#النزيف_اليماني
م. #أنس_معابرة
اليمن هم أصل العرب بلا شك، فمنهم العرب العاربة؛ القحطانيون، أبناء قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، كما يذكر ذلك أكثر النسابين، ومنهم العرب المستعربة أو المتعرّبة، ويقال لهم العدنانيون أو النزاريون أو المعديون، وهم من صلب سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، الذي تزوج من رعلة الجرهمية، فتعلم منهم العربية فسموا المستعربة وصار نسلهم من العرب واندمجوا فيهم، وهم ينتسبون إلى عدنان من نسل سيدنا إسماعيل عليه السلام، وبعضهم هاجروا إلى الشمال لتكوين الممالك في بلاد الشام؛ خاصة الأردن وسوريا.
اليمن مصاب قديماً وحديثاً، فلقد بدأت مصائب اليمن بُعيد انهيار سد مأرب الشهير، وبعدها توالت الحروب والصراعات على اليمن.
حديثاً خاضت اليمن العديد من الحروب والصرعات الإقليمية والداخلية، فمدينة صعدة اليمنية لوحدها شهدت ستة حروب في أربعة أعوام ما بين 2004 و2008، ثم دخلت اليمن في أحداث الثورة الشبابية عام 2011، واستولى الحوثيون على السلطة عام 2014، ودخلت اليمن في صراع مع المملكة العربية السعودية والتحالف العربي في حرب دامت لأكثر من خمس سنوات، ولم ينتج عنها سوى تدمير البنية التحتية، وتشريد الملايين من اهل اليمن.
مقالات ذات صلة الشاي الفاخر من عمر باهبري… 2024/01/17وبعد الاعتداء الصهيوني على قطاع غزة؛ لم تتردد اليمن في الوقوف إلى جانب أهلنا في فلسطين، وحاولت بالإمكانات المتوفرة أن تُعرب عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني وقضيته وقضيتهم العادلة.
ولجأت اليمن إلى تهديد الملاحة البحرية في البحر الأحمر للتضييق على الاحتلال، ومحاولة منع وصول السلاح إليه، السلاح الذي يُمطر به غزة وأهلها كل حين.
ولم يتوان حزب الشر المتمثل في الولايات المتحدة الامريكية والمملكة البريطانية في الاعتداء على اليمن تماماً كما اعتدوا على العراق سابقاً، وذلك من أجل الوقوف إلى جانب المحتل الصهيوني، وبحجة تأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وهنالك حديث اليوم عن تحالف من سبع وعشرين دولة للقضاء على التهديد اليميني للملاحة كما يزعمون، ولكن تلك الدول لم تتحرك لإيقاف الهجوم البربري الصهيوني على المدنيين في قطاع غزة.
بغض النظر عن الانتماءات الحزبية والطائفية في اليمن، وبغض النظر عن ولاءات القيادة اليمينة التي يشكك البعض فيها، إلا أنه يمكن القول أنهم أتوا بما لم يأت به غيرهم من العرب والمسلمين، ووقفوا ضد العدوان الصهيوني على غزة بما توافر لهم من إمكانيات.
والله انه لعار أن تأتي نصرة أهلنا في غزة عسكرياً من اليمن البعيد القريب، المصاب والمكلوم، والذي يعاني من الحصار والدمار، وأن تأتي نصرتهم سياسياً من دولة نصرانية تقع في قارة ثانية، وتبعد الاف الكيلومترات، بينما يتفرج ذوو القربى والنسب والجيران على أهلهم في غزة وهم يرتقون شهداء، الواحد تلو الآخر، وعائلات كاملة تباد هناك، ويتم مسحها من السجل المدني.
لم تتجاوز الحكومات العربية والمسلمة حد التصريحات والشجب والاستنكار، بل سعت دول وهيئات ومنظمات إلى اجهاض أي اتفاق أو قرار أو تحرك يلوح في الأفق، دفاعاً عن مناصبهم ومكاسبهم ومصالحهم.
