عربي21:
2025-04-06@13:18:59 GMT

لماذا اغتيل الشيخ العاروري؟

تاريخ النشر: 9th, January 2024 GMT

أقدمت إسرائيل على اغتيال الشيخ القائد الوحدوي صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في قصف لشقة في الضاحية الجنوبية في لبنان، المعقل الأساسي لحزب الله اللبناني الذي يستقبل العاروري ورفاقه القادة في جنوب العاصمة اللبنانية بيروت، مساء يوم الثاني من كانون الثاني/ يناير 2024. وعلى إثر الخبر توشحت فلسطين بالسواد والحداد والإضراب الشامل احتجاجا على عملية الاغتيال التي طالت قائدا تاريخيا له بصماته في الضفة والقطاع والسجون، ومحبوب من قبل جميع الفصائل، وأينما حل أوجع إسرائيل.



ولعل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ما زال ماثلا أمام إسرائيل وهزيمتها المستمرة، فحتى بعد اغتياله ما زال يلاحق إسرائيل، وما زالت دماؤه ودماء رفاقه القادة تؤرق إسرائيل خوفا من ردة الفعل على جريمة الاغتيال.

وهذا يقودنا في البداية لتناول نبذة مختصرة عن الشيخ صالح محمد سليمان العاروري. ولد العاروري في قرية عارورة قضاء رام الله في 19 آب/ أغسطس 1966، وكان قد التحق بالعمل الإسلامي في سن مبكرة، وقاد العمل الطلابي الإسلامي للكتلة الإسلامية في جامعة الخليل منذ عام 1985 حتى اعتقاله في سنة 1992. وهو متزوج وله ابنتان ويعيش في لبنان.

ويذكر أن العاروري اعتقل لأكثر من 18 سنة في السجون الإسرائيلية، فاعتقل إداريا منذ سنة 1990 وحتى سنة 2007 (17 سنة) بتهمة تشكيل الخلايا الأولى للكتائب القسامية في الضفة، ثم أعيد اعتقاله بعد ثلاثة شهور من الإفراج عنه، ولمدة ثلاث سنوات حتى سنة 2010، حيث قررت المحكمة العليا الإسرائيلية الإفراج عنه وإبعاده خارج فلسطين وترحيله إلى سوريا.

العاروري قيادي سياسي وتنظيمي وعسكري فلسطيني بارز، وهو نائب لرئيس حركة حماس، وهو من مؤسسي كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس في الضفة، ويعد الرأس المدبر لتسليح كتائب القسام، وله بصمات كبيرة جدا مع مجموعة من شباب حماس الذين استطاعوا إقناع قادة حماس التي كان مسيطرا عليها من قبل الشيوخ الكبار -مؤسسي الإخوان المسلمين- الذين كان لهم موقف من استخدام العمل العسكري خوفا من إغلاق مؤسساتهم واستهدافهم من قبل إسرائيل، لتبني العمل العسكري في بداية التسعينات.

وكان أحد أصلب وأعند أعضاء الفريق المفاوض لإتمام صفقة وفاء الأحرار (صفقة شاليط) في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، وظل مصرا على دفع الثمن مقابل شاليط حتى في الأسماء التي طرحت من قبله، حيث كانت له علاقات معهم، وهو من نظمهم للعمل العسكري، وكان سجينا لفترات طويلة معهم.

بعد الإفراج عنه، تم ترحيله إلى سوريا وبعد استقراره فيها ثلاثة أعوام خرج منها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 إلى تركيا، وتنقل بين عدة دول من بينها قطر وماليزيا، وبعد ضغط أمريكي وإسرائيلي على قطر وتركيا طلبت منه الدولتان مغادرة أراضيهما، فذهب إلى الضاحية الجنوبية في لبنان لعلاقاته النوعية مع محور المقاومة وبالتحديد مع السيد حسن نصر الله.

يؤكد عدد من قادة الحركة على أن الكتلة الإسلامية في الجامعات استطاعت من خلال برامجها تأسيس وتخريج قيادات مؤثرة في المجتمع، أبرزهم القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، محمد الضيف، ومؤسس جهاز مجد الأمني يحيى السنوار، ورئيس الوزراء هنية، والعاروري.

وبناء على ما سبق، يجب الاعتراف أن استشهاد العاروري خسارة فادحة للشعب والقضية الفلسطينية والمقاومة، وهو حدث جلل أصاب حركة حماس بمصيبة لما له من تأثير ودور على جميع الصعد في الساحة الفلسطينية بشكل عام، وعلى مستوى حركة حماس بشكل خاص. يعتبر العاروري القاسم المشترك ما بين فروع حماس الأربعة، الضفة والقطاع والخارج والسجون، بالإضافة إلى الجناح العسكري.

