11 يناير.. مستقبل اقتصادي واعد
تاريخ النشر: 8th, January 2024 GMT
تطل على العمانيين وأفراد المجتمع العماني عموما بعد يومين مناسبة وطنية منتظرة وذكرى جليلة خالدة، إنها الذكرى الرابعة لتولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في البلاد لتنطلق نهضة سلطنة عُمان المتجددة وتكمل مسيرة النهضة المباركة التي بدأت منذ عام 1970م وأرسى دعائمها السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيّب الله ثراه- فهذه الذكرى العزيزة التي يحتفل بها العُمانيون تمتزج مع الفخر والاعتزاز لما تحقّق على أرض سلطنة عمان من منجزات شتى لا سيما المنجز الاقتصادي والمالي الذي نهض بالاقتصاد العماني إلى مستويات من التطور والنمو والتحسن بفضل الخطط والبرامج الاقتصادية والمالية التي أقرها جلالة السلطان المعظم منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد، والتي أثبتت فاعليتها ونجاحها، مما انعكست إيجابا على المؤشرات الاقتصادية والمالية خصوصا في بندي الإنفاق الحكومي والإيرادات العامة للدولة في الميزانية العامة للدولة، وما يزيدُ الأمر ارتياحا واطمئنانا هو المتابعة المستمرة من جلالة السلطان المعظم للخطط والبرامج المالية المتخذة، ولضمان عدم تأثر فئات المجتمع العُماني بالإجراءات المالية الطارئة والضرورية، أقر جلالته -أعزّه الله- مبادرات الحماية الاجتماعية ليكوّن قانونا للحماية الاجتماعية يؤطر هذه المبادرات ويحوكم صرفها تمهيدا لبدء صرف المنافع بدءًا من شهر يناير الجاري، وبذلك تكون سلطنة عمان من أوائل دول منطقة الشرق الأوسط التي تقرُّ قانونا للحماية الاجتماعية والذي لا شك سينعكس إيجابا على رفع مستوى الرفاه الاجتماعي للأسر العُمانية، ومن المتوقع أن تسهم منافع منظومة الحماية الاجتماعية في دعم مؤشرات الاقتصاد العماني وأبرزها مؤشر القوة الشرائية وتحسّن دخل الفرد العماني إضافة إلى دعم دخل الأسر لتلبية متطلبات الحياة الاجتماعية اليومية.
أما السياسات الاقتصادية والمالية التي أقرتها الحكومة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية الطارئة نتيجة تفشي مرض فيروس كورونا «كوفيد-19»؛ فقد أثبتت فاعليتها ونجاحها مما استطاع الاقتصاد العماني النهوض مجددا واستدامة وضعه المالي لينخفض الدين العام للدولة إلى نحو 15 مليار ريال عماني وبنسبة لا تتجاوز 35% من الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك انخفض سعر التعادل في الميزانية العامة للدولة إلى نحو 66 دولارا أمريكيا بفضل الخطط والبرامج الاقتصادية الهادفة إلى تعزيز التنويع الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل الأخرى عبر تعظيم الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات الاقتصادية لا سيما قطاع الطاقة النظيفة (الهيدروجين الأخضر).
إن تحسّن أداء الاقتصاد العماني خاصة منذ تولي جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في 11 يناير 2020م رغم التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه الاقتصاد العالمي أبرزها عدم الاستقرار السياسي في بعض مناطق العالم، يشير إلى فاعلية السياسات الاقتصادية والمالية ومبادرات خطة الاستدامة المالية وبرامجها التي أقرها جلالته وتحسّنت بفضلها مؤشرات الاقتصاد العُماني وأرقام الميزانية العامة للدولة من حيث تجويد الإنفاق الحكومي وتعظيم الإيرادات العامة للدولة وتسجيل عجز متوقع بنحو 600 مليون ريال عُماني مع احتمالية عدم تسجيله في الميزانية العامة للدولة للعام الجاري 2024م في حال شهدت أسعار النفط العالمية ارتفاعات غير متوقعة، فأسعار النفط حاليا تتراوح في منتصف السبعين دولارا وبُنيت الميزانية العامة للدولة على متوسط سعر نفط 60 دولارا أمريكيا وهو سعر تحوّطي تفاديا لأي ارتدادات سلبية على أسعار النفط خلال العام الجاري، وعموما فإن سعر 60 دولارا أمريكيا يشير إلى التوسع في الإنفاق العام للدولة وذلك لإنجاز المزيد من المشاريع التنموية وطرح مناقصات مشروعات أخرى، فالاقتصاد العماني بفضل الجهود التكاملية بين الجهات الحكومية يخطو بثبات نحو التقدم والازدهار، وسيسجّل بعون الله وتوفيقه نموّا خلال العام الجاري 2024م.