ربما لم يكن لليمن ذلك التأثير الكبير للحرب الدائرة في غزة عسكرياً، ولكنها على الأقل نطقت بما يجول في خاطر الشعوب والدول التي تقف مقيدة الايدي والألسن.
سيظل موقف اليمن هذا تاريخياً ومشرفاً في دعمهم لإخوانهم في فلسطين، وسيظل العار يلاحق اولئك الصامتون عن الحق، الذين ينظرون للحرب الدائرة وكأنها لا تعنيهم، ولا يدركون انهم سيكونون الضحية التالية لو لا سمح الله وتوقفت المقاومة في فلسطين.
بالقصف الأمريكي والبريطاني لليمن اليوم؛ فإنه يدفع ثمن صرخته في وجه الطغيان والصمت العالميين، العالم الذي لا يعرف العدالة والحق، والذي آثر الانحياز إلى جانب الكيان الصهيوني في جرائمه، ودعمه سياسياً وعسكرياً.
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب
” يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان
طول عمري ما شفت مثالك
فى إي مكان
أنا هنا شبيت يا وطني
زيك ما لقيت يا وطني
فى وجودى أحبك وغيابي
ياحليلك ويا حليل أيامك ”
ويا حليل ، تلك الغنائية الممتلئة بنغم الشجن المضئ ، الذي أودي بالمطرب الفنان ” سيد خليفة ” ملتقط الفرائد من النصوص الغنائية ، فأسكرته حتى جعل منها منبعا من منابع الإنتماء الوطني الخالص من عصبيات الإيدولوجيات المقيتة الخانقة للبراءة .
ترى أي شاعر من الشعراء إستطاع أن يولد من جوانيته تلك المعاني الباذخة في الحنين إلى الوطن ؟
قطعا لغير العارفين قد يترائى إليهم أنها لشاعر سوداني !
لا والله .
بل هي لشاعر مصري أصيل ، اسمه إبراهيم رجب ، صدق القول ، وأحسن الوصف فبهر .
عاش إبراهيم رجب في الخرطوم سنوات من عمره ،
مدرسا ضمن هيئة المدرسيين التابعين للبعثة المصرية التعليمية في السودان أوان ذاك .
مصر المعرفة والحب ، علاقة السوداني بها كعلاقة الروائي الطيب صالح الذي قال :
” علاقتي بمصر ، وعلاقتي بالقاهرة بالذات ، ولا تزال كغيري من السودانيين علاقة تستند إلى الأزمنة التي تختزلها ، وإلى قياس الإمتدادات التي مثلتها وتمثلها بالنسبة إلى كل الأقطار العربية الأخرى ”
وهل غير النبلاء ” المشاؤون على صراط الجمال ”
من يقدرون على الوفاء ؟
وأي شاعر رائع من غير أبناء النيل يمكن أن يقول عن الخرطوم :
( كانت أيام يا وطني
زى الأحلام يا وطني
بتذكر فيك عهد صبايا
على شاطئ النيل
حبيبى جالس حدايا
أسمر وجميل
انا بفخر بيك يا وطني
بالروح افديك يا وطني )
فكيف انتمي إبراهيم رجب إلى الخرطوم ، ليصفها بوله يشبه وله التجاني يوسف بشير الذي قال في حبها :
” ضفافُها السحريّة المورقة
يخفق قلبُ النيلِ في صدرها
تحسبها أغنيةً مطرقة نَغّمها الحسنُ على نهرها ” ..
أن ينتمي المرء إلى هذا الوطن البعيد المنال – كما جاء في تعبير الطيب صالح – ذلك أمر عسير :
” أن تكون سمعت زغاريد النساء في الأعراس ،
ورأيت انعكاسات الضوء على وجه النيل وقت الشروق ووقت الغروب .
