لاهاي أو فضيحة الصهاينة ومتصهينة العرب والمسلمين
تاريخ النشر: 19th, January 2024 GMT
منذ يومي 11 و12 كانون الثاني/ يناير الجاري بدأت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا ضد "إسرائيل" بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد ساكنة غزة. ورغم أن الحرب الصهيو-صليبية على غزة قد كثّفت الوعي العربي-الإسلامي، بل الكوني، بعدم حيادية المنظمات الدولية وخضوعها لإملاءات الدول الكبرى، خاصة المعسكر الغربي بزعامة أمريكا، ورغم الوعي بعدم امتلاك الجهاز القضائي الدولي أية قوة إلزامية تتجاوز الإلزام القانوني الصرف، فإن غياب حق النقض (الفيتو) لقرارات المحكمة الدولية يعطي لتلك القرارات قوة رمزية أو اعتبارية أو أخلاقية ذات أثر كبير في تشكيل الرأي العام الدولي.
ولعلّ ما يعكس أهمية هذا الرهان هو قبول "إسرائيل" للمرة الأولى في تاريخها بالمثول أمام محكمة العدل "لدحض اتهامات جنوب أفريقيا بارتكاب جرائم إبادة جماعية في الحرب مع حماس في غزة".
إن ما يثير الانتباه في كلام المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية إيلون ليفي هو استمرار منطق التضليل الذي تمارسه آلة الدعاية الصهيونية منذ تأسيس الكيان الغاصب. فـ"الاتهامات" (بحسب المتحدث) هي اتهامات جنوب أفريقيا وحدها وليست اتهامات يتقاسمها أغلب أحرار العالم ومنصفيه، والحرب -إن صح أننا أمام حرب وليس أمام خطط للتهجير أو للإبادة الجماعية- هي مع "حماس" و"غزة"، وليست حربا على فلسطين كلها.
رغم تأييد جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والعديد من الدول لدعوى جنوب أفريقيا، فإن مبادرة بلد نيلسون مانديلا بتقديم الدعوى هي وصمة عار على جبين الدول العربية والإسلامية. وإذا كانت جنوب أفريقيا قد أكدت بدعواها وفاءها لميراث الزعيم مانديلا الرافض للتمييز على أساس عنصري أو ديني (وهو جوهر دولة الكيان الصهيوني ومن قبله حكومة البيض في جنوب أفريقيا)، فإن صمت الدول العربية والإسلامية قد أكّد غياب القرار السيادي وخضوع تلك الدول لإملاءات الغرب، أو على الأقل الخوف من مواجهته بصورة مكشوفة
ونحن نرى أن الكيان لم يجازف بالمثول أمام محكمة العدل الدولية إلا لأنه يعلم عواقب الامتناع عن ذلك، فالامتناع عن التقاضي أمام المحكمة الدولية يعني ضمنيا أن "إسرائيل" تعترف بأن ما قامت به في غزة هو من باب الإبادة الجماعية. وبما أن السردية الصهيونية -بل تأسيس الكيان ذاته- قد قامت على ابتزاز العالم كله بالإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية، فإنّ أخوف ما تخاف منه إسرائيل هو أن يرى العالم أن "الضحية" قد أصبح هو الجلاد، وأن يقتنع الرأي العام العالمي -خاصة في دول الغرب المساندة للكيان- بأن "الصهيونية" ما هي إلا سردية فاشية "متهوّدة".
رغم تأييد جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والعديد من الدول لدعوى جنوب أفريقيا، فإن مبادرة بلد نيلسون مانديلا بتقديم الدعوى هي وصمة عار على جبين الدول العربية والإسلامية. وإذا كانت جنوب أفريقيا قد أكدت بدعواها وفاءها لميراث الزعيم مانديلا الرافض للتمييز على أساس عنصري أو ديني (وهو جوهر دولة الكيان الصهيوني ومن قبله حكومة البيض في جنوب أفريقيا)، فإن صمت الدول العربية والإسلامية قد أكّد غياب القرار السيادي وخضوع تلك الدول لإملاءات الغرب، أو على الأقل الخوف من مواجهته بصورة مكشوفة. فبعد أن رفضت الدول العربية والإسلامية المطبّعة قطع علاقاتها مع الكيان أو تعليقها على الأقل وطرد سفرائه، كما فعلت بعض الدول غير العربية وغير الإسلامية، كان من العبث انتظارها حيث تجلس جنوب أفريقيا في مواجهة الكيان ورُعاته في الغرب.