وتعتبر كلمته هي النافذة في الكتائب، وقد لعب دور المفوض العام من الكتائب للتفاوض والإقرار فيما يخص الكتائب أثناء حرب الطوفان، والتفاوض على التبادل والهدن وغيرها من العلاقات التفاوضية مع جميع الوسطاء العرب والدوليين. كما كان يحظى بشعبية عارمة في الحركة، وله مكانة كبيرة عند الأسرى والجناح العسكري الذي يعتبر هو أحد مؤسسيه ومموليه حتى تاريخ استشهاده؛ ولعلاقته المميزة مع محور المقاومة ودوره الكبير في عملية الإعداد والتمويل والتجهيز والتدريب وتناقل الخبرات والتطوير المستمر للكتائب من خلال محور المقاومة، وهو صاحب نظرية وحدة الجبهات.

ولطالما اعتبرته إسرائيل أحد أهم مؤسسي الكتائب في الضفة، كما اتهمته بأنه يقف خلف عملية خطف المستوطنين الثلاثة في الخليل، وجميع عمليات الضفة الغربية، وبعد كل عملية كانت إسرائيل تسارع لتحميله المسؤولية عنها، فبعد كل خطبة له أو لقاء تلفزيوني، تحصل عملية نوعية مما أوجع الاحتلال.

إن عملية الاغتيال وتاريخ ودور الشيخ يقودنا للتعريج على تاريخ حركة حماس، فكيف كانت حماس وكيف أصبحت، فقد كانت منشغلة بعد 1967 ببناء مؤسساتها ونشر دعوتها وتجنيد الشباب وإصلاح المجتمع، ولم يكن الجهاد ضد الاحتلال الإسرائيلي ضمن أولوياتها، فلم يكن الاحتلال هو المعيق لعمل الحركة الجهادي بل كان عملها تحت نظر الاحتلال. إذ تم الموافقة والترخيص من قبل الاحتلال لإنشاء المجمع الإسلامي، ولو وجد الاحتلال في أنشطة الحركة أي تهديد له؛ لعمل على قمعها واستهدافها كغيرها من التنظيمات الفلسطينية التي كانت منشغلة بأعمال المقاومة. وهذا يتجلى بشكل واضح عندما سلكت الحركة طريق الجهاد والمقاومة في بداية التسعينيات، تم استهدافها أشد استهداف من قبل الاحتلال ابتداء من الاعتقالات مرورا بالإبعاد وانتهاء في الاغتيالات التي طالت قادتها، وعلى رأسهم المؤسس الشيخ ياسين.

وبدأت الحركة بالانخراط في أحداث الانتفاضة الأولى عام 1987، مستخدمة في البداية أساليب تجنبت فيها الصدام المباشر مع الاحتلال، ومنها الدعوة لترديد الشعارات، والاعتصام على أسطح المنازل، والدعوة للصوم. إلا أنها سرعان ما انتقلت للعمل المسلح والذي اتخذ أشكالا متعددة كقتل وخطف جنود، واغتيال العملاء، وزرع العبوات الناسفة، وإلقاء الزجاجات الحارقة. وبدأت الحركة بتطوير عملها العسكري، ففي عام 1989 قامت بأسر جنود إسرائيليين، وعلى إثرها تم اعتقال العديد من قيادات الحركة، وعلى رأسهم الشيخ ياسين. وابتكرت حرب السكاكين ضد جنود الاحتلال عام 1990، مما مهد الطريق لتأسيس الجناح العسكري للحركة والمسمى بكتائب عز الدين القسام في 1991، الذي يعد العاروري أحد أهم مؤسسيه في الضفة والقطاع.

لقد واجهت قيادة الإخوان وبخاصة الشيخ ياسين تساؤلات لا تنتهي حول موقف الحركة من مسألة فلسطين والحركة الوطنية الفلسطينية من قبل الأجيال الشابة، ومن ضمنهم الشيخ صالح العاروري وغيره ممن تم اغتيالهم وممن هم في السجون الإسرائيلية الذين حملوا راية الجهاد ونقلوا الحركة نقلة نوعية في العمل العسكري.

