ما سر موقف عُمان الحاد من الهجمات على الحوثيين باليمن؟..تقرير
تاريخ النشر: 16th, January 2024 GMT
تفاوتت ردود الفعل الدولية والعربية ومواقف دول بالمنطقة وفي مقدمتها الخليجية، إزاء الهجمات التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد مواقع تابعة للحوثيين في اليمن، بين القلق والإدانة والدعوات إلى ضبط النفس ومنع اتساع نطاق الصراع.
وبينما عبرت السعودية والإمارات والكويت عن قلقها من التصعيد وطالبت بضبط النفس، كان صوت عُمان مختلفاً عن الدول الخليجية الأخرى، بعدما أكدت "استنكارها اللجوء إلى هذا العمل العسكري" من قبل دول وصفتها بـ"الصديقة"؛ في إشارة إلى واشنطن ولندن التي تربطها بهما علاقات واسعة.
وتستثمر سلطنة عمان حيادها السياسي ودبلوماسيتها الخفية من أجل إنهاء الاقتتال الدائر بين الأطراف اليمنية وفي وقف التصعيد بالبحر الأحمر والمنطقة، وقد تجد في هذا الهجوم سبباً لإقصاء تحركاتها الدبلوماسية لوضع نهاية لأسوأ أزمة عاشها البلد المجاور لها.
غضب عُماني
عكس جيرانها الخليجيين الذين التزموا الحياد وأكدوا ضرورة وقف التصعيد في اليمن والمنطقة، صعَّدت عُمان انزعاجها وتنديدها بالقصف الذي استهدف الحوثيين (12 يناير 2023)، واعتبرته "ازدواجية معايير من الغرب".
وانتقد وكيل وزارة الخارجية العمانية للشؤون الدبلوماسية، خليفة بن علي الحارثي، شنَّ ضربات أمريكية وبريطانية، قائلاً في منشور على منصة "إكس": إن "إصابة بعض السفن التجارية حركت أسلحة وطائرات العالم الغربي (الحر)، في حين أن إبادة إسرائيل أكثر من عشرين ألف فلسطيني لم تحرك ضمائرهم حتى لإصدار بيانات لوقف إطلاق النار".
كما استنكرت عُمان الهجمات عبر بيانٍ لخارجيتها، وقالت في بيان: إنها تتابع "بقلق بالغ، تطورات القصف الأمريكي البريطاني الذي طال عدة مدن في الجمهورية اليمنية الشقيقة".
وقال البيان: إن السلطنة "لا يمكنها إلا أن تستنكر اللجوء إلى هذا العمل العسكري من قِبَلِ دول صديقة، بينما تتمادى إسرائيل في قصفها وحربها الغاشمة وحصارها لقطاع غزة دون حساب أو عقاب".
وأكد أن سلطنة عُمان "حذرت مراراً من توسع دائرة الصراع والمواجهة في المنطقة نتيجة للعدوان الإسرائيلي المستمر على الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصةً عمليات القتل والتنكيل والتدمير والتجويع بحق المدنيين والسكان في قطاع غزة".
وجددت "موقفها الداعي إلى السلام العادل والشامل وذلك تحقيقاً لأمن واستقرار المنطقة وانتعاش النمو والازدهار للجميع"، مناشدةً جميع الأطراف "وقف التصعيد والعمليات العسكرية، والتركيز على معالجة الأسباب الجذرية والحقيقية للأزمة".
"الإطفائي" الخليجي
لعل درجة الخطورة والتعقيد التي بلغتها عملية استهداف الحوثيين لحركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب، حولت منذ أسابيع، الأنظار صوب سلطنة عمان ذات الخبرة في معالجة الملفات المعقدّة عبر الوساطات بين أكثر الفرقاء تنافراً، لنزع فتيل الأزمة ومنع تحولها إلى حرب جديدة لا تحتملها المنطقة.
وبدا أن الغضب العُماني أيضاً إلى جانب دبلوماسيتها في اليمن، جاء في وقتٍ كان من المفترض أنها تقود وساطة لوضع بصمتها على الأزمة الحادة في البحر الأحمر وامتصاص أثرها على سير سفن الشحن الدولية.
وكان ذلك لافتاً من خلال ما كشفته جماعة الحوثي (16 ديسمبر 2023)، حين تحدثت عن رعاية عمان لعملية تواصل مع جهات دولية لخفض التصعيد في البحر الأحمر، قبل أن تتطور الأمور لاحقاً منتصف الشهر الجاري، إلى ردٍّ دولي على الحوثيين.