ولعل الأخطر من ذلك هو أن الحرب على غزة قد أكدت أن الصهيونية قد نجحت في بناء "إسرائيل الكبرى"، لكن بعيدا عن السردية التوراتية القائمة على احتلال الأرض، فالعالم العربي كله أصبح جزءا من "إسرائيل الكبرى" دون الحاجة إلى "تهويده". ذلك أن "الصهيونية" بما هي أعلى مراحل الإمبريالية قد تحولت إلى استراتيجية الاستعمار غير المباشر -الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي- التي أثبتت فعاليتها خلال العدوان على غزّة.
فكل الدول المطبعة لم تجد في "الإبادة" ما يدفعها إلى مراجعة خيار التطبيع والانحياز موضوعيا للكيان (بتزويده بالمواد الغذائية أو بالوقود أو بالتضييق على مرور المساعدات الانسانية من معبر رفح)، أما تلك الدول التي هي في طريقها إلى التطبيع دون قيد أو شرط -مثل السعودية- فما زالت تردد تلك الجملة السفسطائية التي تعلم هي قبل غيرها زيفها واستحالة تطبيقها في ظل التذيل للمشروع الصهيوني: التطبيع في إطار حل الدولتين.
لقد أثبتت الحرب الصهيو-صليبية على غزة أن "المتصهينين العرب " هم الحليف الموضوعي لصهاينة اليهود و"الصليبيين الجدد"، فغزة لا تعاني من مشروع الإبادة الجماعية (والتهجير القسري الذي هو جزء من "صفقة القرن") إلا لتواطؤ الدول العربية "المتصهينة" وما تقدمه من خدمات علنية وسرية لهذا المشروع. فرغم مسارعة مصر إلى نفي ما وصفته بـ"الأكاذيب" التي ذكرها فريق الدفاع الإسرائيلي حول مسؤولية مصر عن منع دخول المساعدات الانسانية إلى قطاع غزة، فإن الخطاب الرسمي المصري يؤكد صدق تصريحات المحامي الصهيوني كريستوفر ستاكر. ألم يعلن زعيم الطغمة العسكرية الحاكمة أنّ على إسرائيل تعويض "سيناء" بصحراء النقب إن كانت تنوي تهجير أهل غزة؟ ألم يتهم النظام المصري الإخوان المسلمين بـ"التخابر مع حماس"؟ ألا تستطيع مصر -لو أرادت- تمرير المساعدات الانسانية وفق القانون الدولي؟
إن بقاء العلاقات الديبلوماسية على حالها بين الكيان والنظام العسكري المصري هو أكبر دليل على أنّ مصر منحازة لمنطق الأمر الواقع، بل داعمة له بحكم حساباتها السياسية الداخلية ضد "حركة الإخوان"، فانتصار حماس هو -من منظور النظام العسكري- تهديد للأمن القومي المصري بحكم تداعياته المحتملة على ملف "الإخوان".
نحن على يقين بأن متصهينة العرب أحرص من صهاينة الغرب والكيان على عدم صدور ذلك الحكم التاريخي، بل هم أحرص من صهاينة العالم كله على عدم تنفيذ القرارات الاستعجالية في حال صدورها كما هو متوقع. فمشروع "التطبيع" كله مرتبط بعلو كلمة الصهيونية وهيمنة سرديتها من جهة، وفشل مشاريع المقاومة من جهة ثانية. ولن يكون ربط الصهيونية بالإبادة الجماعية في قرار قضائي دولي إلا انتصارا لسردية المقاومة
في المدى المنظور، تكمن أهمية الدعوى القضائية ضد الكيان في تلك الإجراءات الوقائية المؤقتة التسع التي طالبت بها جنوب أفريقيا والتي قد يصدر القرار في شأنها خلال هذا الشهر. ولعل أهم تلك الإجراءات هو تعليق الأعمال القتالية ومنع الإبادة الجماعية والتهجير والامتناع عن التحريض، ومعاقبة الأفعال التي تشجع على الإبادة الجماعية وتدعو إليها. أمّا في المدى البعيد (أي بعد سنوات كما هو متوقع) فإن تجريم الكيان بتهمة الإبادة الجماعية سيكون قرارا تاريخيا له ما بعده. فرغم أن ذلك القرار سيصدر لا محالة بعد اكتمال الإبادة أو نجاح التهجير -لا قدر الله- أو بعد انتصار المقاومة وفرض واقع جديد في تاريخ الصراع ضد المشروع الصهيوني (كما يأمل كل أحرار العالم)، فإن ربط الكيان بـ"الإبادة الجماعية" سيضرب السردية الصهيونية في مقتل.
