ما متطلبات الاقتصاد والأمن العالميين؟
تاريخ النشر: 15th, January 2024 GMT
يمر النظام العالمي الآن بتغيرات كُـبرى تتطلب أجندة جديدة لضمان الأمن الاقتصادي. فمن الحروب الساخنة وحركات التمرد المحلية إلى المواجهات بين القوى العظمى، تسبب الصراع الجيوسياسي في تحويل العلاقة المعقدة بين الاقتصاد والأمن إلى مصدر قلق يومي للناس العاديين في كل مكان. وتزداد الأمور تعقيدًا على تعقيد بفعل حقيقة مفادها أن الأسواق الناشئة تكتسب مزيدًا من النفوذ الاقتصادي وتتحدى بشكل مباشر هيمنة القوى التقليدية التي طال أمدها من خلال شبكات وتحالفات استراتيجية جديدة.
كانت هذه التطورات وحدها كفيلة بجعل هذه الفترة مضطربة تتسم بعدم الاستقرار الاقتصادي، والتضخم، وارتباكات سلاسل التوريد. ولكن يتعين علينا أن ننتبه أيضا إلى التقدم التكنولوجي السريع -الذي أدى إلى ظهور مخاطر أمنية جديدة (مثل سباقات التسلح والتهديدات السيبرانية)- فضلاً عن المخاطر الطبيعية مثل الجوائح الـمَـرَضية وتغير المناخ.
لكي نبحر عبر أهوال هذا العالم الجديد الخطير، يتعين علينا أن نضع في الحسبان ثلاثة أبعاد مترابطة: التأثيرات التي تخلفها التطورات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي، وتأثير العلاقات الاقتصادية العالمية على الأمن القومي، والعلاقة بين المنافسة الاقتصادية العالمية والرخاء في عموم الأمر. يلقي كل مسار الضوء على التفاعل المتعدد الأوجه بين الاقتصاد والأمن. ينبغي لنا أن نفهم كل هذه التحديات إذا كان لنا أن ننجح في التصدي للتحديات المتنوعة والمعقدة التي يفرضها نظامنا العالمي المترابط إلى حد كبير. وكما أظهرت السنوات الأخيرة، فقد تؤثر العوامل الجيوسياسية بشكل عميق على الاقتصاد العالمي، فتعيد تشكيل التجارة، وتدفقات الاستثمار، والسياسات في بعض الأحيان، بين عشية وضحاها تقريبا.
فضلا عن خسائرها البشرية المدمرة، فإن حروبًا مثل الحرب الروسية الأوكرانية والحملة التي تشنها إسرائيل في غزة غالبا ما يتردد صداها إلى ما هو أبعد من المسرح المباشر للصراع. على سبيل المثال، تسببت العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، وارتباك صادرات الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى عنان السماء، الأمر الذي أدى إلى انعدام أمن الإمدادات والتضخم على نطاق عالمي. علاوة على ذلك، عملت الصين على تعميق علاقاتها الاقتصادية مع روسيا في أعقاب هجرة الشركات الغربية الجماعية في عامي 2022 و2023.
على نحو مماثل، كان قصف إسرائيل لغزة سببا في زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بالكامل، وخاصة البلدان المجاورة التي تعتمد على السياحة مثل مِـصر والأردن ولبنان. في الوقت ذاته، دأب الحوثيون اليمنيون، على مهاجمة سفن الشحن في البحر الأحمر، مما دفع شركات الشحن الدولية إلى تعليق أو تعديل طرقها، وبالتالي إعاقة التجارة بشكل مباشر عبر قناة السويس وهي شريان رئيسي للتجارة العالمية.
نحن نشهد الآن الآثار المزعزعة للاستقرار الناجمة عن التهديدات الطبيعية أيضا. فقد دفعت جائحة كوفيد-19 تحولا هائلا بعيدا عن سلاسل التوريد القائمة على «التوقيت المناسب» والفعّـالة من حيث التكلفة وإلى نموذج «في حال إذا طرأت الحاجة» الذي يهدف إلى تعزيز المرونة أثناء الارتباكات. وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، تسببت موجة الجفاف الناجمة عن ظاهرة النينيو في تقليص قدرة قناة بنما وهي شريان رئيسي آخر للتجارة العالمية.
وسواء كان ذلك لأسباب جيوسياسية أو بيئية، فإن تغيير المسار حول هذه الاختناقات الجديدة سيؤدي حتما إلى زيادة تكاليف الشحن، وتأخير التسليم، وتعطيل سلاسل التوريد العالمية، وخلق ضغوط تضخمية.
بالانتقال إلى البعد الثاني -العواقب التي تخلفها العلاقات الاقتصادية العالمية على الأمن القومي- من الواضح أن البلدان ستكون أكثر ميلا إلى تبني سياسات أمنية جريئة أو عدوانية إذا كانت تمتلك بالفعل شبكة من العلاقات الاقتصادية القادرة على اجتذاب الدعم أو إخماد المعارضة.