وكان العاروري حتى استشهاده من أكثر القيادات التي حافظت على الجناح العسكري حتى وصل إلى جيش قوي قاد معركة طوفان الأقصى. ويسجل أيضا للعاروري والسنوار وغيره من القادة الذين حولوا الحركة من حركة سياسية اجتماعية دعوية إلى حركة مقاومة، بأنهم حافظوا عليها بعدم تحولها إلى حزب سياسي، وأصروا على عدم تكيفها مع واقع الحكم السياسي الرسمي الفلسطيني، ومضوا في بناء القوة الاستراتيجية فوق الأرض وتحت الأرض في القطاع من خلال حفر شبكة الأنفاق العملاقة، بعيدا عن التطويع والتكيف الذي كان يُستهدف لجر الحركة إليه بعد دخولها النظام السياسي الفلسطيني، وبالتحديد الانتخابات التشريعية عام 2006 وما نتج عنها. ففي نهاية هذه النقطة كان العاروري من المبادرين للعمل العسكري في التسعينيات، وهو من القادة الذين تمسكوا بالعمل العسكري وأبقوا على خيار القوة وتطورها لمواجهة إسرائيل بهذا الشكل الحالي.

وفي عام 2010، انتخب العاروري عضوا في المكتب السياسي للحركة وبقي في منصبه حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2017، وفي التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر 2017 أعلنت الحركة عن انتخابه نائبا لرئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية. وفي 20 حزيران/ يونيو 2014، تم هدم منزله في منطقة عارورة شمال غرب رام الله. وكانت قوات الاحتلال قد هددت منذ بداية الحملة باستهداف منازل قادة حركة حماس في الضفة ردا على اختفاء 3 مستوطنين في الضفة. وفي الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، قامت قوات الاحتلال مرة ثانية بهدم منزل العاروري الخالي من السكان في رام الله أثناء معركة طوفان الأقصى.

ولم يقتصر الاستهداف والملاحقة للعاروري على إسرائيل لوحدها بل اشتركت به الولايات المتحدة الأمريكية، ففي العاشر من أيلول/ سبتمبر 2015، صنفت العاروري كـ"إرهابي عالمي" حسب التصنيف الظالم للمقاومة الفلسطينية. وعرضت سنة 2018، مكافأة قيمتها 5 ملايين دولار أمريكي مقابل الإدلاء بمعلومات تقود له، فأمريكا وإسرائيل تعتبرانه رأس الإرهاب، بينما يعتبره الشعب الفلسطيني والمقاومة وحماس قائد أركان المقاومة في الضفة وغزة ومهندس طوفان الأقصى. وحتى قادة السلطة الفلسطينية يعتزون به، فقد صرح جبريل الرجوب بأن "رحيله خسارة فتحاوية قبل أن تكون حمساوية.. خسارة لكل حركات التحرر الوطني.. وأنا حزين لأنه صمام أمان للوحدة الوطنية الفلسطينية".

وجاء تصريح الرجوب ليذكر في الدور الوحدوي الذي لعبه العاروري في جلسات الحوار "المصالحة"، وكان العاروري ومعه يحيى السنوار من أكثر القادة في حماس الذين دعموا من أجل التوصل للمصالحة الفلسطينية وقدموا تنازلات كبيرة جدا من أجل إتمام المصالحة، إلا أن هناك قادة فلسطينيين، وبدعم إسرائيلي وأمريكي، عطلوا تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وهنا لا بد من القول أن سياسة الاغتيالات ليست جديدة على العدو الصهيوني، فقد اغتال المئات من القادة الفلسطينيين منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في الستينات وقبلها وحتى قبل انطلاقة حركة حماس، فقتل من الحركة جمال منصور وجمال سليم ويحي عياش والشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وصلاح شحادة وإسماعيل أبو شنب وأحمد الجعبري وغيرهم الكثير، فما زادت الحركة بذلك إلا قوة وعنفوانا، ولم ولن تنتهي مقاومة الاحتلال بل زادت حتى وصلت بقوة طوفان الأقصى.

وفي هذا الصدد، فإن مسلسل الإرهاب الصهيوني في استهداف القيادات لا يتوقف، منذ غسان كنفاني وأبو جهاد وأبو علي مصطفى والشيخ أحمد ياسين والرنتيسي والشقاقي وقاسم سليماني وعماد مغنية ورضي الموسوي، والقائمة تطول، وما زالت إسرائيل تهدد بكل مستوياتها السياسية والعسكرية والأمنية بملاحقة واغتيال القادة الفلسطينيين والعرب وقادة المقاومة.

