صار العالم، بعد تقدم وسائل الاتصال قرية صغيرة. أهم سماتها ان الشعوب صارت تتعرف وتراقب، عن كثب، وبصورة دقيقة، ما يجري في الأقطار الأخرى. هذه المعرفة اللصيقة، لتلك التجارب، تجعلنا نعرف كيف نجحت تلك الشعوب أو فشلت في علاج مشاكلها. ذلك الأمر يراكم خبراتنا ومعرفتنا في كيفية تخطي العقبات، إذا واجهنا معضلات شبيهة.

لذلك يجِب أنْ نتعلّم من تجارب الآخرين، أي أنْ نتعلّم ألّا نرتكِب ذات الاخطاء والخطايا، لا أنْ نرتكب اخطاء مماثلة ُثمّ نبذل طاقات كبيرة في البحث عن الحل. انطلاقا من ذلك الفهم، أبدا سلسلة مقالات، تعرض، باختصار شديد، ملامح من تجارب الشعوب الأخرى. بدأ المقال السابق بتجربة جنوب افريقيا، وكيف تخطت كل الام ومرارات جرائم الفصل العنصري، لتبني ديمقراطية حقيقية. ونعرض اليوم تجربة شيلي، مع التأكيد اننا لا ندعو لنقل أي من التجارب التي نقدمها حرفيا، لكنن ندعو لاستيعاب جوهر الدروس التي تقدمها لنا.
تميزت شيلي بتقاليد ديمقراطية عريقة، امتدت لعقود طويلة من الزمن، وصدر اول دستور عام 1918. وتوزعت الحكومات ما بين عسكرية وبعدها مدنية لتاتي عسكرية مرة أخرى. كما كانت الحياة السياسية، تتميز بالتنوع والتعدد. وكانت الحياة الحزبية ذات عمق حقيقي وحيوية فائقة وحضور فاعل في الحياة العامة. ونشطت النقابات والاتحادات والأندية والصحف والمراكز الثقافية. والاهم، لم تشهد، مثل معظم أمريكا اللاتينية، عنفا وصراعات أو حروب طويلة.
انتخب سلفادور الليندي رئيسا في انتخابات 1970، وبذلك هو أول رئيس اشتراكي ينتخب في امريكا اللاتينية. وكان يقود تحالفا يسمي الاتحاد الشعبي يتكون من ستة أحزاب ديمقراطية واشتراكية وشيوعية. وتبني الليندي سياسة اشتراكية وبدأ إجراءات تأميم الشركات الأجنبية التي كانت تحتكر مناجم النحاس.، ووزع الاقطاعيات الكبيرة على الفلاحين.
دعمت الولايات المتحدة تحركات العناصر اليمينية وايدت إدارة نيكسون معارضي النظام من الاثرياء، ومارست حصارا اقتصاديا وفرضت عقوبات على شيلي. ومارست المخابرات الامريكية نشاطا علنيا في تجميع ودعم وتفعيل كل الكيانات المعارضة.، وتسببت في أزمات اقتصادية ومعيشة. وتوجت كل النشاطات المعادية للحكومة الشيلية بتنظيم انقلاب عسكري دموي، وقتل الرئيس واعترفت الولايات المتحدة فورا بالانقلاب.
انقلب بينوشية على الحكم المدني عبر عصبة عسكرية ضمت قادة الجيوش البرية والبحرية والجوية والبوليس، وحكم في البداية من خلال مجلس عسكري يضم هؤلاء القادة، وكان الاتفاق ان يتداول هؤلاء الحكم، ولكن بينوشية فرض نفسه رئيسا استبداديا للبلاد في ديسمبر 1974 ليستمر في الحكم سبعة عشرة عاما، ومارس سياسة اقتصادية نيو ليبرالية.
بدأ بينوشية عهده بإعلان حالة الطوارئ وتعليق العمل بدستور 1925وحل الأحزاب الاشتراكية والشيوعية وحل الكونغرس ومنع كل الأنشطة السياسية وحرمها، وحارب المفكرين والمبدعين والكتاب وفصل عمداء الكليات الجامعية وطرد المئات من أساتذة الجامعات. ومارس سياسة قمعية قوية ودموية أدت لفقد عشرات الالاف من الضحايا من جراء عمليات الاغتيال والتعذيب ومطاردة وقتل حتى من هربوا خارج القطر. ولإعطاء فكرة عن حجم الاعتقالات تم تحويل أكبر استاد لكرة القدم في سانتياغو العاصمة الي معتقل ضم الالاف من المعتقلين.
احكم الطاغية قبضته على الجيش، وفصل كل المشكوك في ولائهم، وأصبح هو المسؤول عن نظام الترقية للضباط وهكذا احكم قبضته القوية على الجيش، ونظم استفتاءات مزورة على دساتير تعطيه سلطات مطلقة تنفيذية وتشريعية وصارت مدة الرئاسة ثمانية سنوات.
نظمت القوى السياسية نفسها وخاضت مقاومة مستمرة ونظمت العديد من الإضرابات والمظاهرات. ساعدت الاحتجاجات في تشكيل عدة تحالفات سياسية، تعرضت للانقسامات، واستمر النضال المسلح ضد النظام. ثم بدأت حوارات جديدة للوصول الى أفضل استراتيجية من اجل الاتفاق على كتلة معارضة منتظمة. وظهرت عدة استراتيجيات منها التحضير لانقلاب او عمل مسلح او العمل جماعيا والتحضير للاستفتاء المحدد له 1988، مما يعني الانتظار لأربعة أعوام. ولم يتم الاتفاق على استراتيجية واحدة. ورغم ذلك الشتات ، ازادت قوة المعارضة مع ازدياد أزمات النظام الاقتصادية وفشل سياساته.
قادت الكنيسة في منتصف 1985 وساطة جديدة من اجل حوار جدي بين السلطة والمعارضة. وتكللت جهود رئيس أساقفة سانتياغو في تشكيل جبهة معارضة من 11 حزبا من مختلف التيارات وتوقيع الميثاق الوطني. طالب الميثاق الوطني بإصلاحات دستورية شاملة ورفع حالة الطوارئ واجراء انتخابات عامة. الا ان الدكتاتور رفض كل ذلك. ورغم فشل التحالف في تحقيق أهدافه، الا انه أكد امكانية العمل الموحد.
قامت الاتحادات العمالية والمنظمات المهنية وجماعات ضغط اخري بتشكيل الجمعية المدنية بهدف انهاء الحكم العسكري. اعتقلت الحكومة العسكرية قادة الجمعية، فاندلعت المظاهرات، وقويت الحملة العالمية ضد النظام. وحاولت الحكومة، مع اقتراب موعد الاستفتاء في مساومة بعض الأحزاب، التي رفضت الخدعة، فوضع النظام قيودا كبيرة. لم تجد الأحزاب مفرا من العمل رغم القيود الكثيرة، ولكنها اتفقت ان تقوم جماعيا بحملة جماهيرية منظمة وقوية للتصويت ب "لا" في الاستفتاء القادم.

