إندونيسيا تتبنى الواقعية والسلام
تاريخ النشر: 16th, January 2024 GMT
فى ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية بين إندونيسيا وإسرائيل ترغب جاكرتا فى اختراق جمود القضية الفلسطينية وتلافى تداعيات انزلاقها باتجاه الصراع المسلح من خلال تمكين الأمة والشعب الإندونيسى من مساعدة الفلسطينيين وتنشيط العلاقات القنصلية.
ومن منطلق التزاماتها كدولة إسلامية تُعد أكبر بلد إسلامى من حيث عدد السكان، وبسبب الخشية من انعكاسات الحرب فى غزة التى قد تطول والتحذيرات المتكررة من إمكانية استفادة الجماعات المتطرفة منها فى حربها الدعائية وأنشطة التجنيد، تجد إندونيسيا أنه حان الوقت للحضور بقوة فى المشهد باعتبارها صانعة للسلام، ولسحب البساط من تحت أقدام الحركات المتطرفة.
ودعت جامعة نهضة العلماء فى سورابايا (عاصمة إقليم جاوا الشرقية) فى ٢٥ ديسمبر إلى تظاهرة واجتماع خيرى لمساندة نضال الشعب الفلسطيني، وبلغ الحماس ذروته لدرجة تجميع أكثر من ١٠٠ مليون روبية إندونيسية خلال أقل من ثلاث ساعات.
وحذر نشطاء إندونيسيون من خطط إسرائيل لاستغلال الهجوم غير المسبوق الذى شنته حركة حماس فى السابع من أكتوبر الماضى والذى نتج عنه هجوم انتقامى وحرب إبادة تريد تل أبيب من ورائها إلغاء وجود الشعب الفلسطينى وتشكيل دولة جديدة منفردة تحت عنوان (إسرائيل الكبرى).
وحملت نخب فكرية وسياسية إندونيسية الدول العربية والإسلامية المسئولية من أجل التحرك وعمل ما يلزم للحيلولة دون تحقق هذه السيناريوهات التى تهدد استقرار جميع دول العالم، حيث لا تملك رفاهية التخلى عن أدوارها ومهماتها التاريخية تحت ذريعة أن ما جرى حصل نتيجة أخطاء الآخرين وتهورهم.
نقاط الضعف والقوة
رأى خبراء إندونيسيون مقربون من صناع القرار أن جزءًا من المأساة الفلسطينية وابتعاد الفلسطينيين عن فرض حل يحقق مصالحهم سببه الانفصال عن الاستراتيجية الذكية التى اتبعتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ قيادة ياسر عرفات من ١٩٩٤م إلى ٢٠٠٤م.
وأوضح الفريق أول متقاعد عبدالله محمود هيندروبريونو الأستاذ الفخرى بجامعة الدفاع بإندونيسيا أن خطة التحرير طويلة المدى- التى تحتاج لتكاتف جميع الفلسطينيين وتقوية منظمة التحرير- جرى تعطيلها بجهود من منظمات الإسلام السياسى مثل حركة حماس، ما جعل الشعب الفلسطينى يعيش أقسى معاناة عاشها شعب طوال تاريخ العالم.
ورأى هيندروبريونو الذى يدرس العلوم الاستخباراتية وشغل فى السابق منصب رئاسة استخبارات الدولة، أن قادة العالم العربى والإسلامى السنى رغم رغبتهم فى نصرة فلسطين والإسهام فى حل القضية بشكل عادل، إلا أن ارتباط حركة حماس بالأجندة العالمية لجمهورية إيران الإسلامية الشيعية جعلتهم مُقيدين سياسيًا.
وقلل ارتهان حماس لأهداف ومصالح إيران إلى حد كبير من رغبة وقدرة قادة العالم العربى والعالم الإسلامى السنى بمن فيهم إندونيسيا فى لعب دور فى التوصل لحلول واقعية للمعضلة الفلسطينية وهم يمتلكون مفاتيحها.
وتترسخ قناعة لدى خبراء وسياسيين إندونيسيين مفادها أن السير الوهمى بلا طائل وراء تحقيق هدف مستحيل التحقق تتبناه جمهورية إيران الإسلامية وهو محو إسرائيل من فوق خارطة الأرض، مثل نقطة ضعف للعالم العربى والإسلامى السنى وحرم القضية الأولى للعرب والمسلمين من الجهود الكاملة لقوى عربية وإسلامية كبرى ووازنه فى أفريقيا وآسيا مثل المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر وإندونيسيا.
ويجد هؤلاء أن الآمال معقودة على تصويب أخطاء السنوات الماضية ووضع الأمور فى نصابها الصحيح وإعادة القضية لأصحابها الحقيقيين الذين يعملون بجد وإخلاص ورشد ومن خلال التحلى بالواقعية فى سبيل استعادة الحقوق والكرامة للشعب الفلسطيني.
ولن تتحقق مكاسب وتقدم فعلى إلا عبر جهود الداعمين التاريخيين للقضية الفلسطينية وتمكين حركة فتح من الإمساك بدفة قيادة الفلسطينيين باتجاه إنجاز الاستقلال.