ومن المؤكد أن سياسة قتل القيادات الفلسطينية أو غيرها من محور المقاومة لم يؤد إلى تراجع الفصائل، ولعل حادثة اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى ما زالت ماثلة أمام الاحتلال؛ الذي تلقى درسا قاسيا بعد قتل الجبهة للوزير المتطرف رحبعام زئيفي بعد أيام من استشهاد أبو علي.

وها هي الحرب على غزة تثبت وتؤكد على أن سياسة الاغتيال لن تنهي المقاومة، وحتى الليلة الثانية من يناير الأسود لن تنهي المقاومة وسوف تبقى المقاومة قائمة إلى أن يتحقق النصر وإقامة الدولة الفلسطينية والحرية والاستقلال والعودة للشعب الفلسطيني، غير ذلك هراء وسراب.

وسوف تتفاجأ إسرائيل كما تفاجأت في السابع من أكتوبر، ولعل المئات من المشاهد النوعية والفريدة تؤكد هذا المشهد الأسطوري الذي ما زال مستمرا. وهذا هو ما دعا الاحتلال الذي لم يتمكن في القطاع من تحقيق نصر إلا الوصول لحذاء يحيى السنوار، للذهاب إلى خارج غزة لقتل العاروري ظنا منه أنه يستطيع تعويض فشله في اغتيال قادة حماس على أرض المعركة الحقيقية في القطاع، الذين يقاتلون ويمنعون الجيش الإسرائيلي من تسجيل أي انتصار عسكري في غزة، سوى قتل المدنيين وتدمير القطاع. وهذا ما يتحدث به الكثير من القادة الإسرائيليين باختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم والعديد من الإعلاميين الإسرائيليين؛ أن إسرائيل عاجزة عن تحقيق هدف واحد من أهداف الحرب، بل ذهبوا إلى المطالبة بوقف الحرب والقبول بجميع شروط حماس لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين.

ففي بيان صادر عن الفصائل الفلسطينية في الثاني من كانون الثاني/ يناير 2024، نعت فيه "القائد الوطني الكبير الشيخ العاروري ورفاقه القادة"، أكد على أن المقاومة مستمرة ودعت للرد على الاغتيال بقوة من كل الساحات والجبهات، وأعلنت الحداد الوطني العام والإضراب الشامل والتحرك الثوري في كل الساحات والجبهات.

وبنفس السياق نعى حزب الله اللبناني وجميع أعضاء محور المقاومة العاروري، وطالبوا بالرد على الجريمة النكراء التي تطاولت على الدم الفلسطيني العربي بلبنان، وهذا ما أكد عليه الشيخ نصر الله في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2024 في خطابه، وأن الرد قادم لا محالة على جريمة الاغتيال لقائد كبير، وتجرؤ الاحتلال وبهذه الطريقة على استهداف العاروري والضاحية الجنوبية.

وهذا يؤكد أن إسرائيل تتهرب من هزيمتها في القطاع لفتح جبهات أخرى، وعدم تسليمها بالحلول السياسية للقضية الفلسطينية، وسعي بنيامين نتنياهو للتهرب وإدامة أمد الحرب خوفا من انتهائها ووصوله إلى السجن الذي ينتظره.

وفي النهاية، إن استشهاد الشيخ العاروري ورفاقه لن يوقف المقاومة ولن يضعفها بل على العكس تماما، فهذه الجريمة تزيد المقاومة والشعب الفلسطيني وكل أحرار العالم قوة وثقة في النصر والتحرير، وتؤكد فشل الحرب على القطاع مما جعل العدو يبحث عن صورة نصر له في الضاحية وهذا لن يتحقق، وستجعل الضاحية الاحتلال يندم على فعلته النكراء.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه اغتيال حماس فلسطين المقاومة فلسطين حماس اغتيال المقاومة صالح العاروي مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة مقالات صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الجناح العسکری محور المقاومة العمل العسکری طوفان الأقصى تشرین الأول حرکة حماس من القادة فی القطاع فی الضفة من قبل

إقرأ أيضاً:

من البلقان إلى شرق أوروبا ومن تركيا إلى إسرائيل..لماذا تتصاعد الاحتجاجات السياسية حول العالم؟

تضاعفت الاحتجاجات السياسية في العديد من دول العالم في الآونة الأخيرة، نتيجة عدد من العوامل التي تتراوح بين سياسات حكومية متسلطة أو غير فعالة، والفشل في التعامل مع قضايا اقتصادية واجتماعية ملحة. هذه الحركات الشعبية تعكس تزايد الغضب الشعبي، وتطرح تساؤلات حول قدرة الحكومات على تلبية احتياجات شعوبها، والحفاظ على استقرار الأنظمة الديمقراطية.