عقد الاستفتاء بالفعل في أكتوبر 1988، بنسبة مشاركة فاقت 90 % وجاءت النتيجة ضد بقاء بينوشيه في الحكم بنسبة 56 % في مقابل 43% لصالحه. تم ذلك رغم الدعاية الحكومية القوية والقيود التي فرضت. وبحسب الدستور، بقي بينوشيه سنة واحدة، وحتى الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 1989. وتمت الانتخابات في موعدها، وتقدمت المعارضة بمرشح واحد، مما ادي لهزيمة الدكتاتور بينوشيه. ورغم هزيمته ظل بينوشيه قائدا للجيش حتى مارس 1998(حسب نصوص الدستور الذ فصل على مقاس الدكتاتور).
نجحت الحكومات المنتخبة، على الرغم من كل هذه العقبات، التي جعلت الكثير من الباحثين يكتبون بتشاؤم عن إمكانية اخضاع الجيش الشيلي للمؤسسات المدنية. وانجزت الأحزاب والمؤسسات الديمقراطية، وعلى الأخص منها الكونغرس، أمور عدة: تعزيز دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية، الاستقرار السياسي، الأداء الاقتصادي الجيد، تحديث الجيش، محاكمة بينوشه وجنرالات آخرين مسؤولين عن انتهاكات حقوق الانسان بعد انقلاب 1973 الدموي.

