ليست بالولايات المتحدة.. انتخابات رئاسية يمكن أن تغير العالم في 2024
تاريخ النشر: 11th, January 2024 GMT
(CNN)-- من المؤكد أن فكرة حصول انتخابات رئاسية في عام 2024 تخلف عواقب عميقة على العالم الأوسع تبدو مألوفة. لكن هذا سيحدث في وقت أقرب بكثير مما قد تعتقد.
تشهد تايوان، وهي ديمقراطية آسيوية صغيرة ونابضة بالحياة على أعتاب جار استبدادي أكبر بكثير، انتخابات رئاسية وبرلمانية، يوم السبت، وسوف يتردد صدى النتائج خارج حدودها.
ويراقب القادة الشيوعيون الصينيون النتيجة عن كثب، والذين يطالبون منذ فترة طويلة بأن تايوان جزء من أراضيهم على الرغم من أنهم لم يسيطروا عليها قط.
الغالبية العظمى من الناس في تايوان لا يريدون أن تحكمهم الصين، التي شدد زعيمها القوي شي جين بينغ قبضته في الداخل حيث أصبحت البلاد أكثر عدوانية تجاه جيرانها.
وتعارض الصين علنًا الحزب الحاكم الحالي في تايوان، وقد صاغت الانتخابات باعتبارها اختيارًا بين "الحرب والسلام، والرخاء والانحدار". وقد وجه شي تحذيرًا جديدًا إلى تايوان في خطاب ألقاه عشية رأس السنة الجديدة، معلنًا أن "إعادة توحيد الوطن الأم حتمية تاريخية".
وتظل تايوان أيضًا أكبر مصدر للتوتر بين الصين والولايات المتحدة، الداعم الدولي الرئيسي ومورد الأسلحة للجزيرة، والعلاقات بين القوتين العظميين في العالم متوترة منذ سنوات.
إن كيفية استجابة الصين للاختيارات التي يتخذها الناخبون التايوانيون في نهاية هذا الأسبوع سوف تختبر ما إذا كانت بكين وواشنطن قادرتين على إدارة التوترات، أو التحرك نحو المزيد من المواجهة ــ بل وحتى الصراع.
إليك ما تحتاج إلى معرفته حول هذه الانتخابات الحاسمة:
من هم المرشحون؟يتنافس 3 رجال على خلافة الرئيسة تساي إنغ وين، التي شغلت منصبها لمدة 8 سنوات ولا يمكنها الترشح مرة أخرى.
والمرشح الأوفر حظا في السباق المحتدم هو لاي تشينج تي، النائب الحالي لرئيسة تايوان من الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم، الذي يناصر سيادة تايوان الفعلية وهويتها المنفصلة عن الصين.
وكان لاي طبيبًا تحول إلى سياسي، وقد وصف نفسه في السابق بأنه "عنصر عملي من أجل استقلال تايوان" ــ وهو الادعاء الذي أثار غضب بكين وأثار قلق واشنطن. لكنه خفف من موقفه خلال الحملة الانتخابية، متعهدا، مثل تساي، بالحفاظ على "الوضع الراهن" وعرض التحدث مع بكين "في ظل مبادئ المساواة والكرامة". وقد رفضت بكين عروضه، واصفة إياه بـ"صانع الحرب" و"مدمر السلام عبر المضيق".
وتعد هسياو بي خيم، نائب لاي، شخصية معروفة في واشنطن حيث عملت مؤخرًا كمبعوثة لتايوان. وقد فرضت الصين عقوبات على هسياو مرتين لكونها "انفصالية متشددة".
أما أكبر منافس لـ لاي فهو هو يو-إيه، ضابط شرطة سابق وعمدة لمدينة تايبيه الجديدة من حزب الكومينتانغ، حزب المعارضة الرئيسي في تايوان الذي يفضل تقليديا علاقات أوثق مع الصين. ويلقي هو باللوم على الحزب الديمقراطي التقدمي لاستفزاز الصين ويدعو إلى إقامة "علاقات سلمية" مع جارتها من خلال إبقاء الحوار مفتوحا وتعزيز العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. كما تعهد بتعزيز دفاع تايوان.