أن تتذكر تمر القنديل أول الموسم ،
ولبن البقر الغريض ، ورغوته ، معقودة عليه في الحلابات ، ذلك أمر عسير ) .
سادتي !!
وهل وقف حب شاعر غير سوداني للخرطوم عند إبراهيم رجب فقط !
لا ابدا والله !
وإليك يا قارئي أبيات من قصيدة أخرى للشاعر العماني ” علي بن سهيل حاردان – رحمه الله وغفر له – وهو شاعر لا يعرفه غالب الجمهور من السودانيين . إلا أنه شاعر كبير في عمان ، وصوت شاهق من أصوات الحركة الثقافية في موطنه .
قال عن سيرته الذاتية :
” سيرتي مكتوبة على جدران قلبي ،
من أراد أن يعرفها فليقرأ جدران قلبي بتمعن .
حزبي هو انتمائي إلى خير أمة .
وشعاري من أراد أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” ..
وقال في قريض خاص عن الخرطوم :
” سمراء أدري هواك كان مشكلتي
وكان أسري ولكن كان منطلقي
وكان خارطتي طرا وأشرعتي
منجى من التيه والذوبان والغرق
وكان بأسي ذا المزروع في جسدي
حقلا من الصبر بل نهرا من الدفق
حتى توحدت بالنيلين مثلهما
غسلت أقدامك الطهراء بالعرق
أنا ونيلاك ، والعشاق ما تعبوا
سعيا إلى الوصل ، خضنا كل مفترق ”
هكذا يركض على بن سهيل من عمان إلى الخرطوم ، والزمن فرس رهان لا يزل له قدم حتى يبلغ نهاية الشوط ويناجي :
” كوني كما أنت يا سمراء أنّ لك
عمرا نغذيّه بالأعمار فانطلقي
زيدي احتراقاتنا احتلي الصّبا أبدا
زيدي احتراقاتنا نزداَد في الألق
نزداد كبرا إذا أشرقت سافرة
زهوا بقاماتنا هزءا بمرتزق
طالي السّماء بنا في كل مئذنة
في كل أغنية في كل معتنق ”
ابن سهيل الشاعر الشاعر العماني كأني به هنا في صورة البروفيسور عبد الله الطيب :
” وحيا الله بالخرطوم روضاً
بحيث تعانق النيلان نيلا
يميناً إن بين شعاب قلبي
لعبئاً من فراقكم ثقيلاً ”
وشهادات شعراء العرب عن الخرطوم تترى ، ليبرز الشاعر السوري الكبير نزار قباني ، بل يقر ويعترف أنه ما تعرّف على شعره ، والنيل إلا في الخرطوم فيقول :
” نصف مجدي محفور على منبر لويس هول والشابل في الجامعة الأمريكيّة في بيروت ، والنصف الآخر مُعلق على أشجار النخيل في بغداد ، ومنقوش على مياه النيلَين الأزرق والأبيض في الخرطوم ، طبعًا هناك مدن عربيّة أخرى تحتفي بالشعر وتلوح له بالمناديل ، لكن بيروت وبغداد والخرطوم تتنفس الشعر وتلبسه وتتكحّل به ، إن قراءتي الشعريّة في السودان كانت حفلة ألعاب ناريّة على أرض من الرماد الساخن ” ..