وتعتبر العلاقة المتينة التي احتفظت بها سلطنة عمان مع الحوثيين ومع إيران التي تقف خلفهم، نقطة قوة إضافية كانت ولا تزال تؤهل مسقط للعب دور إيجابي في حلحلة قضية الاعتداءات على حركة الملاحة الدولية، على الرغم من التصعيد الأخير.
وتضع جماعة الحوثي تهديداتها للملاحة الدولية تحت عنوان دعم قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية، في حين ترى الحكومة اليمنية أن أهداف الجماعة مرتبطة بالسياسات الإيرانية التي قد يكون ضمن حساباتها توسيع الحرب الدائرة في القطاع باستخدام أذرعها بالعراق ولبنان واليمن؛ لتتخذ من ذلك ورقة ضغط على خصومها الإقليميين والدوليين.
عدوان صارخ
يؤكد الكاتب السياسي العُماني عوض باقوير، أن الموقف السياسي العماني "ينطلق من ثوابت راسخة تعتمد على ضرورة وقف أي عدوان لا يستند إلى أي شرعية دولية".
ويوضح باقوير لـ"الخليج أونلاين"، أن ما سماه "العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن يعد عدواناً صارخاً، حيث لا يستند إلى أي قرار من مجلس الأمن الدولي، علاوة على أن التصعيد العسكري في البحر الأحمر قد يشعل المنطقة".
وأضاف: "من هنا كان موقف السلطنة حازماً تجاه تلك التجاوزات الأمريكية والبريطانية، وقد نصحت واشنطن بعدم الإقدام على التصعيد، خاصةً أن مسقط لعبت دوراً كبيراً في الأزمة اليمنية؛ حيث تم وقف الحرب، وهناك مساعٍ لوضع خارطة طريق للسلام بين الفرقاء اليمنيين".
وأكمل: "من هنا فإن الجهود العمانية سوف تتواصل مع الولايات المتحدة الأمريكية لوقف هذا التصعيد الخطير في البحر الأحمر والاعتداء على اليمن".
ويشير إلى أن الدبلوماسية العمانية "تتمتع بمصداقية كبيرة لدى المجتمع الدولي وضمن ذلك الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية"، مؤكداً أن "الكيان الإسرائيلي هو المحرض الأول على التصعيد (في البحر الأحمر)؛ لصرف الأنظار عن المجازر التي يرتكبها يومياً ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وعموم فلسطين".
الوسيط في اليمن
جاء البيان العُماني المستاء من العملية، وتصريحات المسؤولين، ليستندا إلى ما تم إحرازه من تقدم بجهود السلام في اليمن، بعدما لعبت السلطنة دوراً رئيساً في الوساطة التي أفضت إلى تهدئة الصراع وإطلاق مسار تفاوضي بين الحوثيين والسعودية، أفضى إلى الاتفاق بشأن خارطة طريق للسلام.
وكانت الولايات المتحدة ذاتها من المشاركين عبر مبعوثها الخاص إلى اليمن تيم ليندركينغ، جنباً إلى جنب مع السعودية، في دفع جهود السلام، وتبدي عبر خطابها الدبلوماسي اهتماماً بالحفاظ على زخم تلك الجهود وحمايتها من الانتكاس والتراجع.
وعُمان هي البلد الذي يملك أكبر حصة من النفوذ على الحوثيين بعد إيران، فالمسؤولون الحوثيون (فريق التفاوض) يوجدون في مسقط منذ عام 2015، وتؤمن السلطنة غطاءً كافياً للاعبين الدوليين في التعامل مع وفد الحوثيين.
كما ترتبط عُمان بعلاقات تاريخية قديمة مع اليمن، وتبلغ الحدود المشتركة بين البلدين قرابة 288 كيلومتراً، واستقطبت اهتمام اليمنيين؛ لما قدمته من بعض الخدمات لهم، خصوصاً مدينة المهرة المجاورة لها.
وتُعتبر المهرة من المدن اليمنية القليلة التي لم تدخل ضمن الصراع في اليمن، إلا أنها لم تسلم من تنفيذ أنشطة عسكرية، خصوصاً من بريطانيا حليفة عُمان، التي قالت إنها تمتلك قوات عسكرية في المحافظة؛ بهدف مكافحة الإرهاب والتهريب، وهو الأمر الذي تخشى مسقط أن يؤثر على أمن حدودها وسط مخاوف من أي هجمات انتقامية من الحوثيين تجاه القوات البريطانية.