وقال الباحثان توماس كاراذرز، وجودي لي في تقرير نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن عدة مناطق تشهد تصاعداً ملحوظاً في الاحتجاجات المناهضة للحكومات، وتحمل طابعاً سياسياً واضحاً. فقد اندلعت موجة احتجاجات في البلقان، شملت البوسنة، ومونتينيغرو، ومقدونيا الشمالية، وصربيا. كما شهدت دول وسط وشرق أوروبا، مثل جورجيا، والمجر، وسلوفاكيا، احتجاجات مماثلة. وامتدت موجة التظاهرات إلى اليونان، وإسرائيل، وموزمبيق، وكوريا الجنوبية، وتركيا.
ويتساءل الباحثان ما الذي يحفز هذا التصاعد في الاحتجاجات السياسية؟ وهل يشكل ذلك تطوراً إيجابياً أم سلبياً لمستقبل الديمقراطية في العالم؟
ويقول الباحثان إن الخطوات الحكومية المناهضة للديمقراطية هي المحرك الرئيسي لمعظم هذه الاحتجاجات. ففي حالتي جورجيا وموزمبيق، أدت مزاعم التلاعب بالانتخابات الوطنية إلى خروج المواطنين إلى الشوارع. وفي جورجيا، زاد قرار الحكومة الجديدة تعليق محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حدة التوتر. واستمرت الاحتجاجات في البلدين عدة أشهر. جورجيا.. اعتقال معارضين خلال احتجاج ضد الحزب الحاكم - موقع 24أوقفت الشرطة الجورجية اثنين من قياديي المعارضة خلال تحرّك احتجاجي ضد الحزب الحاكم، الذي يتّهمه معارضوه بتقويض الديمقراطية والدفع بالبلاد نحو تقارب مع روسيا.

أما في حالات أخرى، فلم تكن الإجراءات المناهضة للديمقراطية مرتبطة بالانتخابات. ففي المجر، اندلعت الاحتجاجات بعد أن أقر البرلمان المجري، في 18 مارس (آذار)، قانوناً يحظر مسيرات الفخر للمثليين، ويسمح للسلطات باستخدام تقنيات التعرف على الوجه، التي حصلت عليها من الصين، لتحديد المشاركين في الفعاليات المحظورة.
وفي إسرائيل، تصاعدت الموجة المستمرة من الاحتجاجات ضد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بسبب تركيزه المتزايد للسلطة السياسية، بعد إعلانه في 16 مارس (آذار) إقالة رئيس جهاز الأمن العام، شاباك رونين بار، حيث يرى المحتجون أن هذه الخطوة تعكس إصراره على البقاء في السلطة بأي ثمن. كما شهدت إسرائيل ارتفاعاً في الاحتجاجات عقب استئناف الحملة العسكرية ضد حماس في 18 مارس (آذار). 

وأثار إعلان الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول الأحكام العرفية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي موجة تعبئة شعبية واسعة في الشوارع. ومنذ رفع الأحكام العرفية، تواصلت الاحتجاجات المطالبة بعزل يون، ما يعكس الغضب الشعبي من تصرفاته والمخاوف على مستقبل الديمقراطية في كوريا الجنوبية. 

وفي تركيا، اندلعت احتجاجات بعد أن أمرت الحكومة، في أكتوبر  (تشرين الأول) الماضي، باعتقال أحمد أوزر، رئيس بلدية منطقة إيسنيورت في إسطنبول وعضو حزب الشعب الجمهوري المعارض. وتصاعدت المظاهرات أكثر بعد اعتقال عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الخصم السياسي الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان، في 17 مارس  (آذار).
أما في صربيا، فبدأت الاحتجاجات في نوفمبر (تشرين الثاني) رداً على الفساد الحكومي عقب انهيار سقف مدخل محطة قطارات، لكنها تحولت لاحقاً إلى تظاهرات حاشدة مؤيدة للديمقراطية، تهاجم حكم الرئيس ألكسندر فوتشيتش وحزبه التقدمي الصربي.