ويقرأ نزار قباني خيرية السودان ويقول مستدراكا :
” في ” دار الثقافة ” في أرض أم درمان ، كان السودانيون يجلسون كالعصافير على غصون الشجر ، وسطوح المنازل ، ويضيئون الليل بجلابياتهم البيضاء ، وعيونهم التي تختزن كل طفولة الدنيا وطيبتها ، هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء خرافي ، شيء لم يحدث في الحلم ولا في الأساطير ، شيء يشرّفني ويُسعدني ويبكيني ، أنا أبكي دائمًا حين يتحوّل الشعر إلى معبد والناس إلى مُصلين ، أبكي دائمًا حين لا يجد الناس مكانًا يجلسون فيه، فيجلسون على أهداب عيوني ، أبكي دائمًا حين تختلط حدودي بحدود الناس ، فلا أكاد أعرف من منا الشاعر ومن منا المُستمع ، أبكي دائمًا حين يصبح الناس جزءًا من أوراقي ، جزءًا من صوتي ، جزءًا من ثيابي ، أبكي لأن مدينة عربيّة، مدينة واحدة على الأقل لا تزال بخير ، والسودان بألف خير ، لأنه يفتح للشعر ذراعَيه ، كما تفتح شجرة التين الكبيرة ذراعَيها لأفواج العصافير الربيعيّة المولد ”
ويضيف نزار قباني قائلا :
” لم أكن أعرف – قبل أن أزور السودان – أي طاقة على السفر والرحيل تملك الكلمات ، ولم أكن أتصوّر قدرتها الهائلة على الحركة والتوالد والإخصاب ، لم أكن أتخيل أن كلمة تكتب بالقلم الرصاص على ورقة منسية قادرة على تنوير مدينة بأكملها ، على تطريزها بالأخضر والأحمر ، وتغطية سمائها بالعصافير .
أشعر بالزهو والكبرياء حين أرى حروفي التي نثرتها في الريح قبل عشرين عامًا تورق وتُزهر على ضفاف النيلَين الأزرق والأبيض.
هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء لا يصدّق ”
تلك هي الخرطوم بعيون نزار قباني .. هي مفترعة ” اللاءات الثلاثة ” في تاريخ الحركة السياسية العربية في مناصرتها للرئيس جمال عبدالناصر سنوات انتكاسته .
كما هي أكثر عواصم أوطان الشعوب المسلمة إصغاء لدقات قلب الأمة ، شدت في أفراح بلدانهم وبكت في أحزانهم ، وغضبت في غضباتهم .
وحسبنا حديثا عن ذلك المعنى ، مقال قديم للبروفيسور علي المك إذ قال :
” الخرطوم بين قريناتها كواسطة العقد وكحسناء الحي كل يشتهي وصلها و” كل يدعي وصلا بليلى” ..
لا السامبا ولا الرمبا تساويها
لا التانغو ولا سوينغو يدانيها
ولا طبل لدى العربان يوم الثار ولا رقص الهنود الحمر حول النار .
ولا هذي ولا تلك ولا الدنيا بما فيها ، تساوي رقصة الخرطوم يوم النصر يا سمرا .
ولا هذى ولا تلك
ولا الدنيا بما فيها
تساوى ملتقى النيلين في الخرطوم يا سمرا ” ..
وعن روافد تكوين الخرطوم ومغذياتها في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي ..
قال ” علي المك ” :
” كانت الخرطوم أم المدائن ، بل وعروسها ، تعلمها جامعة الخرطوم والمؤتمر ووادي سيدنا ومحمد حسين والأهلية ..
ويشنف آذانها بذكر الله صديق أحمد حمدون وعوض عمر وعبدالله الطيب ويزلزل منابرها الشريف الهندي والفضلي ونقد الله وعبد الخالق والترابي ” ..
هذه هي الخرطوم يعيدها الجيش إلى أهلها مرفوعة الرأس لعناق ” الأزرق للأبيض ” …
وأخيرًا الخرطوم للجميع.. لجميعِ السودانيين إلا الجنجويدي المغولي اللقيط الذي اتاها غازيًا .
فلن تكون الخرطوم للجنجويد ،
الخرطوم لعشاقها ،
ولن تكون للمسخرين لخرابها .
الخرطوم هي صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب .
د. فضل الله أحمد عبدالله
أم درمان ” حي الواحة ” 31 مارس 2025م
#معركة_الكرامة
#كتابات_سودانية
الدكتور فضل الله أحمد عبدالله
إنضم لقناة النيلين على واتساب