siddigelzailaee@gmail.com  

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

الموارد البشرية والتوطين تعزز الوعي بـ"نظام الادخار"

نظمت وزارة الموارد البشرية والتوطين خلال الأسبوعين الماضيين 6 ورش للتوعية بالمنافع التي يحققها "نظام الادخار" الاختياري البديل لمكافأة نهاية الخدمة للعاملين في القطاع الخاص، وآلية الاشتراك في النظام، من خلال صناديق الادخار المعتمدة من قبل الوزارة وهيئة الأوراق المالية والسلع.

وشارك نحو 500 صاحب عمل وممثلين عن مجموعة من الشركات في ورش العمل التي تم تنظيمها بالتعاون مع صناديق الادخار المعتمدة، والتي تشمل شركة لونيت كابيتال وبنك أبوظبي الأول وضمان للاستثمار وشركة الصكوك الوطنية، وهي من الشركات المالية صاحبة الخبرة الواسعة في إدارة الصناديق الاستثمارية، ما يعزز كفاءة تنفيذ "نظام الادخار"، وموثوقية تحقيق فوائد إيجابية للعمال وتحسين واقعهم المالي.
ويهدف "نظام الادخار" إلى استثمار المبالغ المخصصة لمكافأة نهاية الخدمة للموظفين، وتنمية مدخراتهم عبر صناديق استثمارية رائدة ومعتمدة، بما يسهم في تحقيق الاستدامة المالية للعاملين في القطاع الخاص، وتمكينهم من التخطيط لمستقبلهم الوظيفي بشكل أكثر استقرارًا وتعزيز سهولة الأعمال.
وقال أحمد الياسي، وكيل الوزارة المساعد لقطاع حماية العمل بالإنابة": "يأتي تنظيم الورش في إطار منهجية شاملة ومستدامة تتبناها الوزارة في إطار علاقتها مع الشركاء في سوق العمل، بما يدعم تطوير هذه الشراكة لتحقيق أهداف السياسات الحكومية، والقرارات الوزارية الرامية لتعزيز مكانة الدولة وريادتها العالمية في مجالات سوق العمل ".

مزايا الادخار

ودعت الوزارة شركات القطاع الخاص إلى التسجيل في "نظام الادخار" والاستفادة من المزايا التي يحققها لطرفي علاقة العمل، من حيث تنمية مستحقات الموظفين وزيادة استقرارهم، وتخفيف النفقات على أصحاب العمل، وتعزيز القطاع المالي والاستثماري في الدولة.
وقدمت الورش شرحًا تفصيليًا حول آليات ومزايا الاشتراك بنظام الادخار، وأضاءت على العديد من النقاط المهمة من بينها المنافع التي توفرها الصناديق الاستثمارية المعتمدة.
كما استعرضت الورش خيارات الاستثمار المتنوعة التي تشمل محفظة ضمان رأس المال، وخيارات استثمارية قائمة على المخاطر، وصناديق استثمار متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وقدمت شرحاً مفصلاً عن كل محفظة، والخيارات المتفرعة عنها، بما يلائم متطلبات مختلف الشرائح.
ويمكن للشركات الراغبة في الاشتراك في نظام الادخار؛ اختيار أحد صناديق الاستثمار المعتمدة، وسداد الاشتراك عن العمالة التي ترغب بتسجيلها في النظام مع إمكانية الاحتفاظ بمستحقاتهم عن الفترة التي تسبق الاشتراك.
ويحق للعامل دفع المساهمة الإضافية اختيارياً لزيادة وتنمية مدخراته والعوائد الاستثمارية الخاصة به، وذلك في حدود 25% من الأجر الاجمالي في الاشتراك الطوعي، بينما يحق له سحب جزء أو كل المبالغ أو العوائد الاستثمارية، حسب شروط وضوابط النظام .

