البوابة نيوز:
2025-04-03@05:17:09 GMT

الحوار هو الحل (3)

تاريخ النشر: 9th, January 2024 GMT

ثانيًا: حوار الأديان:
فى مقالى هذا، أستكمل حديثى عن أهمية الحوار، واتباع آدابه، فى بناء الحضارات الإنسانية، وكيف أنه يمثل ضرورة أساسية من ضرورات بناء الأمم وتقدمها. وإذا كنا قد سبق أن توقفنا عند آليات الحوار بين الشباب والكبار، فإننا سنكمل حديثنا اليوم بطبيعة الحوار بين الأديان، وتبيان أنه لا يوجد تعارض شرائعى أو من حيث طبيعة المعاملات المجتمعية، فيما بين الأديان السماوية الثلاثة، فالأديان الثلاثة إنسانية الطابع فى المقام الأول.

غنى عن القول أن التعاليم السماوية نزلت مرحلية، بحيث يعد كل دين سماوى مرحلة تعبر عن احتياجات البشر ونوازعهم وميولهم وظروفهم الحياتية والعقلية، ومع تغير الظروف والمتطلبات البشرية يأتى دين سماوى آخر ليكمل ما توقف عنده الدين السماوى الأقدم. وهو ما يؤكده سيدنا المسيح بقوله: "لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل". وعندما نؤكد ذلك فإن هذا لا يلغى فكرة وجود الثوابت الدينية التى حثت عليها الأديان السماوية الثلاثة؛ نظرًا إلى وحدة المصدر السماوي. وما حدث بين الأديان السماوية الثلاثة من تكامل، حدث داخل كل دين على حدة. على نحو ما نجد ذلك فى الدين الإسلامي- على سبيل المثال- من خلال علم الناسخ والمنسوخ، كما فى قوله تعالى: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (سورة البقرة آية ١٠٦).
 فالدين السماوى دائما ما يجارى متغيرات الحياة ومتطلباتها، من خلال نصوصه المقدسة. إذًا العلاقة بين الأديان تكاملية، وليست أفضلية. فهى علاقة تقوم على الاحترام وليس التصارع أو التعارض. ومصر دوما كانت نموذجا يُحتذى فى تلقى الأديان السماوية، وفى تسامحها وتعايشها. ربما تكون مصر هى الدولة الوحيدة التى التقى على أرضها جميع الأديان السماوية، وتعايشت جنبا إلى جنب، المعابد اليهودية والكنائس المسيحية والمساجد الإسلامية. ولقد تعايش أبناء الديانات السماوية الثلاثة فى سلام وأمان وأمن اجتماعى طوال تاريخهم. وربما تكون مصر من الدول القليلة التى لم يأخذ استقبالها لأى دين سماوى فى بداياته شكل التصارع والتقاتل، بل استقبلته بدافع احتياجها المرحلى لهذا الدين فى تعاليمه ومبادئه. هكذا عاشت فى مصر الأديان السماوية ولا تزال، ولم يكدر صفو هذه العلاقة المتسامحة والمتعايشة منغصات الحياة اليومية، التى كان المصريون يتعايشون معها. لم يكن فى يوم من الأيام ليتصاعد الخلاف بين مصرى مسيحى ومصرى يهودي، أو مصرى مسلم مع أى منهما، ليصل إلى حد وصفه بالصراع الديني، وإنما كان مجرد مشكلة اجتماعية حياتية، قد تحدث بين أبناء الدين الواحد، ولذلك كان سرعان ما يتم رأب صدع هذه الخلافات الاجتماعية الحياتية البسيطة. 
غير أنه لما جرت فى البحر رياح التغيير السياسي، والتطرف الفكري، لم يعد ما كان يحدث ليمر مرور الكرام، وإنما أصبحت مثل هذه الخلافات الحياتية يتم توظيفها سياسيا. ولكى أدلل على ذلك يمكن معرفة مدى التغيير المجتمعى الذى ألم بالعالم العربي، وليس مصر وحدها، بعد وعد بلفور عام ١٩١٧، ثم تأسيس دولة إسرائيل عام ١٩٤٨، التى تأتى تحقيقا لما نادت به الحركة الصهيونية، هذه الحركة التى كانت سببا رئيسيا فى تكدير حالة الصفاء الاجتماعى فى كل أنحاء العالم العربي. ففى مصر كان اليهودى يعيش فى سلام وتسامح اجتماعى وإنسانى مع سائر المصريين. كان يمارس حياته اليومية، وطقوسه الدينية فى أمان بلا أى تكدير. كان اليهود ماهرين فى التجارة، فمارسوا تجارتهم فى حرية وسماحة. ومارسوا الطب، وتخصصوا فى بعض الحرف الاجتماعية المهمة، دون أن يضايقهم أحد، بل مارسوا حقوقهم فى تولى المناصب الرفيعة، فمنهم الوزير يعقوب بن كلس الذى تقلد منصب الوزير فى عصر الدولة الفاطمية، التى أعلت من شأن اليهود، على نحو يشهد تسامحية مصر وشعبها وسياستها، وهو حق كان اليهود أنفسهم محرومين من الحصول عليه فى الغرب (الديمقراطي!) حتى منتصف القرن العشرين تقريبا. ثم جاءت الحركة الصهيونية، فغيرت المزاج المجتمعي، وتغيرت معها هذه الصورة المتناغمة اجتماعيا بعض الشيء. وشعبيا نستطيع أن نلمس هذه الصورة المتعايشة بين أبناء الديانات الثلاثة فى حكايات وسير وأغانٍ وأمثال شعبية كثيرة، وهو ما سنتوقف عنده فى مقالنا القادم بإذن الله.
د. خالد أبو الليل: أستاذ الأدب الشعبى بكلية الآداب، جامعة القاهرة