وقال إن مواصلة المقاومة والنضال بمعزل عن تصدير شعارات الحركات الدينية المتعلقة بالقضاء على معتنقى الديانات الأخرى ومحوهم من الوجود، واستعادة حركة فتح للقيادة بدعم قوى من قبل الدول العربية والإسلامية هو بمثابة الضامن الوحيد لإصلاح الإعوجاج والخلل ووضع الفلسطينيين مجددًا على طريق استرداد حقوقهم والحفاظ على كرامتهم.
ويضمن هذا المسار دعم المجتمع الدولى وجلب تعاطف العالم مع القضية الفلسطينية؛ وإزالة آثار الدعاية الإسرائيلية حول العالم بشأن مزاعم كونها تحارب تنظيمات إرهابية شبيهة بالقاعدة وداعش وليس حركات مقاومة وطنية.
ويتيح تهميش أدوار الحركات المتطرفة تمكن الدول العربية والإسلامية من امتلاك أدوات دحض رواية القادة الإسرائيليين الذين روجوا بقوة لدى الرأى العام العالمى أن القادة الفلسطينيين يسعون للقضاء على اليهود على غرار هدف القادة النازيين الألمان فى ١٩٤١-١٩٤٥م.
ووفقًا لرؤية الفريق أول متقاعد عبدالله محمود هيندروبريونو، فإن العالم العربى والإسلامى يمتلك نقاط قوة غير عسكرية منها نحو ٤ ملايين مسلم فى إنجلترا وويلز بينهم سياسيون، و١٥ ألفًا ضمن النخب المثقفة المؤثرة، علاوة على ٥ ملايين عربى من ذوى النفوذ المالى والاقتصادى بفرنسا والعديد من الشخصيات العامة البارزة ونحو ١٠ بالمئة من المسلمين السنة.
ويمكن حشد وتحفيز هذه الأعداد المؤثرة لتوسيع النضال السياسى والشعبى على غرار عقيدة الكفاح للشعب الإندونيسى وهو ما سيدعمه عصر السماوات المفتوحة والذكاء الاصطناعي، بهدف إجبار العالم على التعاون من منطلق السعى لتسوية سلمية على أساس حل الدولتين، وهى الخطة الأكثر ذكاء والأكثر قابلية للتطبيق لنسف دعاية إسرائيل المضادة.
خارطة طريق
ورشح الدكتور أسعد سعيد على نائب رئيس المخابرات الإندونيسى الأسبق جهود مصر وإندونيسيا لرسم خارطة طريق لحل القضية الفلسطينية استنادًا لتأثيرهما فى المحافل الإقليمية والدولية ولثقلهما العربى والإسلامي، لافتًا إلى ضرورة تحقيق الآمال الفلسطينية عبر دولة مستقلة بالتوازى مع توفير الضمانات الأمنية لدولة إسرائيل.
ورغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بين إندونيسيا وإسرائيل استنادًا للدستور الذى يحظر استعمار الدول، إلا أن عبارة (ممنوع زيارة إسرائيل) التى كانت مكتوبة على جواز سفر المواطنين الإندونيسيين قد أزيلت منذ عهد نظام الرئيس محمد سوهارتو بداية من سبعينات القرن الماضي.
ويجد أسعد سعيد على الذى يشغل حاليًا منصب مستشار جمعية نهضة العلماء بإندونيسيا أن الزيارات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية بين الدول العربية والإسلامية يمكن أن تسرع التفاهم المتبادل، بحيث تصبح جسرًا نحو السلام وفتح علاقات دبلوماسية تفضى إلى إقناع إسرائيل بضمانات أمنية.
وتضع هذه التصورات فى الاعتبار ضرورة الاستفادة من جهود الجاليات اليهودية بجميع دول العالم التى ترفض تمويل حرب إسرائيل على غزة وتجد فى عصر العولمة فرصًا لتدشين تجارة عالمية تقرب بين الثقافات والحضارات وتعزز السلام والتواصل بين شعوب العالم.
وأسهمت ضغوط الجاليات اليهودية حول العالم فى السابق فى إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام ١٩٨٢م.
وطرح عضو جمعية نهضة العلماء أسعد سعيد على مشروعًا يتأسس على ضم زيارة القدس الشريف بالنسبة للإندونيسيين بعد أداء العمرة إلى مكة والمدينة كل عام، علاوة على تمكين المسيحيين من زيارة بيت لحم.
يعزز هذا النشاط الدينى والسياحى شعور الفلسطينيين واليهود تدريجيًا بالعوائد الاجتماعية والاقتصادية جراء التواصل مع مواطنى الدول العربية والإسلامية حول العالم وخاصة إندونيسيا أكبر بلد إسلامى من حيث عدد السكان.
ويدعم المشروع إذا تم تنفيذه الصيغة السياسية والدينية المتعلقة بكون المسجد الأقصى (القدس الشرقية) هو مكان مشترك لكل أبناء الرسالات السماوية (الإسلامية واليهودية والمسيحية)، كأساس لتشكيل وعى مواطنى العالم باتجاه تحقيق السلام.
