اتخاذ الخيارات في الفوضى الرقْمية
تاريخ النشر: 17th, January 2024 GMT
وكأن العالم قد أعلن عام 2024 عامًا انتخابيًّا؛ فالولايات المتحدة الأميركية، والهند، وتايوان، وإندونيسيا، وتركيا، وبنغلاديش، والمكسيك، وباكستان، وروسيا، ليست سوى بعض الدول التي ستُجرى فيها الانتخابات هذا العام.
وهناك نقاش حول ما يجب إجراؤه في هذه الانتخابات: فهل ستتأثر اختيارات الناخبين في ظل بيئة الفوضى الرقْمية؟
الفوضى الرقمية تؤثر على حياتنا وانتخاباتنالقد رأينا لأول مرة مثالًا على التلاعب الرقمي الذي يؤثر على الانتخابات، حيث إنه في الانتخابات الأميركية عام 2016؛ تم تسجيل هذا الحدث باسم: "فضيحة بيانات فيسبوك كامبريدج أناليتكا"، وتم الكشف عن أن الشركة حصلت بشكل غير قانوني على معلومات 50 مليون مستخدم من "فيسبوك"، وأثرت بطريقة ما على الناخبين.
وكانت المشكلة هنا هي أن "فيسبوك" باع معلومات المستخدمين للشركة دون موافقتهم، وأصبحت الفضيحة موضوع دعوى قضائية أدَّت إلى اعتذار "فيسبوك".
والآن؛ هناك المليارات من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والناخبين في البلدان التي ستجري الانتخابات، يتابعون حرفيًا جميع الأخبار والمعلومات من خلال هذه المنصات.
هل يمكن أن تحدث حالة مماثلة؟
يتناقص التواصل السياسي التقليدي وجهًا لوجه يومًا بعد يوم، ويتم الآن إنشاء العلاقات مع الناخبين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، وهذا يجعل من السهل التلاعب والتوجيه والتأثير؛ حيث يمكن لشركات التواصل الاجتماعي تحليل الأخبار التي تتأثر بها، وما هي ردود الفعل العاطفية التي تعطيها، وما هو الفعال في تغيير قرارات المستخدمين.
المنصات الرقْمية التي تعرف – حاليًا- بأنّها تؤثر عليك لبيع المنتجات، لا يعني هذا أنها لن تؤثر عليك سياسيًّا. والآن هناك خطر يجعلنا أكثر قلقًا بشأن هذه القضية: الذكاء الاصطناعي.
هل يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للتأثير على الانتخابات؟
إن استخدام الذكاء الاصطناعي، الذي تم تشبيهه بالقنبلة النووية، للتأثير على الناس في الانتخابات، تتم مناقشته بقلق؛ لأنه باستخدام الذكاء الاصطناعي، أصبح من الأسهل الآن اكتشاف سلوك الناخبين التصويتي وإحداث تأثير من شأنه أن يغير توجهاتهم الانتخابية.
ولهذا السبب، هناك مجالات غير محدودة للعمل في العالم الرقمي، من إنتاج مقاطع فيديو مزيفة تقلّد القادة بأساليب "التزييف العميق Deepfake" إلى إنتاج أخبار مزيفة. كما أنَّ مؤسسي ومديري شركة "أوبن إيه آي" التي أنشأت "شات جي بي"، أحد أقوى برامج الذكاء الاصطناعي في العالم، لا يعرفون بالضبط أيَّ حدود يمكن أن يصل إليها تطور هذا النظام في المستقبل.
لكن هناك تطورات تبرر مخاوفهم؛ فالذكاء الاصطناعي، الذي يتعلم التحدث مثل أي شخص من خلال مشاهدة مقاطع الفيديو والمحادثات والحركات الخاصة به، يمكنه أن يجعل هذا الشخص يتحدث بأي نصّ تريده.
