مراكز مصادر التعلّم وبناء المعرفة في الألفية الجديدة
تاريخ النشر: 12th, January 2024 GMT
مرَّت المكتبات المدرسية بمراحل عديدة وحقب متتالية في الواقع العلمي والتربوي كونها أهم روافد تحصيل المعارف والعلوم في المؤسسة المدرسية، كونها الأقدم في المجتمعات المختلفة، ومع التقدم المتسارع في مختلف الجوانب الحياتية والمتعلقة خصوصًا بالتعليم والتعلم جرت عليها مسميات عدة ومختلفة، من حيث اختلاف الأنظمة التعليمية وتطورها ومآلات المهام والوظائف التي تؤديها في المؤسسة التعليمية، إلى أن استقر مثلاً في مملكة البحرين - حتى اليوم على الأقل - مصطلح مركز مصادر التعلم وفق رؤى تعليمية أهمها الانتقال من التعليم إلى التعلم، والتركيز على التعلم الذاتي وبناء المهارات والمعارف ذاتيًا.
وبعيدًا عن المسميات - على الرغم من أهميتها - إلا أننا اليوم نشهد تغيرًا جذريًا في التعاطي مع الواقع المعرفي من حيث الشكل والمضمون، أو ما يمكن تسميته الحامل والمحمول، وبنظرة خاطفة نرى تصاعدًا مطردًا فيما تقدمه التقنيات الحديثة من نتاجات معرفية لا يمكن ملاحقتها، بدءًا من الهواتف النقالة وملحقاتها وأجهزة الحواسيب والروبوتات والطابعات المختلفة وانتهاء بالمكملات الإلكترونية من شاشات عرض متعددة الأبعاد وأجهزة إضاءة وسمعيات ومؤثرات حسية ووسائط مختلفة، وغيرها، وكل ذلك تحمل لنا من الناحية التعليمية مضمونًا معرفيًا مغايرًا عما نتوقعه قبيل لحظات من التخطيط والتفكير في كيفية تطوير مراكز مصادر التعلم بسبب التسارع والتنافس في إنتاج التقنيات الحديثة.
لا شك أن كل ما ذكرته وغيرها محفز لاكتساب المعارف الحديثة من الحوامل والأوعية المعرفية الحديثة المبهرة، ولكن ذلك لا يعني إهمال الحوامل المعرفية التقليدية كالكتب وأخواتها، وعدم الاستعلاء عليها مهما كانت خطوات تقدمنا، فثمة ما يقلق المثقفين والتربويين من الاعتماد على شكل مصدري واحد للمعرفة والمتعلق دائمًا بالرقمنة، بحيث تبنى المعرفة الفردية والنخبوية والمجتمعية وفق خصائصها، وهذا يسبب إشكالاً محرجًا في التكوين المعرفي للإنسان الحديث الذي يخشى أن يكون مؤلَّلا ومرقمنا، ويكون جزءًا من منظومة معرفية كبرى ربما تعيش في عالم من الفوضى الحضارية والثقافية والمعرفية ما يمكنها أن تخلق جيلاً منفصلاً عن ذاته أولا وعن مجتمعه وحضارته ثانيًا، يمتلك معرفة غير متوافقة مع الأهداف الكبرى للنظام التعليمي أو التوقع المجتمعي، فيساهم ذلك انحدارًا حضاريًا لهذا المجتمع، أو يكون مندغما مع فكر حضاري مختلف عنا تحت مسميات ومصطلحات برّاقة خطرة.
لدرء هذه المخاوف وغيرها، فلا بد من تنويع الحوامل المعرفية والأوعية العلمية بتوازن وموضوعية واقعية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال محاربة المستحدثات التكنولوجية أو التقليل من أهميتها في العملية التعليمية التعلمية، وإنما استعمالها برشد وبدراسة واقعية نتجنب مخاطرها، ونستثمر فوائدها، ومن المهم ألا نتخلى عن الحوامل التقليدية، لا سيما الكتب الورقية، لما تحمل من ثوابت معرفية غير متغيرة وموثوقية علمية راسخة، كما أن لها من الميزات الكثير أهمها إنشاء ألفة وعلاقة حميمة مع الكتاب الذي سيبقى معي ما بقيت، بينما غيره راحل لسبب أو آخر كعطب طارئ، أو اختراق متعمد، أو انتهاء صلاحيته وألقه، وخصوصًا في ظل ثقافة استهلاكية ضارة من كل النواحي، نكون نحن من ضمنها كادرها وزبائنها من غير إدراك.