ونحن على يقين بأن متصهينة العرب أحرص من صهاينة الغرب والكيان على عدم صدور ذلك الحكم التاريخي، بل هم أحرص من صهاينة العالم كله على عدم تنفيذ القرارات الاستعجالية في حال صدورها كما هو متوقع. فمشروع "التطبيع" كله مرتبط بعلو كلمة الصهيونية وهيمنة سرديتها من جهة، وفشل مشاريع المقاومة من جهة ثانية. ولن يكون ربط الصهيونية بالإبادة الجماعية في قرار قضائي دولي إلا انتصارا لسردية المقاومة، ومشروعا لإعادة كتابة "التغريبة الفلسطينية" وما رافقها من عمليات الإبادة والتهجر القسري الذي رافق قيام الكيان على أعين الغرب.
twitter.com/adel_arabi21
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه العدل الدولية إسرائيل غزة فلسطين الإبادة الجماعية إسرائيل فلسطين غزة الإبادة الجماعية العدل الدولية مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الدول العربیة والإسلامیة الإبادة الجماعیة جنوب أفریقیا على عدم من جهة
إقرأ أيضاً:
فضيحة سيغنال.. لماذا لا تستخدم الدول تطبيقات سرّية خاصة؟
في واقعة أثارت القلق داخل أروقة السلطات والأمن السيبراني، كشفت مجلة "ذي أتلانتيك" أول أمس تسريبا غير مقصود لمحادثة سرية جرت على تطبيق "سيغنال"، ضمّت مسؤولين رفيعي المستوى في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومن بين المشاركين في المجموعة: مستشار الأمن القومي مايكل والتز، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، وجيه دي فانس نائب الرئيس.
لكن الفضيحة حدثت عندما أُضيف رئيس تحرير المجلة، جيفري غولدبيرغ، وآخرون إلى المجموعة عن طريق الخطأ، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للتشكيك في جدوى الاعتماد على التطبيقات التجارية، حتى تلك التي توصف بأنها "الأكثر أمانا في العالم". ولعل السؤال الأبرز الذي أثار تساؤلات الرأي العام هو لماذا تلجأ الحكومات -خصوصا القوية- إلى استخدام تطبيقات عامة مجانية ولا تستخدم تطبيقات سرية خاصة؟
خطأ بشري وليس مشكلة تقنيةالتسريب الذي كشفته المجلة لم يكن نتيجة خلل في بنية التطبيق أو خرق للتشفير، بل ببساطة بسبب خطأ بشري في إضافة أشخاص غير مصرح لهم. ويؤكد الخبراء أن الفضيحة ليست ناتجة عن اختراق تقني أو ثغرة برمجية، بل نتيجة خطأ بشري صِرف، فأحد المسؤولين أضاف رقما إلى المحادثة من دون التأكد من هويته، ليتضح لاحقا أنه يعود إلى أحد الصحفيين، الذي تلقّى فجأة أسرارا عسكرية من قلب الإدارة الأميركية. وحسب جوزيف ريدل، خبير الأمن السيبراني في معهد بروكينغز، فإن "هذا الحادث لا يُدين سيغنال، بل يفضح هشاشة الوعي الأمني حتى في أعلى المستويات".