وفي واقع الأمر؛ تم تداول مقاطع فيديو تقلد الرئيسَين الأميركيَّين السابقَين: أوباما، وترامب، والرئيس الأوكراني زيلينسكي، وبُذلت جهود لعدّة أيام لإثبات أنها كانت أكاذيب؛ فماذا سيحدث عندما يتم تداول الأخبار المزيفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي والتي يستحيل تمييزها عن الحقيقة؟
فجوة قانونيةتم رسم خريطة للتشريح الرقمي لـ 4.5 مليارات مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي: تبدأ من أي لون يحب، إلى أي وجهة نظر سياسية يقترب منها. كل هذه المعلومات في أيدي منصات التواصل الاجتماعي. والآن؛ ستقوم شركات الحملات بشراء هذه البيانات وإجراء تحليل لتوجهات الناخبين في البلدان التي تُجري انتخابات.
ومن خلال هذه التحليلات؛ سيتمكنون بسهولة من التعرف على ملفات الناخبين، وتحديد طرق الاتصال السياسي التي سيستخدمونها للتأثير عليهم، وهنا تبدأ المناقشات القانونية والأخلاقية؛ فهل يسمح مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام بياناتهم الشخصية، ومعلومات الاتصال الخاصة بهم في الحملات السياسية؟
بمعنى ما؛ هل تحصل "غوغل" أو "فيسبوك" أو "إكس" على هذا الإذن من كل مستخدم عن طريق النقر على زر "أوافق على جميع الشروط"، لكنني لا أعتقد أن ذلك يسمح باكتشاف الميول السياسية للمستخدم، ولكن باستخدام بيانات وسائل التواصل الاجتماعي؛ يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف ذلك وتحويله إلى مشروع سياسي دون إذن أحد، وهذا يظهر أيضًا كمشكلة أخلاقية.
جنون التلاعبلقد تزايدت عمليات التلاعب والأخبار الكاذبة والصور الخيالية في العالم الرقمي بشكل كبير، حيث يتم الآن إنشاء وحدات خاصة لمكافحتها؛ فعلى سبيل المثال؛ أنشأت مديرية الاتصالات التابعة للرئاسة التركية وحدة خاصة تسمى: "مركز مكافحة التلاعب".
تقوم هذه الوحدة بتفكيك الأخبار والصور الكاذبة والمزيفة والتي لا أساس لها من الصحة والتي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي كل يوم وتحذير المواطنين من التعاطي معها، والقضية الأكثر اهتمامًا بهم هذه الأيام هي الأخبار الكاذبة التي تنتجها مصادر إسرائيلية فيما يتعلق بالحرب الإسرائيلية- الفلسطينية.
ويبدو لي أن هذا المركز سيكون لديه المزيد من العمل للقيام به في تركيا، التي ستجري الانتخابات البلدية في شهر مارس/آذار.، فخلال الحملات الانتخابية؛ تبذل الأحزاب السياسية جهودًا أكبر لتصحيح الأخبار الكاذبة الموجهة ضدها، بدلًا من توضيح موقفها؛ لأن سرعة انتشار الأخبار المزيفة أسرع بعدة مرات من الأخبار الحقيقية.
على وسائل التواصل الاجتماعي، يصدق الناس بشكل غريب كل الأخبار التي يصادفونها ويشاركونها، وهنا الخطر. ويمكن للذكاء الاصطناعي؛ الذي يعرف كافة الخصائص الشخصية للناخبين، أن يقدم لهم الأخبار/ المعلومات الخيالية بسهولة، الناس أيضًا يحبون هذا ويؤمنون بسهولة.
وهذه مشكلة معقدة للغاية وخطر يمكن أن يصيب العالم، وسنشهد هذا النقاش في الانتخابات المقرر إجراؤها في العديد من دول العالم عام 2024.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معنارابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسائل التواصل الاجتماعی الذکاء الاصطناعی من خلال
إقرأ أيضاً:
كيف وقع الذكاء الاصطناعي ضحية كذبة أبريل؟
اعتاد الصحفي بن بلاك نشر قصة كاذبة في الأول من أبريل/نيسان من كل عام على موقعه الإخباري المحلي "كومبران لايف" (Cwmbran Life)، ولكنه صُدم عندما اكتشف أن الذكاء الاصطناعي الخاص بغوغل يعتبر الأكاذيب التي كتبها حقيقة ويظهرها في مقدمة نتائج البحث، وفقا لتقرير نشره موقع "بي بي سي".