ويطالب سياسيون ومثقفون إندونيسيون الدول العربية والإسلامية بممارسة الضغوط على كافة المستويات على الدول الأوربية خاصة بريطانيا وفرنسا لتتحمل مسؤولية أفعالها بعد الحرب العالمية الثانية وأن تبقى بعيدة عن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية المساندة لإسرائيل.
ولدى بريطانيا ودول أوربية أخرى فرصة تاريخية للتكفير عن أخطائها السابقة خاصة تلك المتعلقة بتأسيس إسرائيل داخل قلب العالم العربى والإسلامى لأهداف نفعية ولفرض السيطرة على الشرق الأوسط، من خلال الإسهام فى منح الفلسطينيين دولتهم المستقلة بعد طول نضال وصبر، بدلًا من السير فى فلك المؤامرة عليهم وعلى دول الجوار الفلسطيني.
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: اندونسيا غزة الدول العربیة والإسلامیة العالم العربى
إقرأ أيضاً:
الجامعة العربية تعلن عن إطلاق المؤتمر الدولي لمكافحة كراهية الإسلام
أعلنت جامعة الدول العربية، السبت، عن إطلاق مؤتمر دولي لمواجهة ظاهرة الزيادة المقلقة في خطاب الكراهية والتمييز ضد المسلمين في تموز/ يوليو القادم.
يأتي الإعلان بالتزامن مع "اليوم العالمي لمكافحة كراهية الإسلام" الذي يوافق الـ15 من آذار/ مارس من كل عام.
وقالت الجامعة إن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بالتعاون مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، ستنظم "المؤتمر الدولي لمكافحة كراهية الإسلام" تحت شعار "الإسلاموفوبيا: المفهوم والممارسة في ظل الأوضاع العالمية الحالية".
يأتي هذا المؤتمر، بحسب بيان للجامعة على موقعها الإلكتروني، في إطار مواجهة ظاهرة الزيادة المقلقة في خطاب الكراهية والتمييز ضد أتباع الدين الإسلامي، والتي تفاقمت بشكل كبير نتيجة للأزمات العالمية والنزاعات التي تعمق الانقسامات الثقافية والدينية بين شعوب العالم.
ويسعى المؤتمر، وفق منظميه، إلى تسليط الضوء على هذه الظاهرة وسبل مواجهتها وتعزيز قيم العيش المشترك والاحترام المتبادل بين أتباع الأديان.
وقالت الجامعة في بيانها إن "مكافحة كراهية الإسلام يتطلب استراتيجيات شاملة تعزز قيم التسامح والتنوع الثقافي والديني، بما في ذلك التوعية التعليمية والإعلامية بأهمية الحوار وعدم التمييز، ودعم المبادرات التي تعزز الحوار بين الأديان وتقوية الروابط بين المجتمعات المختلفة، والعمل نحو بناء مجتمع شامل وعادل، يحتفي بالتنوع الديني والثقافي كقوة دافعة نحو التقدم وليس عائقًا للنمو من أجل بناء عالم يسوده السلام والتفاهم".
بمناسبة #اليوم_العالمي_لمكافحة_كراهية_الإسلام، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تعلن عن إطلاق "المؤتمر الدولي لمكافحة كراهية الإسلام".https://t.co/s9IZwsMptv pic.twitter.com/Gy8SXCxWRD
— جامعة الدول العربية (@arableague_gs) March 15, 2025من جهتها أعربت السفيرة هيفاء أبو غزالة، الأمين العام المساعد رئيس قطاع الشؤون الاجتماعية، عن التزام جامعة الدول العربية "ببذل كل الجهود من أجل مكافحة جميع أشكال الكراهية والتمييز".
وشددت أن الدين الإسلامي يدعو إلى السلام والعدل والتسامح، وأكدت على أهمية التعاون الدولي لتصحيح الصور النمطية التي لا تزال تحيط بالدين الإسلامي.
وأكدت أبو غزالة أن التعليم والتوعية هما ركيزتان أساسيتان في التصدي للصور النمطية السلبية التي تُروج ضد الإسلام والمسلمين، مما يتطلب جهودًا مشتركة لنشر قيم السلام والانفتاح.
وتدعو جامعة الدول العربية جميع الأطراف الدولية إلى توحيد الجهود للتصدي لكافة أفعال الكراهية الدينية والتعدي على المعتقدات، وأي عمل من شأنه تشويه صورة الأديان والتمييز ضد الأشخاص على أساس دينهم أو معتقدهم ومكافحة كل أشكال التمييز وخطابات الكراهية.
كما تدعو لضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى تشجيع الحوار العالمي حول تعزيز ثقافة التسامح والسلام على جميع المستويات، واحترام التنوع الديني لبناء جسور التفاهم والتعايش السلمي، والعمل معًا للخروج من دوامات الكراهية والصراع نحو عالم يحتفي بالتنوع والاحترام المتبادل.
يذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اتخذت قرار في 17 آذار/ مارس 2022 باعتماد اليوم الخامس عشر من آذار/ مارس من كل يوما يوما عالميا لمكافحة كراهية الإسلام.