جريدة الرؤية العمانية:
2025-02-27@15:09:57 GMT

حرية التعبير في دولة المؤسسات

تاريخ النشر: 13th, January 2024 GMT

حرية التعبير في دولة المؤسسات

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

عند الاطلاع ودراسة الأنظمة السياسية بتعمق في العصور الحديثة وخاصة الحكومات التي تمارس السلطة والحكم بين الرعية، فإنَّ أول ما يتبادر إلى الذاكرة وأذهان المراقبين والمؤرخين سقف الحرية الممنوحة لأفراد المجتمع الذين هم تحت مظلة ورعاية تلك السلطات؛ فحرية التعبير- التي هي أشمل من حرية الإعلام، وإن كانت تُفهم لدى العامة بأنَّها مرادفة لها- تمثل مقياسًا ورمزًا للتسامح السياسي للدولة ووجهًا مُهمًا لثقة النظام وقناعته السياسية بممارساته اليومية للحكم الرشيد في إرساء مبادئ العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على المستوى المحلي.

الحرية أثمن ما في هذا الوجود؛ فالإنسان إذا فقد حُريته يصبح مثل الطائر المذبوح؛ بل يفقد إنسانيته وحقه في الحياة.. الحرية مثل الماء والهواء والرئة التي نستنشق من خلالها لضمان استمرارية الحياة. ولا يمكن أن يتحقق الرأي الحر والنزيه إلّا بوجود إعلام حر، وقبل ذلك كله تأسيس ما يُعرف بدولة المؤسسات، التي تعتمد بالدرجة الأولى على الفصل بين السلطات الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية. والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، تُذكِّر زعماء العالم الشرفاء في الشرق والغرب بأهمية الوفاء بالتزاماتهم تجاه حرية الصحافة، وقبل ذلك كله تذكير الضمير الإنساني بحرية التعبير وعدم مُصادرة الفكر من أي كائنٍ كان على ظهر هذا الكوكب، انطلاقًا من المبدأ الذي يقول "لا قيمة للحياة دون حرية مسؤولة"، تنتهي بأصحابها عندما تبدأ حرية الآخرين من الشركاء في هذا العالم المترامي الأطراف؛ فالإعلام الحر الذي يعتمد في عمله على معايير الصدق والتوازن والحرية؛ يحرص دائمًا على كشف تجاوزات أصحاب السلطة والنفوذ في كل زاوية من زوايا الكرة الأرضية.

ومن أهم الأسباب التي تواجه حرية التعبير، عدم استجابة الجهات التشريعية والتنفيذية في البلد لإصدار قانون جديد للإعلام والنشر الإلكتروني؛ فالقانون الحالي يُعد واحدًا من أقدم القوانين في العالم؛ إذ إن معظم دول المنطقة أعطت الضوء الأخصر للمُشرِّعين لإصدار قوانين وتشريعات تناسب الانفجار المعرفي الذي يعيشه العالم في ظل الثورة الرقمية واسعة الانتشار.

لا شك أن سقف الحرية المرسوم للصحافة العمانية، وكذلك المنصات الرقمية والإذاعات المحلية في إطار النهضة العمانية المتجددة التي يقودها بحكمة واقتدار سلطان الفكر حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- قد تجاوزت التشريعات والقوانين المُطبَّقة في السلطنة، والتي تعود إلى الحقب التاريخية الصعبة التي تعمل على تقييد المضامين والرسائل الإعلامية ذات الطابع السياسي.

ولعل ما يأتي لنا من الرأي العام العُماني من تعليقات وملاحظات على بعض المقالات النقدية المنشورة في الصحافة المحلية أو البرامج الجماهيرية خلال السنوات القليلة الماضية خير دليل على ذلك، ودائمًا ما تأتينا إفادات تُسعدنا على الدوام، ونعتبرها رجع صدى على ما نكتبه في مجال رضا الجمهور وتفاعله مع تلك الكتابات التي نعدها مرآة صادقة وعاكسة للحقائق الدامغة لإخفاقات بعض المسؤولين الذين اجتهدوا ولم يُحالفهم الحظ في قراراتهم تجاه الوطن والمواطن، ومن العبارات المتكررة التي يُسطِّرها القراء لنا "هذه بعض ثمار الحرية".    