في خضم النقاش المتصاعد حول تسريب المحادثات المشفّرة، يتساءل كثير من المتابعين والمراقبين: لماذا تعتمد الحكومات -التي يفترض أن تمتلك أقصى درجات الأمان الرقمي- على تطبيقات مراسلة تجارية متاحة لعامة الناس مثل "سيغنال" و"واتساب"، بدلا من تطوير أنظمة خاصة بها مغلقة ومحكمة؟ وهل هو اعتماد على المألوف؟ أم تفضيل للكلفة الأقل؟ أم أن هناك أسبابا أعمق تتعلق بالفعالية والتواصل الدولي؟
إعلانهذا السؤال ليس جديدا، وقد تناولته تحليلات تقنية متعددة في مجال الأمن السيبراني والاتصال الحكومي. وتُجمع هذه التحليلات على أن تطوير أنظمة اتصال داخلية مغلقة يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، تشمل التصميم البرمجي، والمراجعة الأمنية، والاستضافة المستقلة، بالإضافة إلى التحديثات المستمرة وضمانات الصيانة والاعتمادية. في المقابل، تتيح التطبيقات المفتوحة المصدر –مثل سيغنال– خيارا أكثر فعالية من حيث الكلفة وسرعة النشر.
كما أن التطبيقات التجارية تعد الخيار الأفضل في كثير من الأحيان نظرا لسهولة استخدامها وواجهاتها المألوفة، مما يقلل من مقاومة المستخدمين، خصوصا في المؤسسات التي تضم مسؤولين لا يتمتعون بخبرة تقنية عالية. وإلى جانب ذلك، هناك حاجة متزايدة لتواصل المسؤولين مع جهات خارجية -مثل الصحفيين أو الدبلوماسيين أو المنظمات الدولية- لا تستخدم أنظمة الاتصال الحكومية، مما يجعل التطبيقات العامة حلا عمليا ومتاحا للجميع.
لماذا تستخدم الحكومات تطبيقات مثل سيغنال وواتساب؟لا شك أن سؤالا كهذا يرد في ذهن الجميع، أليس من الأولى أن تملك الحكومات تطبيقاتها السرية الخاصة، بعيدا عن المنصات العامة؟
وفي الحقيقة فإن الإجابة معقّدة، إذ يرى كثير من الخبراء والتقنيين أن لهذه الظاهرة عدة أسباب ويمكن اختصارها فيما يلي:
أولا: التشفير
يرى الخبراء أن التشفير مفتوح المصدر المستخدم في التطبيقات العامة مثل سيغنال هو الأكثر ثقة، وفي المقابل، فإن كثيرا من تطبيقات الحكومات مغلقة المصدر، مما يجعلها أهدافا أسهل للاختراق.
والتشفير مفتوح المصدر (Open Source Encryption) يعني أن الشيفرة البرمجية (الكود المصدري) المستخدمة في تصميم خوارزميات التشفير متاحة علنا للجميع، ويمكن لأي شخص مطوّر، أو باحث أمني، أو مؤسسة مستقلة أن يراجع الكود ويتأكد من طريقة عمل التشفير بدقة. وأن يفحص الثغرات الأمنية أو الأخطاء في التنفيذ. وكذلك أن يختبر قوة التشفير ومدى مقاومته للاختراق أو التجسس. ويساهم في تطويره وتحسينه عبر المجتمعات البرمجية المفتوحة.
وتنبع أهمية المصدر المفتوح من أن الشفافية هنا تعني ثقة أكبر فبدلا من الاعتماد على كلام الشركة المطوّرة (التي قد تدّعي أن تطبيقها "آمن" دون دليل)، فإن الشيفرة المفتوحة تتيح للخبراء حول العالم التأكد بأنفسهم.
إعلانوعلى عكس ذلك، فإن التشفير المغلق المصدر (Proprietary Encryption) يعني أن الكود غير متاح، ويكون المستخدم مجبرا على الوثوق بالشركة من دون أن يستطيع فحص ما يجري "خلف الكواليس"، مثل بعض تطبيقات الشركات أو الحكومات أو تطبيقات المراسلة غير المعروفة.