وينحدر المنافس الثالث، كو وين جي، من حزب الشعب التايواني (TPP)، الذي أسسه فقط في عام 2019. وقد حظي تركيزه على قضايا الخبز والزبدة باستقبال جيد بشكل خاص من قبل الناخبين الشباب، الذين أصبح العديد منهم محبطين بسبب الاحتكار السياسي الثنائي التقليدي في تايوان، فضلًا عن الأجور الراكدة والمساكن التي لا يمكن تحمل تكاليفها.
وفيما يتعلق بالعلاقات مع الصين، روج كو "للطريق الوسط"، فاتهم الحزب التقدمي الديمقراطي بالعدائية المفرطة وانتقد حزب الكومينتانغ لأنه مفرط في احترامه.
ولم يتم انتخاب أي حزب سياسي في تايوان لولاية ثالثة في السلطة. وإذا فاز لاي من الحزب الديمقراطي التقدمي بولاية أخرى، فسوف يكون ذلك حدثًا غير مسبوق في تاريخ الجزيرة الديمقراطي الذي دام 27 عامًا ــ ورمزًا قويًا لفشل النهج العدواني الذي تتبناه الصين في التعامل مع تايوان.
كيف كان رد فعل الصين؟لقد استخدمت الصين منذ فترة طويلة مزيجًا من سياسة العصا والجزرة في سعيها لإقناع تايوان بالخضوع لخطة "إعادة التوحيد". لكن في عهد شي أصبح الأمر مختلفا.
منذ انتخاب تساي لأول مرة قبل ثماني سنوات، قطعت بكين معظم الاتصالات مع تايبيه، وتراجعت عن التبادلات عبر المضيق، وكثفت الضغوط العسكرية بشكل كبير.
وقد أدت هذه التدابير الحازمة إلى انخفاض العلاقات عبر المضيق إلى أدنى مستوياتها منذ عقود ودفعت تايوان إلى مسافة أبعد. أقل من 3% من الناس في تايوان يعرّفون الآن أنهم صينيون في المقام الأول، وأقل من 10% يؤيدون التوحيد الفوري أو لاحقًا.
كما قامت تايوان بتعميق علاقاتها مع الدول الغربية على مدى السنوات الثماني الماضية، بما في ذلك الولايات المتحدة، مما أثار قلق بكين.
وقد حث المسؤولون في الصين، الدولة ذات الحزب الواحد، شعب تايوان على اتخاذ "الاختيار الصحيح" ــ وهو ما يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه تعبير ملطف لعدم التصويت للحزب الديمقراطي التقدمي.
واتهم المسؤولون التايوانيون الصين بمحاولات التدخل في انتخاباتها، بما في ذلك حملات التضليل على وسائل التواصل الاجتماعي والإكراه الاقتصادي.
وقبل الانتخابات، واصلت الصين الضغط العسكري على تايوان، فأرسلت طائرات مقاتلة وطائرات بدون طيار وسفن حربية بالقرب من سمائها ومياهها. كما قامت بكين بإرسال بالونات فوق الجزيرة، فيما وصفته وزارة الدفاع التايوانية بأنه جزء من "حرب نفسية للتأثير على معنويات شعبنا".
وبينما يتوقع عدد قليل من الخبراء غزوًا وشيكًا من جيش التحرير الشعبي، فإن لدى بكين طرقًا كثيرة لإظهار الاستياء، بدءًا من استعراض القوة من خلال التدريبات العسكرية إلى تعليق المزيد من الروابط التجارية مع تايوان أو حتى الحصار.
إن المدى الذي قد تصل إليه هذه التصرفات ــ وكيف سيكون رد فعل الولايات المتحدة وحلفائها ــ سوف يكون موضع مراقبة عن كثب من قِبَل عالم يشعر بالقلق بالفعل إزاء الصراعات الدائرة في أوروبا والشرق الأوسط.
ما هي علاقة الولايات المتحدة بتايوان؟قطعت واشنطن علاقاتها الرسمية مع تايوان عام 1979 بعد أن حولت اعترافها الدبلوماسي من تايبيه إلى بكين.