ومن أهم الملفات الساخنة التي تحدثنا عنها مرارا وتكرارا عبر هذه النافذة، تحقيق أحلام وأماني مرحلة، متمثلة في تحقيق مبدأ المحاسبة والمساءلة للجميع، سواء كان هذا الشخص مواطنًا عاديًا أو مسؤولًا كبيرًا، فلا يمكن أن تستقيم أمور المجتمع إلا بتطبيق القانون دون استثناء، فقد كانت نهاية معظم الأنظمة السياسية وانهيار كثير من الدول عبر التاريخ؛ هو غض النظر عن تجاوزات البعض من يصنفون بأنهم من علية القوم، ومجاملتهم على حساب مستقبل الوطن وطموحات المجتمع في عيش حياة كريمة تسودها العدالة لكل أفراد المجتمع دون تمييز.    

العدالة الاجتماعية والنزاهة لا يمكن لهما أن يتحققا بأي حال من الأحوال بحسن نية المسؤولين في أي بلد من بلدان العالم؛ بل نحتاج إلى تأسيس قواعد واضحة ومنهجية قوية، تقوم بالدرجة الأولى على التدقيق في اختيار قيادات نزيهة وأمينة، تحمل ضميرًا حيًا ووازعًا دينيًا وولاءً وطنيًا. وكذلك تتمتع بكفاءات علمية رفيعة، ونظرة ثاقبة في التخطيط، والتنفيذ السليم للخطط والمشاريع، والتوظيف في المناصب والإدارات في الوزارات والشركات الحكومية؛ إذ إن البعد عن المحسوبية والعلاقات الشخصية التي كانت سائدة في بعض تعيينات المسؤولين خلال العقود الماضية، أصبح من الضروريات التي يجب الوقوف عليها والتخلص منها في هذه المرحلة المُهمة من تاريخ الوطن.

يبدو لي أن هناك فجوة بين بعض صُنّاع القرار الذين يتعرّضون للنقد البنّاء الذي يهدف إلى تصحيح المسار وتجنُّب الوقوع في الأخطاء والاخفاقات المتكررة في الشأن العام، وبين ما يُنشر في وسائل الإعلام العمانية ويُناقش في الإذاعات المحلية عبر أثير البرامج الجماهيرية، إلى جانب منصات الإعلام الرقمي، والسبب المعروف هو ثقافة المسؤول الذي يعتقد أنه على صواب دائمًا!

ومن المفارقات العجيبة، عند ما تكشف وسائل الإعلام عن بعض الظواهر السلبية أو إخفاقات في السياسات المتبعة، تُبادِر الجهات الحكومية ذات العلاقة إلى مخاصمة من يقول كلمة حق من أجل الوطن؛ بل هناك من الوزارات والشركات الحكومية من يواصل المشوار إلى طريق مجهول. ويعود ذلك في اعتقادي إلى غياب ما يُعرف بثقافة "الاعتراف بالذنب" أو الإقرار بالخطأ، في مجتمعاتنا العربية، وعدم قبول النقد تحت أي ظرف أو بأي طريقة كانت.