ويجوز للعامل عند انتقاله من صاحب العمل الحالي إلى صاحب عمل جديد الحصول على مستحقاته من الصندوق عن اشتراكاته أو الابقاء عليها بالصندوق بهدف استكمال الاستثمار مع إمكانية تحصيلها في أي وقت، ولصاحب العمل الجديد أن يحل محل صاحب العمل السابق في استكمال سداد الاشتراك لدى ذات الصندوق بعد أن يقوم بالتعاقد معه، كما يجوز له تسجيل العامل لدى مدير صندوق آخر وسداد مبالغ الاشتراك الأساسي.
ويتيح النظام للعامل الماهر حرية اختيار أي نوع من أنواع خيارات الاستثمار المقدمة في النظام؛ حسب تفضيلاته للمحافظ الاستثمارية، فيما يتم ادراج العامل غير الماهر في محفظة ضمان رأس المال فقط.

مشاركة اختيارية

كما يتيح النظام المشاركة الاختيارية لفئات إضافية وفق رغبتها بهدف الاستفادة من المزايا التي يوفرها، حيث يستطيع أصحاب الأعمال المستقِلّون والحاصلون على تصريح العمل الحر، والموظفين غير المواطنين العاملين في الجهات والمؤسسات الحكومية، والمنشآت والشركات التابعة لها، بالإضافة إلى المواطنين العاملين في القطاع الحكومي والخاص التسجيل في "نظام الادخار" وفق المساهمة الاختيارية الإضافية فقط، وبالتالي حفظ واستثمار مدخراتهم وتنميتها بشكل آمن مع التزام واستمرار أصحاب العمل بسداد الاشتراكات عن المواطنين في أنظمة وهيئات المعاشات والتأمينات الاجتماعية.
وتوفر وزارة الموارد البشرية والتوطين على موقعها الالكتروني كافة المعلومات بشأن صناديق الادخار المعتمدة، والتي يتم تحديثها دوريًا فضلاً عن تفاصيل حول نظام الادخار " الاختياري البديل لمكافأة نهاية الخدمة للعاملين في القطاع الخاص.

مقالات مشابهة

  • سياسة ترامب تربك الأنظمة والحكومات.. هل ينتهي النظام العالمي القديم؟
  • عن بقاء الجيش الإسرائيليّ في جنوب لبنان.. هذا ما كشفه يسرائيل كاتس
  • محافظ أسوان: توقيع مذكرة تفاهم مع تنسيقية شباب الأحزاب لتفعيل العمل التنموي
  • الموارد البشرية والتوطين تعزز الوعي بـ"نظام الادخار"
  • الجيش الإسرائيلي يوضّح سبب أصوات الانفجارات التي سمعت في غزة
  • نيجيرفان:أمريكا هي التي فرضت على حكومة السوداني باستئناف تصدير النفط وتنفيذ رغبات الإقليم
  • وزير النفط والثروة المعدنية السيد غياث دياب في تصريح لـ سانا: نرحب بقرار الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات عن قطاع الطاقة في سوريا، والذي جاء في ظل التطورات التاريخية التي تشهدها سورية بعد سقوط النظام البائد
  • تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين تطلق حوارًا مجتمعيًا حول قانون العمل الجديد
  • تنسيقية شباب الأحزاب تطلق حوارًا مجتمعيًا حول قانون العمل الجديد
  • تنسيقية شباب الأحزاب تطلق حوارًا مجتمعيًا حول "قانون العمل الجديد"