دوافع سياسية 

وفي حالات أخرى، كانت الاحتجاجات ذات دوافع سياسية، لكنها لم تكن ناتجة بالدرجة الأولى عن سلوكيات مناهضة للديمقراطية من قبل الحكومات القائمة، بل نتيجة الإحباط العميق من ضعف الاستجابة الحكومية للكوارث، وغياب المساءلة الفعالة. ففي البوسنة، تأخرت الحكومة في مواجهة فيضان مدمر، وفي اليونان، استمرت الاحتجاجات بسبب تقاعس الحكومة بعد حادث قطار مميت، أما في مونتينيغرو، فجاء الغضب الشعبي بعد تعامل السلطات مع إطلاق نار جماعي، وفي مقدونيا الشمالية، بسبب الفساد الذي أحاط بانتهاكات للسلامة ساهمت في حريق كارثي في ملهى ليلي.
وفي الولايات المتحدة، شهدت العديد من المدن احتجاجات صغيرة ومتوسطة الحجم ضد بعض الإجراءات المبكرة التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي اعتبرها بعض المواطنين مثيرة للجدل، مثل السياسات الجديدة في الهجرة، واقتراح ترامب ترحيل الفلسطينيين من غزة.
كما سجلت مجموعة من الاحتجاجات اللافتة دعماً لزعماء أو شخصيات سياسية متهمة باتخاذ خطوات مناهضة للديمقراطية. ففي البرازيل، خرجت مظاهرات مؤيدة للرئيس السابق جايير بولسونارو، وفي الفلبين، دعماً للرئيس السابق رودريغو دوتيرتي، وفي كوريا الجنوبية، تأييداً ليون، وفي رومانيا، دعما للمرشح الرئاسي اليميني المحظور كالين جيورجيسكو.  

تأثيرات عدوى 

ويرى بعض المراقبين السياسيين في البلقان أن هناك تأثيرات عدوى انتقلت من الاحتجاجات في صربيا، إلى دول أخرى في المنطقة. غير أن الاحتجاجات خارج البلقان بدت، في الغالب، ذات دوافع محلية بحتة.
ويقول الباحثان، إن هذا التنامي الملحوظ للاحتجاجات السياسية في الأشهر الستة الماضية يقدم صورة مزدوجة لحالة الديمقراطية العالمية. فمن جهة، تعكس هذه التحركات أخباراً سيئة، تتمثل في مواصلة بعض القادة المنتخبين السير في مسار استبدادي، يسعى إلى تقويض الحياة الديمقراطية في بلدانهم. ومن جهة أخرى، تمثل هذه الاحتجاجات تعبيراً حياً عن التزام الكثير من المواطنين بالحفاظ على المعايير الديمقراطية، والمطالبة بالمساءلة الحكومية، رغم ما قد يواجهونه من مخاطر شخصية جسيمة.
ويخلص الباحثان إلى أنه حتى الآن، لم تنجح هذه التحركات الشعبية في إيقاف الإجراءات السلطوية المثيرة للقلق، إلا أن احتجاجات صربيا، أسفرت عن استقالة رئيس الوزراء، وقد تفضي إلى انتخابات مبكرة، وهي تطورات تؤكد أن القادة المنتخبين ذوي التوجهات الاستبدادية، مهما بلغ دهاؤهم وإصرارهم، لا ينجحون دائماً في فرض إرادتهم بسهولة.

مقالات مشابهة

  • قائد عسكري إسرائيلي سابق: حماس وفّت بتعهداتها والضغط العسكري أثبت فشله
  • أردول..لا اعتقد التنسيق الامني والتحالف العسكري بين الحركة الشعبية الحلو – ومليشيا الدعم السريع باسم (قوات التحالف ) يمكن ان يشكل تهديد كبير
  • سمير فرج: حماس أحيت القضية الفلسطينية رغم التضحيات
  • الإمارات تنقل التحريض ضد المقاومة الفلسطينية إلى ساحة الأمم المتحدة
  • إيران وحماس بين لُغة المقاومة وخطاب المصالح.. قراءة في كتاب
  • من البلقان إلى شرق أوروبا ومن تركيا إلى إسرائيل..لماذا تتصاعد الاحتجاجات السياسية حول العالم؟
  • بكرى: إسرائيل قصفت غزة بما يعادل 2.5 قنبلة ذرية
  • كاتب مسرحي يهودي: المقاومة الفلسطينية مشروعة
  • مظاهرات حاشدة تشهدها المخيمات الفلسطينية في لبنان نصرة لغزة ورفضا لمجازر العدو
  • “حماس” تدعو ليوم غضب واستنفار عالمي نصرة لغزة