وبحسب التقرير فإن بلاك البالغ من العمر 48 عاما بدأ بنشر قصصه الزائفة منذ عام 2018، وفي عام 2020 نشر قصة تزعم أن بلدة كومبران في ويلز سُجلت في موسوعة غينيس للأرقام القياسية لامتلاكها أكبر عدد من الدوارات المرورية لكل كيلومتر مربع.
ورغم أنه عدل صياغة المقال في نفس اليوم ولكن عندما بحث عنه في الأول من أبريل/نيسان، صُدم وشعر بالقلق عندما رأى أن معلوماته الكاذبة تستخدمها أداة الذكاء الاصطناعي من غوغل وتقدمها للمستخدمين على أنها حقيقة.
يُذكر أن بلاك قرر كتابة قصص كاذبة في يوم 1 أبريل/نيسان من كل عام بهدف المرح والتسلية، وقال إن زوجته كانت تساعده في إيجاد الأفكار، وفي عام 2020 استلهم فكرة قصته من كون كومبران بلدة جديدة حيث يكون ربط المنازل بالدوارات من أسهل طرق البناء والتنظيم.
وقال بلاك: "اختلقت عددا من الدوارات لكل كيلومتر مربع، ثم أضفت اقتباسا مزيفا من أحد السكان وبعدها ضغطت على زر نشر، ولقد لاقت القصة استحسانا كبيرا وضحك الناس عليها".
إعلانوبعد ظهر ذلك اليوم أوضح بلاك أن القصة كانت عبارة عن "كذبة نيسان" وليست خبرا حقيقيا، ولكن في اليوم التالي شعر بالانزعاج عندما اكتشف أن موقعا إخباريا وطنيا نشر قصته دون إذنه، ورغم محاولاته في إزالة القصة فإنها لا تزال منشورة على الإنترنت.
وقال بلاك: "لقد نسيت أمر هذه القصة التي مر عليها 5 سنوات، ولكن عندما كنت أبحث عن القصص السابقة في يوم كذبة نيسان من هذا العام، تفاجأت بأن أداة غوغل للذكاء الاصطناعي وموقعا إلكترونيا لتعلم القيادة يستخدمان قصتي المزيفة ويظهران أن كومبران لديها أكبر عدد للدوارات المرورية في العالم".
وأضاف "إنه لمن المخيف حقا أن يقوم شخص ما في أسكتلندا بالبحث عن الطرق في ويلز باستخدام غوغل ويجد قصة غير حقيقية" (..) "إنها ليست قصة خطيرة ولكن الخطير حقا هو كيف يمكن للأخبار الكاذبة أن تنتشر بسهولة حتى لو كانت من مصدر إخباري موثوق، ورغم أنني غيرتها في نفس اليوم فإنها لا تزال تظهر على الإنترنت -فالإنترنت يفعل ما يحلو له- إنه أمر جنوني".
ويرى بلاك أن الذكاء الاصطناعي أصبح يشكل تهديدا للناشرين المستقلين، حيث تستخدم العديد من الأدوات محتواهم الأصلي دون إذن وتعيد تقديمه بأشكال مختلفة ليستفيد منها المستخدمون، وهذا قد يؤثر سلبا على زيارات مواقعهم.
وأشار إلى أن المواقع الإخبارية الكبرى أبرمت صفقات وتعاونت مع شركات الذكاء الاصطناعي، وهو أمر غير متاح له كناشر مستقل.
ورغم أن بلاك لم ينشر قصة كاذبة هذا العام بسبب انشغاله، فإن هذه التجربة أثرت عليه وجعلته يقرر عدم نشر أي قصص كاذبة مرة أخرى.