الصين، على سبيل المثال، تعتمد على حَـمْـل دول غير مستقلة اقتصاديا ضمن مبادرة الحزام والطريق على قبول نفوذها السياسي. كما تعتمد دول عديدة الآن على الصين لتأمين مكونات سلاسل التوريد الحرجة المرتبطة بالدفاع. على نطاق أوسع، تُـسـتَـخـدَم الترابطية العالمية، في هيئة الشبكات الاقتصادية، ومرافق البنية الأساسية كسلاح على نحو متزايد لتحقيق أهداف جيوسياسية. وكما تُـظـهِـر الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا، فإن العلاقات الاقتصادية من الممكن أن تخلق تبعيات ترفع تكلفة معارضة السياسات الأمنية الحازمة (أو حتى العدوان الصريح). ويخلف التهديد الضمني بانقطاع الإمدادات تأثيرا قهريا -في بعض الأحيان قد يكون هذا التأثير خفيا خبيثا- على أهداف الأمن الوطني لأي بلد.
ونظرا لتأثيرات الشبكة التي يفرضها نظام الدولار، تحتفظ الولايات المتحدة بقدر من النفوذ يسمح لها بفرض النظام الدولي من خلال فرض عقوبات قسرية ضد الدول التي تنتهك المعايير الدولية. قد تكون التجارة مع العدو مربحة، أو عملية ببساطة، لكنها تغير أيضا ديناميكيات توزيع القوة. وكما تعلمت الحكومات الغربية على مدار العقدين الماضيين، فإن المزايا التي يمنحها التفوق التكنولوجي يمكن التعويض عنها إلى حد كبير من خلال عمليات نقل التكنولوجيا القسرية، وسرقة الملكية الفكرية، والهندسة العكسية.
أما البعد الثالث -العلاقة بين المنافسة الاقتصادية العالمية والرخاء- فقد تَـعَـقَّـد بفِعل هاتين الديناميكيتين؛ لأن السعي وراء الرفاهة المادية الآن لابد وأن يوزن في مقابل اعتبارات أمنية. ولهذا، تتمحور المناقشات في هذا المجال حول مفهوم الأمن الاقتصادي، بمعنى الدخل المستقر والمدد الذي يمكن التعويل عليه من الموارد اللازمة لدعم مستوى بعينه من المعيشة. يعكس كل من شعار دونالد ترامب «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» وخطة الرئيس جو بايدن «إعادة البناء بشكل أفضل» المخاوف من أن تُـلـحِـق العلاقات الاقتصادية مع الصين الضرر برخاء الولايات المتحدة.
يتمثل التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة وحلفاءها في إدارة التوترات بين هذه الأهداف الاقتصادية والأمنية المتباينة. لا يخلو الأمر من صراع محتمل بين التكيف مع التحولات التي تحركها السوق والتغيرات الجيوسياسية في القوة الاقتصادية من ناحية، والحفاظ على القوة الاقتصادية لتمويل قوة عسكرية قادرة على حماية الاقتصاد العالمي من ناحية أخرى.
يتعين على الولايات المتحدة، باعتبارها القوة المهيمنة، أن تظل راغبة وقادرة على الحفاظ على اقتصاد عالمي مفتوح وقائم على القواعد ونظام دولي سلمي. وهذا يتطلب استثمارات إضافية في القدرات العسكرية والتحالفات لمواجهة العدوان الإقليمي وحماية الممرات البحرية، فضلا عن سياسات وأطر بيئية أقوى لتوزيع المكاسب الاقتصادية العالمية وفقا لمبادئ السوق. بمحاولة التخفيف من المخاطر الأمنية من خلال تقليص العولمة (إعادة التصنيع إلى الداخل، والتصنيع في الداخل، والاستعانة بالأصدقاء)، فإننا نخاطر بالإضافة إلى التهديدات الاقتصادية والأمنية التي يفرضها عالم أكثر تشرذما. ورغم أن العلاقات الاقتصادية مع المنافسين من الممكن أن تخلق تبعيات خطيرة، فإنها قد تعمل أيضا كضمانة ضد العداوة.
يجب أن تتعامل الحكومات كافة مع هذه التوترات في حين تعمل على وضع أجندة جديدة للأمن الاقتصادي. الواقع أن العالم يتحول سريعا إلى مكان أكثر عدائية وخطورة. ولتحقيق أعظم قدر من الأمن والرخاء؛ يتعين علينا أن نفهم التفاعل المعقد بين القوى التي تخلقهما.