ثانيا: السرعة والبساطة
أما السبب الثاني الذي يفسر قيام الحكومات باستخدام تطبيقات عامة وشائعة مثل سيغنال وواتساب، فهو أن عالم السياسات العاجلة لا وقت فيه لتثبيت تطبيقات داخلية معقدة، إذ إن تطبيق سيغنال موجود على كل هاتف، ويعمل فورا، وبتشفير مُثبت الكفاءة، مما يعني أنه متاح بأيسر الطرق.
ثالثا: ضعف البنية الرقمية الرسمية
والسبب الثالث في إحجام الحكومات عن استخدام تطبيقات خاصة، فهو أن عديدا من الحكومات -حتى المتقدمة منها- تعاني من مشكلات تحديث الأنظمة الرقمية، حيث إن أي تطبيق داخلي آمن يتطلب سنوات من التطوير، واختبارات أمنية صارمة، وتحديثات دائمة، وهو ما لا يتوفر دائما.
وحتى حينما تختار بعض الحكومات تطوير أنظمتها، لا يكون الطريق خاليا من الألغام. فعلى سبيل المثال، تطبيق "كونفايد" (Confide) الذي استُخدم لفترة في البيت الأبيض تعرض لثغرات أمنية بسبب ضعف آلية التحديث. وفي مقابلة شهيرة مع صحيفة غارديان البريطانية عام 2014، حذّر العميل السابق في الاستخبارات الأميركية إدوارد سنودن من أن البيانات الوصفية (من تحدث مع من، ومتى) قد تكون أخطر من محتوى الرسائل نفسها، وهي بيانات غالبا لا تشملها تقنيات التشفير.
المفارقة الأهم أن معظم الحكومات تعتمد على بنى تحتية تجارية، مثل "أمازون ويب سيرفيس" (Amazon Web Services) أو "مايكروسوفت أزور" (Microsoft Azure)، مما يفقدها السيطرة الكاملة على البيانات، حتى لو طورت تطبيقا خاصا بها.
رغم كل ما قيل عن مبررات عدم استخدام تطبيقات حكومية مغلقة المصدر، فإن بعض الدول (مثل روسيا والصين وإسرائيل) تمتلك بالفعل أنظمة اتصال داخلية مغلقة ومشفرة، لكنها ليست دائما قابلة للتطبيق خارج السياقات الأمنية أو العسكرية وفق خبراء وتقنيين. وذلك لعدة أسباب هي:
إعلان صعوبة الاستخدام محدودية الدعم الفني قيود التحديث والتطوير صعوبة نشرها بين أعداد ضخمة من المسؤولين والدبلوماسيين والمستشارين المتنقلين. هل من حل وسط؟أمام التعقيدات المتزايدة في مشهد الاتصالات الرقمية، تبدو الخيارات المطروحة على طاولة صانعي القرار محفوفة بالمفارقات، فالتطبيقات التجارية سهلة الاستخدام، لكنها معرضة للثغرات، بينما الأنظمة الخاصة قد تكون آمنة نظريا لكنها باهظة التكلفة ومعقدة التشغيل. فهل من طريق ثالث؟
يرى خبراء الأمن السيبراني أن الحل لا يكمن في الانحياز الكامل لأحد الطرفين، بل في بناء مقاربة هجينة تجمع بين الأمان العملي والفعالية التشغيلية، وحسب أولئك الخبراء فإن الحل ليس في التخلص من التطبيقات التجارية ولا في الاعتماد الكلي على الأنظمة الخاصة، بل يتطلب الأمر مزيجا ذكيا من العناصر الثلاثة:
استخدام أدوات مفتوحة المصدر خضعت لاختبارات أمنية واسعة. وضع بروتوكولات دقيقة لإدارة المجموعات والصلاحيات. تدريب المسؤولين على الأمن السيبراني والمخاطر الرقمية.جملة القول إنه في زمن تحكمه الرسائل المشفّرة والقرارات العاجلة، لم تعد المسألة تتعلق فقط باختيار تطبيق أكثر أمانا، بل بفهم معادلة الأمان في سياقها الكامل: التقنية، والممارسة، والبنية المؤسسية. فضيحة تسريبات "سيغنال" لم تفضح ثغرة في الخوارزميات، بل كشفت هشاشة الاستخدام البشري، حتى في دوائر الحكم العليا.