل أرقاماً تاريخية
  • الجهيمي يحذّر: مستقبل الدينار الليبي غير مطمئن والإصلاح الاقتصادي يحتاج «حكومة شبه دكتاتورية»
  • الصين تحذر: رسوم ترامب على السيارات تهدد التعافي الاقتصادي العالمي
  • تعريفات ترامب الجمركية.. حرب تجارية عالمية تلوح في الأفق