الفرح بـ «لا يذكرون في مجاز» -1-
تاريخ النشر: 9th, January 2024 GMT
تم أول اشتباك بيني وبين «لا يذكرون في مجاز» للكاتبة هدى حمد، في عنوانها، إذ ظننتُ أول الأمر أن المجاز يعني هنا ذلك الأسلوب البلاغي الذي يقصد به «صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى مرجوح بقرينة» وبهذا فقد تعلق قلبي بأولئك الذين لا يخطرون حتى تلميحًا، في إمحاء لوجودهم، وفي طمرهم داخل العدم، لكنني ومع بداية القراءة تبينت ضلال حدسي، فمجاز هنا قرية صغيرة، وهي بذلك تكون شيئًا، وجودًا حاضرًا وقائمًا بذاته، وإن كان يعكسُ ما تأملته، في مفارقة تنمُ عن حذق الكاتبة -إن كان مشروعًا لي أن أحكم-، فمجاز مرتبطة فعلًا بالنسيان الخالص، بأبطالها المنسيين والمنفيين وبوجودها الشبحي داخل عزلتها المطلقة ذلك ما أطلقت عليه الكاتبة: «الطبقة الهلامية الشفافة التي تقع كحاجز بين عالمين».
أما وجه الاشتباك التالي فكان في علاقتي مع بثنة الثائبة، لا وجه للشبه بيني وبين بثنة الثائبة في شجاعتها وفتنتها، ولكن في اغترابها، فها هي لا تستطيع الخروج من هذا المكان الغريب مهما حاولت، ولا تستطيع العيش فيه أيضًا تكتب هدى على لسانها: «توقَّفت الثيران شديدة الهزال عن عملها، ونظر لي بخوفٍ مفرطٍ أولئك الأطفال الذين تهدَّلت دشاديشهم فوق مناكبهم، تاركين جيوبها العلويَّة مفتوحةً لتكشف عن عظام أقفاصهم الصدريَّة البائنة خلف طبقة الجلد الشفيفة، سال مخاط بعضهم، وبعضهم الآخر عضَّ سبَّابته ارتباكًا.. كان لي وجه أوَّل امرأةٍ غريبة تدخل مجاز!» فتدخل بثنة الثائبة بملابسها ذات الألوان المحايدة، وعندما تريد الهرب من قبضة سيد الحصن، تقول إن لها حبيبًا هناك في الخارج.
تصر هذه القطعة الأدبية التي سحرتني، على علاج كل شيء بالحب، فجميع أبطالها مسرنمون، تطاردهم الأصوات الغريبة، واحد يحلّق للسماء ويحب الثريا «مجموعة النجوم» ويفتته عشقه لها، وآخر يتعلق بعيون ثوره «الخشن» لاجئًا للحب الصافي فيهما، والفتاة الكبرى الجائعة ابنة حارسة النذور، يقرأ لها الصوت الهامس ما سيجعل الجوع أمرًا ممكنًا في رحلة ضمورها وموتها. ففي رواية «لا يذكرون في مجاز»: «عين المحب التي لا تخفى عليه خافية تكشف السر» على الدوام.
تختلف العزلة التي تعيش فيها «مجاز» عن العزلة التي تتعامل معها الأعمال الأدبية في العادة، ففي رواية ثلج للتركي أورهان باموق، وبفعل من العاصفة الثلجية يحاصر الناس في قرية قارص، وهناك يحدث الصراع جراء العزلة المفروضة قسرًا على تلك المقاطعة.
أما في رواية كوبو آبي «امرأة في الرمال» فإن الناس يقضون حياتهم في المدينة وهم يجرفون الكثبان الرملية وإلا سيقتلون، وباستخدام هذا الضغط الذي يعدُ وحدة ديستوبية تتحرك شخصيات القصة نحو مصائرها.