إننا في الوقت الذي نستقبل فيه ذكرى الحادي عشر من يناير، لنشعر بالفخر والاعتزاز لجميع الجهود المخلصة التي بُذلت خلال السنوات الماضية للارتقاء بعُمان وأبنائها واقتصادها رغم الصعاب والتحديات التي واجهت العالم منذ أزمة انخفاض أسعار النفط مرورا بالأزمة الاقتصادية القاسية التي خلّفها تفشي مرض فيروس كورونا (كوفيد-19) وصولا إلى الأزمات السياسية التي يشهدها العالم حاليا إثر استمرار الحروب في مناطق مختلفة. نشكر الله عزّ وجل ونحمده على نعمه التي أنعم بها على عُمان التي تجلّت في قيادة فذّة حكيمة تكللت مساعيها بالنجاح والتوفيق للارتقاء بعُمان وشعبها للذرى العالية، فشكرا جلالة السلطان المعظم على ما حقّقه الاقتصاد العماني من مؤشرات إيجابية وتحسّن في أرقام الميزانية العامة للدولة مما أدى إلى تحسّن التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان وتحسّن النظرة المستقبلية للاقتصاد العُماني، عُمان بكم تخطو نحو مستقبل مشرق واعد باقتصاد متطور متسارع النمو والاستدامة، وشعارنا دوما في هذه الذكرى الوطنية الجليلة: 11 يناير.. رؤية وقيادة. حفظ الله عُمان وجلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المیزانیة العامة للدولة جلالة السلطان المعظم الاقتصادیة والمالیة الاقتصاد العمانی الاقتصاد الع الع مانی ع مانی
إقرأ أيضاً:
الانتصار: هل يُعيد تشكيل الوعي لمستقبل واعد، أم مجرد فصل جديد في رواية لم يتغير سياقها؟
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
فرحة الانتصار، التي وقف فيها الجيش والقوات المساندة له صامدين كالجبال، مُقدمين الغالي والنفيس، ليس مجرد واجب، بل كعهدٍ خالدٍ لا ينكسر. لم يكن هذا الفداء إلا انعكاساً لروحٍ، لا تعرف الانحناء، وعزيمةٍ تتحدى المستحيل، حيث امتزجت الدماء بالحلم، والتضحية بالمجد. إنها فرحة لم تكن مجرد نشوةٍ لحظية أوفرحة خاطفة، بل كانت ذروة ملحمة إنسانية، تماهت فيها دموع الشعب مع دماء الأبطال، لينسجوا معاً رايةً لا يطويها النسيان. ففي كل قطرة دمٍ سُكبت، وفي كل صرخة ألمٍ علت، كان هناك وعدٌ يولد، بأن هذا الوطن لن يكون إلا حراً، عزيزاً. أنها ملحمة إنسانية خُطّت بمداد التضحية، حيث التقى الألم بالأمل، والفقد بالمجد.
وسط قرع طبول الفرح، وفي غمرة الزهو بالنصر المستحق، يلوح في الأفق سؤال أشد عمقاً، يتجاوز لحظة النشوة ويخترق حجاب المستقبل: ماذا بعد؟ هل الانتصار خاتمة المسير، أم أنه أول الخُطى على درب لا يقل وعورةً عن دروب القتال؟ وهل النصر مجرد احتفاء بلحظة الفوز، أم يمكن تحويله إلى بذرة تُغرس في تربة المجد، فتنمو وتزدهر، لا لتذبل مع مرور الزمن، ولا لتبهت تحت وطأة الاندثار؟ إن الانتصار ليس راية تُرفع في يوم الفوز ثم تُطوى مع تعاقب الأيام، إن أعظم الانتصارات لا تُقاس فقط بما يُكتسب من أرض أو يُحقق من غايات، بل بما يُترجم إلى وعي حضاري قادر على اجتثاث أسباب الفرقة والشتات. فالشعوب التي لا تعي أن قوتها الحقيقية تكمن في وحدتها، تظل أسيرة دوائر الصراع، تتكرر أخطاؤها بأسماء مختلفة، وتتعثر خطواتها على الطرق ذاتها. أكتوبر، تفتحت فيها أزهار الحرية حينما أعلن الشعب عن رغبته في حياةٍ كريمة، لا يطالها الاستبداد ولا تُغشيها ظلال الفقر. وفي أبريل، ارتسمت ملامح التجدد بجرأة الأمل والإصرار على التغيير، حيث صار الحلم واقعاً يستحق النضال. وفي ديسمبر، ترددت أصداء الثورة لتحكي قصة شجاعة لا تعرف الاستسلام، قصة شعب أضاء درب الحرية بكفاحٍ لا يلين. ولكن، يبقى السؤال: هل لدينا الاستعداد أن نحافظ على النصر؟ هل نحن مستعدون للوقوف أمام اختبار الزمن، وحماية النصر حتى لا يصبح سراباً يذبل مع مرور الأيام؟ هل سنكتفي بظل وهج لحظي، أم سنغرس بذور هذا النصر في تربة الاستمرارية، ليرتقي من مجرد لحظة انتصار إلى مسيرة حضارية تُخلّد في صفحات التاريخ.