المصدر: مأرب برس
إقرأ أيضاً:
الشلفي يورد عدة مؤشرات على فشل واشنطن في تحقيق أهدافها ضد الحوثيين بعد 3 أسابيع من القصف
أورد الكاتب الصحفي أحمد الشلفي، عدة مؤشرات على فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها ضد جماعة الحوثي في اليمن وذلك بعد ثلاثة أسابيع من بدء القصف الأمريكي.
وقال الشلفي وهو محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة -في مقال له نشره عبر صفحته في فيسبوك- إنه رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الضربات الأمريكية المكثفة ضد مواقع جماعة الحوثي في اليمن، يبدو أن نتائج هذه الحملة العسكرية لا تزال بعيدة عن تحقيق الأهداف المعلنة.
واضاف "هناك عدة مؤشرات إلى أن الولايات المتحدة لم تنجح في شل قدرات الجماعة أو كبح أنشطتها"، وأول هذه المؤشرات بحسب الشلفي أن مصادر في وزارة الدفاع الأمريكية صرّحت لوسائل إعلام أمريكية أن جماعة الحوثي لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية تمكّنها من تنفيذ هجمات على السفن في البحر الأحمر، واستهداف المصالح الأمريكية، بل وحتى استهداف إسرائيل.
ويرى أن هذا الإقرار بقدرة الجماعة على مواصلة الهجمات يكشف أن الضربات الجوية، رغم كثافتها، لم تحقق تأثيراً حاسماً في شل البنية العسكرية للحوثيين.
"المؤشر الثاني وفقاً لتقارير أمريكية، فقد بلغت تكلفة الحملة الجوية الأمريكية على اليمن خلال الأسابيع الثلاثة الماضية نحو مليار دولار. يضيف الشلفي "برغم هذه الكلفة الضخمة، لم تُعلن واشنطن عن تحقيق إصابات استراتيجية نوعية، كما لم تكشف عن طبيعة الأهداف التي تم قصفها، وهو ما يعزز الشكوك حول فاعلية هذه الحملة".
وطبقا للكاتب فإن الولايات المتحدة لم تعلن حتى الآن عن مقتل أي قيادي بارز من الصفين الأول أو الثاني في جماعة الحوثي، ما يطرح تساؤلات حول دقة المعلومات الاستخبارية التي استندت إليها الضربات، ومدى جدوى التركيز على أهداف غير حاسمة.
وقال "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شدد في أكثر من تصريح على “نجاح الهجمات”، إلا أن الواقع الميداني لا يعكس هذا التفاؤل. فالهجمات لم توقف الهجمات الحوثية، ولم تُحدِث تحولاً ملموساً في المعادلة العسكرية على الأرض، ما يجعل هذه التصريحات أقرب إلى الخطاب الدعائي منها إلى التقييم الواقعي".
واستدرك الشلفي "نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صورة جوية لاستهداف لما قيل إنه اجتماع لقيادات حوثية، اتضح لاحقاً – وفقاً لمصادر يمنية – أنه اجتماع قبلي محلي لا علاقة له بالجماعة. هذه الحادثة، التي نالت تفاعلاً واسعاً، تكشف عن خلل استخباراتي أميركي قد يفسر محدودية الإنجازات على الأرض".
وزاد "كلما أعلنت الولايات المتحدة أن ضرباتها الجوية “حققت نجاحاً”، جاء الرد الحوثي سريعاً ومباشراً، من خلال تكثيف الهجمات على السفن والبوارج الأمريكية في البحر الأحمر، أو عبر إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل. بل إن جماعة الحوثي ذهبت أبعد من ذلك بتهديدها بمواصلة التصعيد، ما يكشف بوضوح أن الحملة لم تُفقدها القدرة أو الإرادة على الفعل، بل على العكس، يبدو أنها عززت من خطابها التعبوي".
وأردف "استمرت جماعة الحوثي في إسقاط الطائرات الأمريكية بدون طيار، مما يشير إلى امتلاكها لقدرات دفاع جوي فعّالة، ويعكس تحديًا للعمليات الجوية الأمريكية في المنطقة".
وخلص الكاتب الشلفي في مقاله إلى القول إن "مجمل المؤشرات تقود إلى نتيجة واضحة: الحملة الأمريكية على الحوثيين، حتى الآن، لم تحقق أهدافها المعلنة. فالجماعة لا تزال تمتلك القدرة على تهديد الملاحة الدولية، ولم تُصب قياداتها بأذى، فيما تتكبد واشنطن تكلفة باهظة بلا إنجاز نوعي".
وأكد أن هذا الواقع يفرض على صناع القرار في واشنطن إعادة النظر في الاستراتيجية الحالية، أو المخاطرة بالانزلاق نحو استنزاف طويل وغير محسوب النتائج.