ومنذ ذلك الحين، حافظت الولايات المتحدة على علاقات غير رسمية وثيقة مع تايوان، وهي ملزمة بموجب القانون بتزويد الجزيرة بوسائل الدفاع عن نفسها. لكنها ظلت لفترة طويلة غامضة بشكل متعمد بشأن ما إذا كانت ستهب للدفاع عن تايوان في حالة وقوع هجوم صيني.
في عهد الرئيس جو بايدن – وسلفه دونالد ترامب – كثفت الولايات المتحدة دعمها ومبيعات الأسلحة لتايوان. وقال بايدن أيضًا في مناسبات متعددة إن الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان إذا قامت الصين بغزوها، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تبتعد عن سياستها طويلة الأمد المتمثلة في "الغموض الاستراتيجي".
وقد أثار ذلك غضب بكين، التي حذرت من أن قضية تايوان هي "الخط الأحمر الأول الذي لا ينبغي تجاوزه في العلاقات الصينية الأمريكية".
وتصر واشنطن على أنها لا تفضل أي مرشح رئاسي على آخر في تايوان، وقال بايدن إنه حذر شي صراحة من التدخل في الانتخابات خلال قمتهما في سان فرانسيسكو في نوفمبر.
وتأتي انتخابات تايوان في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة تحقيق الاستقرار في العلاقات المشحونة مع الصين ومنع المنافسة من التحول إلى صراع.
من ناحية أخرى، من المقرر أن تعقد الولايات المتحدة انتخاباتها الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني، وهو التصويت الذي سوف يراقبه عن كثب زعماء تايوان الجدد وسكان الجزيرة البالغ عددهم 24 مليون نسمة.
نشر الخميس، 11 يناير / كانون الثاني 2024تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2024 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: الدیمقراطی التقدمی الولایات المتحدة فی تایوان مع تایوان
إقرأ أيضاً:
سور الصين العظيم أكبر مشروع معماري قديم في العالم
حصن عسكري شيده الصينيون القدماء منذ أزيد من ألفي عام لحماية الحدود الشمالية في العصور الإمبراطورية المبكرة. بدأ بناؤه في القرن السابع قبل الميلاد واستمر تطويره حتى القرن السابع عشر الميلادي، ليصبح أكبر مشروع معماري قديم في العالم.
امتد السور أكثر من 21 ألف كيلومتر عبر مناطق متعددة في شمال الصين، وكان مشروعا دفاعيا ضخما، لكنه فشل في صد هجمات الغزاة عدة مرات في أول مائة عام من بنائه.
ورغم التعديلات والتوسيعات المتكررة التي أجرتها السلالات الحاكمة المتعاقبة، فقد ظل السور مرتبطا بفكرة أول إمبراطور للصين الموحدة.
مع مرور الزمن فقد سور الصين أهميته العسكرية والإستراتيجية، لكنه تحول إلى رمز ثقافي ومعلم يجتذب ملايين الزوار سنويا.
في عام 1987 تم إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ليصبح شاهدا على التاريخ الهندسي والمعماري للصين الممتد عبر القرون العشرين الماضية.
تغنى بالسور شعراء الصين مئات السنين، ووردت إشارة رمزية إليه في النشيد الوطني الصيني المعروف بـ"مسيرة المتطوعين"، والذي كُتب عام 1935. أُطلقت عليه عدة ألقاب، مثل "التنين الطائر"، فيما وصفه الرحالة الإيطالي ماركو بولو بـ "أعجوبة الشرق"، وكان يُعتقد أنه أحد عجائب الدنيا السبع القديمة.
لكن خلف هذا الإنجاز المعماري يقف تاريخ طويل من التضحيات، إذ يُقال إن "كل حجر منه كلف حياة إنسان"، ليصبح رموا يجسد قوة الصين القديمة.
وبفضل مكانته التاريخية، أصبح السور مرادفا للصين ورمزا لثقافتها، ولا يزال اليوم موضوعا للبحوث الأثرية والدراسات التاريخية.