في الختام.. يجب تذكير الجميع بأن هناك ثوابت وطنية وخطوط حمراء، يحرص الإعلاميون والكُتّاب على الالتزام بها، وهي قائمة منذ فترة مُبكّرة من النهضة العُمانية المعاصرة التي انطلقت في فجر السبعين من القرن الماضي، ولا يمكن تجاوز أو العبث بتلك الثوابت الوطنية أو حتى التعرض لها بسوء من بعيد أو قريب بأي حال من الأحوال؛ وذلك انطلاقًا من الأسس والقيم التي تُدرّس في الحقل الأكاديمي لطلبة الإعلام في جامعة السلطان قابوس؛ باعتبارها المؤسسة الرائدة في إعداد القيادات الإعلامية في هذا البلد العزيز، وكذلك الكوادر الإعلامية التي تنضم إلى الأسرة الإعلامية العمانية من مختلف جامعات العالم؛ لكون تلك الثوابت الوطنية تشكل صمام الأمان لحاضر ومستقبل الوطن والمواطن على حد سواء؛ وهي: الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف في كل ما يُنشر أو يُذاع في وسائل الإعلام، واحترام المذاهب والمدارس الإسلامية بالمجمل، وتجنب مناقشة القضايا الخلافية بين تلك المذاهب، خاصة تلك التي تثير الفتن بين المُلسمين، والمحافظة على الوحدة الوطنية والإيمان بالله والولاء للوطن والسلطان، واحترام وتقدير جلالة السلطان وأسرته الكريمة ومكانته الرفيعة؛ باعتباره الضامن لوحدة الأمة والرمز المُصان بين أفراد المجتمع العماني، فضلًا عن المحافظة على الأمن الوطني للبلاد من الفتن والنعرات القبلية والتحزُّب، وكذلك تجنُّب نشر معلومات مُصنفة في النطاق السري من جهات الاختصاص، وعلى وجه الخصوص تلك التي قد تضر باستقرار الوطن وأمنه.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام الاتصال الجماهيري

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الكويت تحتفل بعيدها الوطني الـ64 وسط منجزات تنموية في جميع المجالات

احتفلت دولة الكويت اليوم بعيدها الوطني الـ64 الذي يوافق الـ25 من فبراير من كل عام، في ظل قيادة صاحب السُّمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، لتمضي سفينة الكويت نحو شاطئ الأمان والاستقرار والازدهار.

وتعدّ العلاقات بين سلطنة عُمان ودولة الكويت الشقيقة أنموذجًا إقليميًّا ودوليًّا يُحتذى به، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم وأخيه حضرة صاحب السُّمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت - حفظهما الله ورعاهما - حيث تعزّزت هذه الأخوّة الصادقة والتعاون لتتجاوز الطابع التقليدي للعلاقات بينهما في مختلف الصُّعد ووصلت إلى مستويات عالية في الجوانب الرسمية والشعبية مستندة على ما يجمع البلدين من إرث تاريخيّ واجتماعيّ ومواقف سياسيّة مشتركة ومجالات شراكة اقتصادية وتجارية وتنموية مختلفة.

وشهدت دولة الكويت تطوّرًا تنمويًّا في جميع المجالات لتلحق بركب الدول الطامحة إلى بناء حاضر مشرّف ومستقبل مشرق، وأسهمت في أداء دور محوري في الملفات الإقليمية والدولية التي اضطلعت بها، كما أصبحت محط أنظار العالم في المساعدات الإنسانية.

وحرصت على إقامة علاقات متينة مع الدول الشقيقة والصديقة والعمل على تعزيز مسيرة مجلس التعاون الخليجي والتعاون العربي، ودعم جهود المجتمع الدولي نحو إقرار السلم والأمن الدوليين والالتزام بالشرعية الدولية في إطار الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز.

وتواصل دولة الكويت الشقيقة سياستها الخارجية المستندة إلى توطيد العلاقات مع مختلف دول العالم شرقًا وغربًا، ومد جسور الصداقة والتعاون مع مختلف شعوب العالم بما يعود بالنفع والخير على الوطن والمواطنين.

وعلى الصعيد الداخلي بدأت الكويت مرحلة اقتصادية جديدة بعد أن أقرّت مؤسساتها الرسمية خطتها التنموية الأولى متضمنةً مشروعات ضخمة ستُنجز خلال السنوات المقبلة.

وتتنوع المشروعات التي تتضمنها الخطة في قطاعات اقتصادية عديدة منها النفط والغاز والكهرباء والماء والبنية الأساسية كالمطارات والموانئ والإسكان والصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وحققت تقدمًا في تحسين بيئتها التجارية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة للعديد من الخطوات المتلاحقة التي اتخذتها الدولة.