كارلا نورلوف أستاذة العلوم السياسية بجامعة تورنتو، وزميلة غير مقيمة في المجلس الأطلسي.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: العلاقات الاقتصادیة الاقتصادیة العالمیة الولایات المتحدة سلاسل التورید من خلال
إقرأ أيضاً:
الإمارات تشارك في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في رواندا
شاركت دولة الإمارات، ممثلة بمجلس الأمن السيبراني، في "القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في أفريقيا" التي عقدت في جمهورية رواندا تحت شعار "الذكاء الاصطناعي والعائد الديموجرافي لأفريقيا: إعادة تصور الفرص الاقتصادية للقوى العاملة في أفريقيا".
وأكد مجلس الأمن السيبراني، خلال مشاركته في القمة، التزام الإمارات بدعم الابتكار والتطور التقني لصناعة مستقبل رقمي مزدهر ومستدام للجميع.
شهدت مشاركة الإمارات التباحث حول أحدث التطورات والابتكارات والتقنيات في مجال الذكاء الاصطناعي، وتبادل المعرفة والخبرات مع مختلف الدول، إلى جانب عرض الفرص الاستثمارية في دولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي وتعزيز التعاون مع الشركات العالمية حيث تمت مناقشة فرص إشراك شركات إماراتية رائدة مثل G42 وCPX في دعم هذه الجهود.
ترأس وفد الدولة في القمة الدكتور محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات وجمعت أكثر من 1000 مشارك من صانعي السياسات ورواد الأعمال والباحثين والمستثمرين من أكثر من 95 دولة إلى جانب أكثر من 100 شركة في مجال الذكاء الاصطناعي بهدف تسريع ابتكارات الذكاء الاصطناعي، ومواءمة السياسات الاستراتيجية لتعزيز قدرات أفريقيا في مجال الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنافسية والنمو الشامل.
شهدت القمة إطلاق مجلس أفريقيا للذكاء الاصطناعي وتضمنت عددًا من الجلسات النقاشية وحلقات العمل، وعرضًا لأكثر من 100 شركة واعدة في مجال الذكاء الاصطناعي في أفريقيا إلى جانب نقاشات حول كيفية تسخير الذكاء الاصطناعي لإيجاد فرص اقتصادية شاملة، وتشجيع الابتكار، وتحسين مهارات القوى العاملة في أفريقيا.
على هامش فعاليات القمة، التقى محمد الكويتي، ديفيد كاناموجير، الرئيس التنفيذي لهيئة الأمن السيبراني الوطنية في جمهورية رواندا وتم بحث التعاون في الأمن السيبراني والتحول الرقمي إلى جانب عدد من المجالات الحيوية شملت حماية البنية التحتية الرقمية، وتبادل المعلومات حول التهديدات السيبرانية، وتطوير آليات الاستجابة للحوادث، إلى جانب بناء الكفاءات والقدرات الوطنية.
وأكد الجانبان، خلال اللقاء، أهمية حماية البيانات ورفع مستويات الأمان السيبراني، خصوصاً مع التوجه المتسارع في رواندا نحو الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مما يتطلب بنية تحتية رقمية موثوقة وآمنة.
وبحث الطرفان تنفيذ الشركات الإمارتية مشاريع مشتركة في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي الآمن، وتحليل البيانات، بما يعزز من جاهزية رواندا الرقمية، ويدعم بناء بيئة تكنولوجية آمنة ومستدامة تخدم الأهداف التنموية لكلا البلدين.
وأكد الدكتور محمد الكويتي أن مشاركة دولة الإمارات في هذه القمة العالمية تأتي إدراكًا منها لضرورة توحيد الجهود الإقليمية والدولية وتعزيز تبادل الخبرات لضمان استجابة أكثر كفاءة للتحديات الحالية والمستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وقال إن مشاركة الدولة في هذه الفعاليات تأتي في إطار توجيهات قيادة الدولة الرشيدة ودعمها المستمر للتحول الرقمي والتنمية الاقتصادية الرقمية، وضمن التعاون المستمر بين الجهات كافة، خاصة في مجال الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي واستمرارًا لريادة الدولة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى ضرورة تفعيل دور التكنولوجيا المتقدمة في التنبؤ بالمخاطر خاصة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة، وأهمية تعميق التعاون الدولي لضمان استجابة منسقة لمواجهة التهديدات والأزمات على مختلف المستويات.
كما التقى الدكتور محمد الكويتي معالي باولا إنجابير، وزيرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والابتكار، في رواندا وبحثا سبل تعزيز التعاون في عملية تطوير البنية التحتية الرقمية برواندا وتعزيز الابتكار، بما يعكس حرص الجانبين على تبادل الخبرات وبناء شراكات استراتيجية تدعم مستقبل التكنولوجيا.
وبحث رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات، على هامش فعاليات القمة، مع دورين بوغدان-مارتن، الأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات سبل تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة إلى جانب التحضيرات للفعالية المقبلة "الذكاء الاصطناعي من أجل الخير" والمزمع عقدها يوليو المقبل في جنيف.