إعلان الموقع والامتدادسور الصين العظيم حصن حدودي ذو طابع عسكري دفاعي، يتألف في الواقع من هياكل مختلفة تم بناؤها على مدى مئات السنين، وعلى امتداد طرق متعددة، من قبل سلالات حاكمة مختلفة.
يُعرف في اللغة الصينية باسم "تشانغ تشنغ"، أي "السور الطويل"، ويُشار إليه أيضا باسم "سور وانلي العظيم"، ويمتد عبر شمال الصين من مقاطعة لياونينغ شرقا إلى قانسو غربا.
لا يُعرف الطول الإجمالي لسور الصين العظيم بدقة، لكن التقدير الرسمي الحديث الذي يشير إلى أنه 21 ألفا و196 كيلومترا (13173 ميلا) هو الأكثر شمولا حتى الآن. وقد تم تحديد هذا القياس الرسمي الأول من قبل الإدارة الوطنية للتراث الثقافي في الصين في يونيو/حزيران 2012.
يصل ارتفاع بعض أجزاء السور إلى 8 أمتار، بينما يمر في بعض المناطق عبر جبال يصل ارتفاعها إلى 975 مترا فوق مستوى سطح البحر. يتراوح ارتفاعه في الأجزاء الظاهرة منه ما بين 6 و7 أمتار، وعرضه بين 4 و5 أمتار.
يجتاز السور 15 مقاطعة ومنطقة ذاتية الحكم وبلدية في الصين، بناء على مسح أثري شامل أجرته الدولة بالتعاون مع إدارة المسح ورسم الخرائط، بدأ منذ عام 2007.
وكان قياس سابق أُجري عام 2008، قد قدّر طول السور بـ8850 كيلومترا (5500 ميل)، لكنه اقتصر على الهياكل التي بُنيت في عهد أسرة مينغ.
وتُعد مقاطعة شانشي الأكثر احتواء على أجزاء من السور، إذ يبلغ امتداده فيها أكثر من 1800 كيلومتر، وفقا لنتائج المسح الوطني لموارده.
شُيّد السور بأمر من أباطرة صينيين مختلفين. وبدأت مراحله الأولى في جنوب غرب وجنوب شرق الصين، ثم تواصل بناؤه ليصل إلى أقصى الشمال.
في الشرق يمر عبر سلسلة جبلية تُعرف بالحدود المنغولية المرتفعة، بينما يمتد في الغرب عبر هضاب وعلى طول الحدود الصحراوية.
إعلانواكتشف الباحث البريطاني ويليام ليندسي وفريقه قسما جديدا من سور الصين العظيم شمال الحدود الصينية-المنغولية، وهو أول اكتشاف لقسم من السور يمتد خارج الحدود الصينية الحالية.
كان يُعتقد أن هذا الجزء ضائع منذ ألف عام، وتمت الإشارة إليه في الخرائط باسم "جدار جنكيز خان". لكن فريق ليندسي أعاد تصنيفه جزءا من السور بعد دراسته في صحراء جوبي. وأكد أنه امتداد للتحصينات الدفاعية الصينية القديمة.
تاريخ سور الصين العظيميعود بناء الأجزاء الأولى مما أصبح يُعرف بـ"سور الصين العظيم" إلى القرن السابع قبل الميلاد، وفقا لأرجح الأقوال، ومع ذلك يرجع بعض الباحثين جذوره إلى فترات أقدم.
ووفقا للسجلات التاريخية الصينية، فقد بدأ السور على شكل جدران منفصلة أقامتها دول متحاربة مختلفة لحماية ممالكها في فترة تُعرف باسم "الممالك المتحاربة" (475-221 ق.م).
وأرست هذه الجدران المبكرة الأسس التي اعتمدتها سلالة تشين لاحقا وربطتها ببعضها البعض في أول سور عظيم مستمر شكّل النواة الأولى لـ"سور الصين العظيم".
بعد أن وحّد الإمبراطور تشين شي هوانغ الصين تحت حكمه، أمر بهدم كافة الأسوار والممرات القديمة التي أنشأها الحكام السابقون، وتعويضه بسور موحّد وضخم لحماية إمبراطوريته وترسيخ سلطته.