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: حوار الأديان الحضارات الإنسانية مصر التطرف الفكري التغيير السياسي الأدیان السماویة بین الأدیان

إقرأ أيضاً:

العكاري: إجراءات المركزي ووعي الليبيين هما الحل لإنهاء أزمة السيولة

أكد الخبير الاقتصادي مصباح العكاري أن الإجراءات التي يتخذها المصرف المركزي، ووعي الليبيين هما الحل لإنهاء أزمة السيولة.

وقال العكاري، في منشور عبر “فيسبوك”: “في العيد الماضي شاهدنا أطول طابور على محلات الحرق، في هذا العيد لم نشاهد ذلك الطابور بل شاهدنا أبواب مصارفنا مفتوحة أيام الجمعة والسبت والأحد وهي تصرف في السيولة. كذلك شاهدنا ازدحام على آلات الصراف الآلي وهي تصرف في النقود حتى بعد أوقات العمل هنا لابد من التوقف قليلاً لماذا يوجد طوابير على أجهزة الصراف الآلي؟”.

وأضاف “السبب يرجع إلى قلة عدد هذه الأجهزة، هل إدارة البنك المركزي كانت في غفلة من ذلك؟، لا. إذن ماذا فعلت لكي تختفي تلك الطوابير؟، أعطت تعليماتها للمصارف التجارية بإلغاء كافة العمولات على التعامل بالبطاقة في عمليات الشراء وهي في متابعة لمن يخالف ذلك، حتى توجه الناس إلى التعامل بالبطاقة مباشرة أفضل من الكاش ولكن الكل يعلم أن انتشار رقعة نقاط البيع لم تصل إلى الاكتفاء بعد لهذا مازال هناك طلب على الكاش حتى يستخدم في المحال التي لا تتوفر فيها خدمات نقاط البيع”.

وتابع “لذلك صدرت تعليمات البنك المركزي بتركيب حوالي 800 جهاز صراف آلي تضاف إلى القطاع المصرفي مع تحديد عدد لكل مصرف على أن يتم تركيبها قبل نهاية هذه السنة مع التوسع أكثر في زيادة نقاط البيع مع مزيد من النشرات التسويقية لتوعية الجميع من أجل التخلص من هذه الكارثة وهي السيولة”.

واستطرد “إذا ما تم هذا التوسع في رقعة نقاط البيع وتركيب هذا العدد من الصرافات الآلية مع صدور المزيد من البطاقات والتوسع في الحصول علي التطبيقات المصرفية بمساعدة كبيرة من المواطنين، في هذه الحالة ستنتهي هذه الأزمة بتعاوننا جميعا ويكون الفضل فيها لنا كمجتمع ليبي استطاع بنفسه التخلص من هذه المشكلة”.

 

الوسومأزمة السيولة العكاري المصرف المركزي ليبيا

مقالات مشابهة

  • ليفربول يقتنص النقاط الثلاثة في ديربي الميرسيسايد
  • العكاري: إجراءات المركزي ووعي الليبيين هما الحل لإنهاء أزمة السيولة
  • للحد من الفساد في مؤسسات الدولة... التحوّل الرقمي هو الحل!
  • روسيا تؤكد تعزيز الحوار مع "بريكس" والمنظمات الدولية لبناء أمن أوراسيا
  • الدمج مع صور والطليعة ليس الحل ويعتبر طمس لتاريخها الرياضي !
  • بريطانيا تناور لإنهاء الرسوم الجمركية الأميركية.. واتفاق جديد قد يكون الحل
  • تبون وماكرون يتفقان على استئناف الحوار بين الجزائر وفرنسا
  • استشهاد صحفي فلسطيني وزوجته وأطفالهما الثلاثة في قصف إسرائيلي همجي على خان يونس
  • وزير الخارجية الصيني: بكين تدعو إلى مواصلة محادثات السلام بشأن أوكراني
  • الهياكل الثلاثة(53-500) الدهر والقرن والحقبة