إذن يتحمل مركز مصادر التعلم مسؤوليات جمة تحتم عليه إعادة التموضع بين الفينة والأخرى؛ ليأخذ دوره المعرفي الوازن في ظل المتغيرات المتسارعة في حوامل المعرفة وأوعيتها التي غزتنا بإرادتنا ومن غير إرادتنا، فينبغي أن نتلمس مواضع الاستفادة من التقنيات الحديثة بما يتوافق مع رؤانا لأقصى حد ممكن، وفي الوقت ذاته نحذر من مضار تلك التقنيات بدءا من طريقة عملها في بث محمولها وموادها، وانتهاء بتغير طريقة استقبالنا له ونتائجها.
د. عبّاس حسن القصاب / رئيس جمعية المكتبات والمعلومات البحرينية
المصدر: صحيفة الأيام البحرينية
إقرأ أيضاً:
الصحة: عمليات جراحية ناجحة بالعدوة المركزي باستخدام أحدث التقنيات الطبية
أعلنت وزارة الصحة والسكان عن انطلاق العمل بوحدة جراحة المخ والأعصاب بمستشفى العدوة المركزي بمحافظة المنيا، في خطوة تهدف إلى تعزيز الخدمات الطبية المقدمة لأهالي شمال الصعيد، ويأتي ذلك تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، اثناء زيارته التفقدية للمستشفى، حيث نجح فريق طبي متخصص في إجراء أول قائمة عمليات جراحية للعمود الفقري، وذلك بعد بدء التشغيل التجريبي للوحدة المتخصصة، في إطار خطة الوزارة لتطوير المستشفيات وتوفير خدمات طبية متقدمة في مختلف المحافظات.
أوضح الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن الوحدة استقبلت حالتين خضعتا لتدخل جراحي دقيق باستخدام أحدث التقنيات الطبية، مشيرًا إلى أن الحالة الأولى كانت لسيدة تبلغ من العمر 42 عامًا تعاني من انزلاق غضروفي قطني الفقرة (L5-S1)، حيث خضعت لاستئصال الغضروف القطني وتثبيت الفقرات باستخدام شرائح ومسامير معدنية، وخرجت المريضة بحالة صحية جيدة بعد الجراحة، أما الحالة الثانية فكانت لسيدة تبلغ من العمر 37 عامًا، تعاني من انزلاق غضروفي بين الفقرتين القطنيتين الرابعة والخامسة، وقد أجريت لها عملية استئصال للغضروف القطني مع توسيع القناة الشوكية العصبية وتحرير مخارج الأعصاب، حيث نجحت الجراحة في تحسين حالتها الصحية بشكل ملحوظ.
التخفيف من أعباء المرضىأضاف عبدالغفار أن تشغيل وحدة جراحة المخ والأعصاب بمستشفى العدوة المركزي،
يعد خطوة مهمة تهدف إلى التخفيف من أعباء المرضى، خاصة من محافظات شمال الصعيد، الذين كانوا يضطرون إلى السفر لتلقي العلاج في مستشفيات القاهرة، كما أن الوحدة ستسهم في تعزيز الخدمات الطبية المقدمة لسكان المنطقة عبر توفير أحدث الأجهزة والتقنيات الطبية التي تتيح إجراء جراحات دقيقة بمستوى عالٍ من الكفاءة.
وأكد عبد الغفار، أن هذه الخطوة تعكس التزام وزارة الصحة بتطوير الخدمات الصحية في مختلف المحافظات، والعمل على توفير رعاية طبية متكاملة تلبي احتياجات المواطنين وفق أعلى المعايير الطبية، بما يعزز من جودة الرعاية الصحية في مصر، ويضمن تقديم خدمات علاجية متقدمة لسكان المناطق الأكثر احتياجًا.
جدير بالذكر أن الفريق الطبي المشرف على العمليات، يضم نخبة من المتخصصين، بينهم الدكتور محمد عبد الحميد الحيني، استشاري جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري، والدكتور أحمد محمد عماد، أخصائي جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري، بالإضافة إلى الدكتور أحمد صلاح الدين عبد المنعم، استشاري التخدير، وفريق فني متميز يشمل أ. ثنية محمود محمد، فنية التمريض، وأ. أحمد صالح عبد الرؤوف، فني التخدير.