حينما يصمت أزير البنادق، هل ذلك إعلاناً للانتصار المطلق، وضماناً لسلام دائم وتعايش بين المكونات، أم أنه بزوغ فجر أشد تعقيداً، معركة إعادة البناء واستعادة التوازن؟. الهزيمة العسكرية، مهما بدت ساحقة، ليست سوى سطر في فصل طويل من التاريخ، فالتحدي كيف نعيد ترميم مجتمع أرهقته الحروب ومزقه خطاب الكراهيه، وأُنهكته دوامة الصراعات؟ إن سقوط الميليشيات لا يعني بالضرورة سقوط الأفكار التي أنجبتها، ولا يمحو الخراب الذي خلّفته في بنية الدولة والمجتمع. فالنسيج الاجتماعي الذي أصابه التمزق لا يلتئم تلقائياً، بل يحتاج إلى وعي عميق وإرادة سياسية صلبة لترميم الهوية الوطنية، وردم الفجوات التي تسللت منها، وبناء أسس لدولة لا تقوم على أنقاض الأزمات، بل تتجذر في العدل والاستقرار. فالانتصار ليس إسقاط كيان مسلح، بل في تأسيس نظام يحول دون ظهور كيان مماثل، وفي بناء وطن محصّن ضد التميز، عصيّ على التصدع، لا تتغذى مؤسساته على الصراعات، بل ترتكز على سيادة القانون، وتُعلي قيم المواطنة، حتى لا تتكرر المأساة في دورة أخرى.
إن سقوط الميليشيا، وإن كان منعطفاً مصيرياً، لا يعني بالضرورة محو الخوف المتجذر في الذاكرة الجمعية، ولا يضمن زوال الكراهية التي تغلغلت في النفوس. فالحرب، بطبيعتها، لا تنتهي بمجرد إسكات البنادق، بل تواصل حضورها في الوعي، تفرز أسئلتها القلقة، وتفرض تحدياتها الأشد تعقيداً: العدالة والمصالحة. وهنا، تُختبر الدولة لا كسلطة قهر، بل كحكومة قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، حتى لا تتحول الهزيمة العسكرية للميليشيا إلى مجرد محطة في دورة أزلية من الفوضى. فالتاريخ يُعلِّمنا أن الفراغ، إن لم يُملأ ببناء راسخ، صار تربة خصبة لولادة أشكال جديدة من العنف، يعيد إنتاج الخراب بأقنعة مغايرة. أخطر ما قد تواجهه أمة خارجة من نفق الاحتراب هو أن تترك جراحها مفتوحة، نهباً لرياح الضعف والانقسام التي تنتظر فرصة جديدة لتقتات عليها. لذلك، فالهدم وحده ليس انتصاراً، ما لم يتبعه بناءٌ راسخٌ يعيد التوازن، ويمنح لكل ذي حقٍ حقه. وكما أن السلاح قد يسكت صوت الفتنة مؤقتاً، فإنه لا يستطيع اقتلاع جذورها إن لم تُجتث معها أسباب الظلم، وإن لم يُسدَّ فراغ العدالة الذي تتسلل منه الفوضى.
المسألة أعمق من مجرد استرداد المدن ورسم الحدود، إنها استعادة الإنسان، وانتشاله من الأنقاض التي شوهت وعيه وأربكت انتماءه. إنها لحظة إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن تشظيات الأيديولوجيا وضجيج الانقسامات، لحظة يُكرَّس فيها سلطة القانون ليعلو فوق همجية السلاح، الانتصار لن يكتمل إلا حين ينعكس في نفوس الأفراد قبل أن يُسجَّل على خرائط الأرض. ومهما بلغت عظمتها، تظل لحظية ما لم تتبعها انتصارات أكثر عمقاً على جبهات الفكر، والاقتصاد، والسياسة. فالحروب قد تهزم الجيوش، لكنها لا تهزم الأفكار، ولا تمحو جذور الصراعات إن لم تُجتث بأدوات أكثر حكمة ورسوخاً. تكتمل الفرحة حين حين يتحول النصر من مجرّد تفوّق عسكري إلى نهضة شاملة، تعيد صياغة الوعي الوطني، وتمنح الشعوب أسباباً حقيقية للسلام والاستقرار. وتنتقل المعركة من ميادين السلاح إلى ساحات الأفكار التي تنبذ الكراهية، وتقتلع جذورها من العقول، وتكسر الدوائر المغلقة التي تعيد إنتاج العنف بأشكال جديدة. إنها لحظة فارقة، يُختبر فيها وعي الأمة وقدرتها على تجاوز الانقسامات، وردم الفجوات، وترميم النسيج الوطني بعيداً عن ثارات الماضي. فإعادة بناء الأوطان لا تُنجز عبر ركام الحروب، بل على أسس العدل والتنمية، لا يكون السلام حقيقياً إلا إذا كان مستداماً، ولا تكون الدولة منيعة إلا إذا كانت عادلة. فالقوة وحدها قد تفرض الاستقرار، لكنها تظل هشّةً إن لم تسندها عدالة حقيقية تحفظ الحقوق وتصون الكرامة. حتى لا تجد الحرب ما تقتات عليه وتعيد انتاج نفسها. فالحروب لا تندلع من فراغ، بل تولد من رحم الظلم، وتتغذّى على الإقصاء والتهميش، وتنمو في بيئة يغيب فيها العدل ويسود فيها الفساد.
abudafair@hotmail.com