تقول الذاكرة الجماعية الصينية إن الجزء الكبير من السور -الذي أنجزه أول أباطرة الصين- قد شُيد بسواعد آلاف وربما ملايين من الجنود والفلاحين والسجناء المحكوم عليهم بالأعمال الشاقة.
وقد توفي عدد كبير من هؤلاء العمال من شدة التعب والإجهاد ودفنوا تحت أو بين الحجارة، وتقول بعض الأساطير الشعبية إن أجزاء من السور انهارت بسبب حادثة شهيرة تتعلق بخادمة سارَت نحو 400 كيلومتر للوصول إلى جثة زوجها الذي لقي حتفه أثناء العمل في البناء.
وخلّد التاريخ ذكرى العمال الذين لقوا حتفهم أثناء بناء السور، حتى أُطلق عليه أحيانا لقب "أطول مقبرة على وجه الأرض" أو "المقبرة الطويلة"، وأصبح لقب "الطاغية الجبار ومُبَدِّد ثروات الوطن" ملازما لذكرى تشين.
إعلانتعرض تشين لانتقادات دائمة بسبب قسوة حكمه، على الرغم من أن سور الصين العظيم لم يُنقذ إمبراطوريته من الانهيار، فبعد عام واحد من وفاته، اندلعت أول انتفاضة في تاريخ الصين، ولم يدم حكم سلالة تشين سوى 15 عاما.
كان السور الأولي الذي بنته أسرة تشين يمتد من لينتاو إلى لياودونغ بطول يزيد عن 10 آلاف لي (وحدة قياس صينية قديمة)، كما أنشئت 12 ولاية على طوله.
لهذا السبب ارتبط السور دائما بحكم تشين باعتباره هو من بدأ المشروع الضخم، الذي أسهم في الشكل النهائي للسور كما يعرف اليوم. ويُقال إن ضريحه يقع تحت أحد أجزاء السور.
كان السور الذي بُني في عهد تشين عبارة عن تحصينات دفاعية محدودة تقع شمالا أبعد من السور الحالي. ولم يتبقَ منه اليوم سوى القليل، لكنه لا يُعتبر موقعا سياحيا شهيرا.
ومنذ عهد أسرة تشين، شهد السور تعديلات وتوسعات بمقاييس مختلفة على يد أكثر من 20 سلالة حاكمة، وفقا للسجلات التاريخية.
وكانت أسرة هان، ثاني إمبراطورية في الصين القديمة، من أبرز من أسهم في توسيع وتحسين السور الذي بُني في عهد تشين، وأقاموا أبراج إنذار تمتد من العاصمة تشانغان (التي تعرف حاليًا باسم شيان).
إضافة إلى ذلك، بدأت الأسرة الحاكمة في بناء سور جديد ربطته بسور تشين، وأقامت على طوله قلاعا صغيرة تُعرف باسم "تشانغ"، ومواقع دفاعية عُرفت باسم "ليه تشنغ" (صفوف من الحصون).
وفي عهد أسرة هان، كان للسور أيضا دور بارز في فتح طرق المواصلات وتعزيز التبادلات الاقتصادية والثقافية بين الصين وبلدان آسيا وأوروبا.
فقد تم افتتاح طريق الحرير الشهير، إذ بُني القسم الغربي من السور على امتداده، مما جعله خطا إستراتيجيا يربط بين الشرق والغرب.
انضمت سلالة مينغ (1368م–1644م) في سعيها لإنشاء إمبراطورية قوية إلى جهود بناء وتوطيد سور الصين العظيم.
إعلانوكان نطاق مشروع مينغ واسعا، تجاوز كل ما أنجزته السلالات الملكية السابقة، فأنشأت ما يُسميه الصينيون الآن "سور 10 آلاف لي" أو "الجدار الطويل".
وفي ذروة عهد أسرة مينغ ( القرن 14 إلى القرن الـ17 ميلادي)، تم بناء أرقى امتداد للسور بطول 8851 كيلومترا على مدار نحو 200 عام من حكمها.