ما يميز عزلة مجاز، أنها تبدو العالم كاملًا بالنسبة لقاطنيها، فلا شيء أبعد عنها، غير جبل الغائب الذي يختفي فيه المنسيون، وهنا يغيب أفق الانتظار، فلا يعود من شيء يُترقب عدا الموت والفناء.
ذلك أن هذه العزلة لا يبدو أنها تقابلُ شيئًا آخر وأعني هنا «مضادها» إنها أصيلة وسخية أو فلنقل نقية تمامًا، إنها المعرفة الوحيدة عن العالم والعيش فيه، وبهذا فإن كل العمل يبدو مثل نشيد جنائزي طويل، تدوم فيه الحياة الكاملة المكتفية بنفسها والتي يبدو أن شيئًا ما سلبها القدرة على التفكير في غير موقعها. أما الفصول التي تلهث فيها الكاتبة صاحبة الكنبة الصفراء، فإنها الحياة الأوسعُ، حيث يبدو أن انفراجة ما أنقذت الكاتبة من مجاز ومصيرها.
ولننظر لكل تلك الأجساد واللمسات الحاضرة في الرواية، مثل الفلج الأسود والحصن والعين المرة والسفرجلة، وسيحان الحليب الدافئ، البطانية الدافئة، واشتباك الثيران، وتمديد رأس الخروف تحت ساقيّ الشاغي، وولادة القمل في الشعر يتبعها رغبة في الحكاك.
وأهالي مجاز الذين «ترمش أعينهم أكثر من المعتاد، الشفاه تتحرك بسرعة ثم تبطئ وتبطئ إلى أن يختفي الكلام» والديكة الجائعة التي تعلن قدوم الصباح والشراج العطشى جميعها تجسد فكرة هنري لوفيفر بأن «الحقائق المجردة للفضاء الاجتماعي تتجسد كواقع مادي، لأنها مفروضة على واقع الحواس والأجساد والرغبات فتسقطُ نفسها وتصبح منقوشة هناك بل وتبدأ في عملية إنتاج الفضاء نفسه»، إذن الموت وطقسية العزلة الكثيفة هي ما يوشمُ على الحركة والسكون في مجاز.
يكتب ستين بولتز موسلوند في دراسة له بعنوان The Presence of Place in Literature - with a Few Examples from Virginia Woolf أن ساعة بيج بن التي تدق على مدار اليوم طوال القصة في رواية السيدة دالاوي لفرجينيا وولف لها وظيفة علامة اجتماعية وزمنية إذ أنها بمثابة ترتيب زمني يُوجد تنسيقًا زمنيًا مجردًا للعالم بالإضافة لاتصال زمني بين الشخصيات.
وبهذا فإن الشخصيات تصبح فجأة منغمسة في جسدية المكان: صوت بيج بن يهتز عبر الفضاء - الجميع وكل شيء محاط بالصوت أو ينجذب لهذا العالم الرنان الآن، في مساحة الصوت هذه. وهذا ما تفعله هدى بحياكتها الدقيقة لكل تفاصيل القصة في مجاز، إنها بوعي وحساسية شديدة تستخدم السحر من ناحية ومن ناحية أخرى «الحكاية والولع بها» للتوكيد على ما تفرضه العزلة والموت على هذه القرية المنقطعة عن كل شيء.
وبهذا فإن شيئًا لا يوقف الرمة عن التقدم لنهش ما تلقاه أمامها وتصفيته عدا الكنبة الصفراء، عدا الفن والحلم والكتابة.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی روایة فی مجاز
إقرأ أيضاً:
بحضور أميره فتحي.. توقيع رواية الملثم في معرض الكتاب
كتب- محمد شاكر:
أقيم اليوم، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته 56، حفل توقيع رواية "الملثم" للكاتب هيثم مازن، بحضور عدد من الفنانين والنقاد.
ومن جانبه أكد الناقد الأدبي الدكتور شوكت المصرى، أن رواية "الملثم"، تناقش أهمية عدم التسرع في الحكم على التصرفات الإنسانية، مشيراً إلى عدد من المتغيرات التي يشهدها المجتمع وأهمية البحث عن السعادة والطمأنينة وفق الواقع الجديد.