وجاءت الخطة التنموية جزءًا من رؤية استراتيجية شاملة مدتها 25 عامًا تمتد حتى العام 2035م وتهدف إلى تحول الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار يقوم فيه القطاع الخاص بقيادة النشاط الاقتصادي، ويذكي فيه روح المنافسة، ويرفع كفاءة الإنتاج.

وتسعى دولة الكويت من خلال رؤيتها "كويت 2035" إلى التحول لمركز مالي وتجاري عالمي جاذب للاستثمارات المحلية والأجنبية، إذ في مقدمة مشروعاتها مشروع "مدينة الحرير" الواقع في الواجهة البحرية، في منطقة الصبية بشمال شرق الكويت، وتُقدّر مساحة المشروع بـ 250 كيلومترًا مربعًا، ومن المتوقع أن يستغرق إنشاؤه نحو 25 عامًا تقريبًا بتكلفة تقدر بنحو 86 مليار دولار، الأمر الذي سيضع الكويت عند الانتهاء منه على الخريطة الاقتصادية والاستثمارية والسياحية عالميًّا.

وأنفقت دولة الكويت نحو 490 مليون دينار على البنية الأساسية، سواء كانت مشروعات جديدة أو صيانة، وذلك خلال السنة المالية 2021م - 2022م بنسبة بلغت 69 بالمائة من إجمالي المبالغ المخصصة للإنفاق على صيانة البنية الأساسية وإنشائها والبالغة 702 مليون دينار.

وتعد دولة الكويت أحد أهم منتجي ومصدّري النفط في العالم، وهي عضو مؤسس في منظّمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" وتمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، حيث يُوجد في أرضها 10 بالمائة من احتياطي النفط بالعالم، ويمثل النفط والمنتجات النفطية ما يقرب من 95 بالمائة من عائدات التصدير، و80 بالمائة من الإيرادات الحكومية، كما أنها من أكبر الاقتصادات في المنطقة، وتشكل الصناعة النفطية في الكويت أكبر الصناعات، وتغطي ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي وأغلب الصادرات.

وأظهرت بيانات سوق العمل في دولة الكويت، أن جملة العاملين في القطاعين الحكومي والخاص بلغت مليونين و247 ألفًا و29 فردًا، منهم نحو 517 ألفًا و22 فردًا في القطاع الحكومي بنسبة 23 بالمائة ومليون و730 ألفًا و7 أفراد في القطاع الخاص بنسبة 77 بالمائة.

ويحظى القطاع الصحي في الكويت باهتمام خاص على أعلى المستويات بفضل الخطط التنموية الطموحة والاستشرافية ومنظومة رعاية صحية متكاملة مواكبة للمستجدات الطبية والعلمية.

مقالات مشابهة

  • برعاية منصور بن زايد..انطلاق "إنفستوبيا 2025" في أبوظبي
  • موسكو: أوروبا التي اختارت نهج العسكرة فقدت حق المشاركة في المفاوضات حول أوكرانيا
  • الرئيس اللبناني: عازمون على إعادة بناء جسور الثقة مع العالم
  • «دور المؤسسات الدينية في تعزيز الهوية والانتماء الوطني» في ندوة بجامعة أسيوط
  • من يقف خلف الرسائل الإعلامية التي تبثها كتائب القسام؟
  • الكويت تحتفل بعيدها الوطني الـ64 وسط منجزات تنموية في جميع المجالات
  • الحكومة اللبنانية: ملتزمون بحماية حرية شعبنا وحقهم في العيش الكريم
  • رؤية سعودية مستقبلية لدعم الأشد احتياجاً بالعالم
  • الجامعة السويسرية الدولية تحذر من الجامعات الوهمية التي تستخدم اسمها في مصر
  • رئيس المجلس الوطني الأرثوذكسي اللبناني يستنكر اتهام رئيس الجمهورية بالعمل لمصالح الخارج