يبدأ هذا السور من نهر يالو في الشرق، وينتهي عند جيايويقوان في الغرب. وقد شهد تحسينات على الممرات وقُسّم إلى 9 حاميات، كذا استُخدم لحماية التجارة شمالًا على طول ما أصبح يُعرف لاحقًا باسم "طريق الحرير".
وكانت سلالة مينغ آخر من عمل على تشييد معظم أجزاء سور الصين المتبقية، مما أعطاه الشكل الذي يعرف الآن. ولذلك يُطلق عليه أحيانا اسم "سور مينغ العظيم".
تراجع وترميمفي القرن الـ17، وسعت أسرة تشينغ (المانشو) حكمها إلى منغوليا الداخلية، دون أن تواجه تهديدات كبيرة من الشمال، مما قلل من الأهمية الدفاعية للسور.
وعندما استولت أسرة تشينغ (1644-1912م) على السلطة ووسعت حدود الصين شمالا، فقد السور وظيفته الأصلية حاجزا دفاعيا.
مع تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، ناهض الرئيس ماو تسي تونغ سور الصين العظيم باعتباره من الرموز الثقافية والتاريخية لفترة ما قبل الثورة.
ويُقال إن ماو اعتبر السور رمزا للأنظمة الإقطاعية القديمة، ووفقا لبعض المصادر التاريخية فقد دعا من المزارعين أخذ أجزاء من السور لاستخدامها في بناء منازلهم.
ورغم مواقفه الرافضة لسور الصين من الناحية الرمزية، فإنه اشتهر عنه قوله "إذا لم تتسلق سور الصين العظيم، فأنت لست رجلا حقيقيا".
أما فترة الثورة الثقافية (1966–1976) فقد شهدت هجوما واسعا على التقاليد الثقافية الصينية القديمة، بما في ذلك التدمير الجزئي للآثار التاريخية، وتعرض السور للإهمال ولحقته بعض الأضرار.
عندما وصل دنغ شياو بينغ إلى السلطة في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، بدأ إصلاح السور في إطار رؤية أوسع للحفاظ على التراث والترويج للسياحة في الصين الحديثة.
إعلانوعملت الحكومة الصينية على بناء 3 أجزاء من السور خاصة في المناطق القريبة من بكين وفي مقاطعة كانسو شمال وسط الصين.
ومنذ عام 2009، أعلنت الحكومة الصينية اكتشاف أجزاء جديدة من سور الصين العظيم بالقرب من الحدود مع كوريا الشمالية، بجوار جبال هوشان.
كان الجزء المتنازع عليه يُعرف باسم "جدار لياونينغ"، وهو حاجز دفاعي بسيط بُني في عهد أسرة مينغ لصد الغزوات القادمة من الشمال باتجاه مقاطعة لياونينغ.
وتعرّض سور الصين العظيم للعديد من الانهياراتٍ الجزئية، ثم أعيد بناؤه. ولا يزال يخضع لعمليات ترميمٍ قصد المحافظة عليه معلَما سياحيا.
شهد سور الصين العظيم تطورات هندسية كبيرة عبر القرون، إذ تبنت كل سلالة حاكمة أساليبها الخاصة لتحسينه وتطويره، وجعله تحت السيطرة المباشرة لكبار حكامها.
بُني السور بشكل منفصل لتعزيز تحصيناته، إذ امتد في اتجاهين، أحدهما نحو الجنوب الشرقي والآخر نحو الجنوب الغربي، وتوحدا في أقصى نقطة شمال الصين.
في الجزء الشرقي، شُيدت الأساسات من الغرانيت، وبُنيت الجوانب من الحجر أو الآجر، بينما تم ملء الداخل بالطمي، أما القمة فقد رُصفت بالطوب المثبَّت بالإسمنت الجيري، وفي المقابل كانت الأحجار والآجر نادرة في الجزء الغربي.
في العصور المبكرة، استُخدم الطين المدكوك والخشب في البناء، وفي عهد مينغ تم استخدام الطوب والحجر، كما جرى توظيف الحجر الجيري والغرانيت في المناطق الجبلية الوعرة، واستُخدم ملاط الأرز اللزج مع الجير المطحون لربط الطوب ومواد البناء الأخرى.