فيما أشاد الملحن عصام إسماعيل بمحتوى الرواية مؤكدا أن "الملثم" ترصد تجارب الشباب والطموح، في مواجهة الصعوبات والتحديات التى تواجههم.
أما الفنانة أميره فتحي، فأبدت سعادتها بالرواية مؤكدة أن الرواية قدمت نماذج جادة ولم تنجرف نحو السطحية، بل حافظت على القيم المجتمعية.
وتفتح رواية "الملثم" نافذة تطل على صراع يحيطه الغموض، وعلى قوة قد تنبض في قلوب الطيبين دون أن يشعروا بها، وهي دعوة لاكتشاف ما وراء الظاهر.
لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
الفنانة أميره فتحي حفل توقيع رواية الملثم الكاتب هيثم مازن توقيع رواية الملثم في معرض الكتاب معرض القاهرة الدولي للكتابتابع صفحتنا على أخبار جوجل
تابع صفحتنا على فيسبوك
تابع صفحتنا على يوتيوب
فيديو قد يعجبك:
الخبر التالى: بمشاركة وزير الشباب.. مثقفون وخبراء يناقشون الوضع الإقليمي في معرض الكتاب الأخبار المتعلقة شعراء أتراك يعرضون قصائدهم بمعرض الكتاب.. ويطالبون بزيادة الترجمة بين مصر أخبار غدًا.. إمام مسجد عمرو بن العاص يناقش مجموعة "لا للتطرف" بمعرض الكتاب أخبار تعرف على نجوم الإبداع في اليوم الخامس بمعرض القاهرة الدولي للكتاب أخبار معرض الكتاب.. السفير الروسي: الكتاب الروس أصبحوا مشهورين بمصر لهذا السبب أخبارإعلان
إعلان
أخباربحضور أميره فتحي.. توقيع رواية "الملثم" في معرض الكتاب
أخبار رياضة لايف ستايل فنون وثقافة سيارات إسلاميات© 2021 جميع الحقوق محفوظة لدى
إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك 21القاهرة - مصر
21 13 الرطوبة: 50% الرياح: شمال شرق المزيد أخبار أخبار الرئيسية أخبار مصر أخبار العرب والعالم حوادث المحافظات أخبار التعليم مقالات فيديوهات إخبارية أخبار bbc وظائف اقتصاد أسعار الذهب أخبار التعليم فيديوهات تعليمية رياضة رياضة الرئيسية مواعيد ونتائج المباريات رياضة محلية كرة نسائية مصراوي ستوري رياضة عربية وعالمية فانتازي لايف ستايل لايف ستايل الرئيسية علاقات الموضة و الجمال مطبخ مصراوي نصائح طبية الحمل والأمومة الرجل سفر وسياحة أخبار البنوك فنون وثقافة فنون الرئيسية فيديوهات فنية موسيقى مسرح وتليفزيون سينما زووم أجنبي حكايات الناس ملفات Cross Media مؤشر مصراوي منوعات عقارات فيديوهات صور وفيديوهات الرئيسية مصراوي TV صور وألبومات فيديوهات إخبارية صور وفيديوهات سيارات صور وفيديوهات فنية صور وفيديوهات رياضية صور وفيديوهات منوعات صور وفيديوهات إسلامية صور وفيديوهات وصفات سيارات سيارات رئيسية أخبار السيارات ألبوم صور فيديوهات سيارات سباقات نصائح علوم وتكنولوجيا تبرعات إسلاميات إسلاميات رئيسية ليطمئن قلبك فتاوى مقالات السيرة النبوية القرآن الكريم أخرى قصص وعبر فيديوهات إسلامية مواقيت الصلاة أرشيف مصراوي إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك خدمة الإشعارات تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي لاحقا اشترك