نُقلت كتل الحجارة الضخمة وكميات الجير الكبيرة يدويا أو عبر السلال التي كانت تُحمل على الأكتاف. بينما استُخدمت الحمير لحمل السلال الثقيلة، وربطت كتل الطوب إلى قرون الماعز لنقلها إلى المناطق الجبلية المرتفعة.
إعلاننظرا للتضاريس الجبلية، اعتمد البناؤون تقنية الجدران المتدرجة، كما طُورت بوابات السور باستخدام تقنية الأقواس الحجرية، وبُنيت بعض الأقسام بزوايا منحنية لمنع الأعداء من تسلقها بسهولة.
وفي المناطق التي يتقاطع فيها السور مع الأنهار والبحيرات، أُنشئت جسور حجرية وأرصفة خشبية. وأقيمت حصون عسكرية في مناطق أخرى من أجل تخزين الأسلحة، إلى جانب أنفاق وممرات مائية سرية لنقل الإمدادات والجنود.
وعلى طول السور، بُنيت آلاف الأبراج على مسافات تتراوح من 500 إلى 1000 متر، وكانت تُستخدم للتواصل العسكري عبر إشارات الدخان نهارا وإشارات النار ليلا.
معلم تاريخي وسياحييُعد سور الصين العظيم أحد أعظم المعالم التاريخية في العالم، إذ يمتد تاريخه لأكثر من 2500 عام. وبعد افتتاحه أمام الزوار في عام 1958، أعلنت الحكومة الصينية رسميا في 4 مارس/آذار 1961، إدراج أجزاء منه تحت حماية الدولة باعتبارها "آثارا تاريخية مهمة".
وقد مهد هذا القرار الطريق لإدراج السور ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي لليونسكو في ديسمبر/كانون الأول 1987.
كما تم اختياره في 7 يوليو/تموز2007، ضمن عجائب الدنيا السبع الحديثة، التي أعدت قائمتها مؤسسة "عجائب الدنيا السبع الجديدة"، وهو ما عزز مكانته وجعله وجهة سياحية بارزة.
ولتأكيد هذه المكانة أصدرت إدارة التراث الثقافي الصينية في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، القائمة الأولى للأقسام المهمة من السور.
وبينما كان يعتقد في السابق أن السور مرئي من الفضاء، فقد أفاد رواد الفضاء منذ ذلك الحين أنهم غير قادرين على رؤيته من المدار المنخفض.
وقد أطلقت الحكومة الصينية مشاريع ترميم باستخدام مواد حديثة لدعم الأجزاء المتضررة من السور، ومع ذلك لا تزال بعض الأجزاء مهجورة أو في حالة خراب، خاصة في المناطق الصحراوية.
وبحسب المؤرخين ودعاة الحفاظ على التراث، لم يتبقَ سوى نحو 372 كيلومترا من السور في حالة جيدة. وتُعد الجهة الشرقية التي تمتد على بضع كيلومترات، من أفضل الأجزاء المحفوظة حتى اليوم.
وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة "ساينس أدفانس"، توصّل فريق من العلماء إلى أنّ الطبيعة تسهم في حماية سور الصين العظيم.
إعلانووجدت الدراسة أن طبقات "القشور الحيوية" التي تتكون من الكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا والطحالب، تؤدّي دورا مهما في الحفاظ على استقراره وصموده أمام العوامل البيئية المختلفة.
وعلى الرغم من اختفاء ثلث الهيكل الأصلي من سور الصين العظيم التاريخي وفقا لبعض التقارير، فإنه لا يزال أحد أكثر المواقع زيارة في الصين، إذ يجذب ملايين الزوار سنويا.
وتحتوي منطقة بكين على معظم أجزاء سور الصين الشهيرة، بينما في منغوليا الداخلية أطول ومعظم المواقع.
ويعتبر قطاع بادالينغ -الواقع على مسافة 37 ميلا إلى شمال غرب العاصمة بكين– أفضل المواقع زيارة من حيث القيمة الأثرية والشعبية.