هل يسقط بايدن في فخ نتنياهو؟
تاريخ النشر: 8th, January 2024 GMT
بقلم: اللواء د. شوقي صلاح
– هناك قاعدة يتلخص مضمونها في أنه: إذا أردت تغيير اتجاه قائد ما.. لتدفعه باتخاذ قرار سياسي مغاير لموقفه الأصلي في مسألة جوهرية.. فعليك ألا تطرح المبررات مباشرة عليه، بل اتخذ ما من شأنه التأثير على مستشاريه الثقات وبأي وسيلة.. لإخضاعهم للقيام بإقناعه بأن الاتجاه العكسي هو الأصوب؛ والذي به تتحقق المصالح العليا لدولته، والأهم أن يتم إقناع هذا القائد بأن مصالحه الشخصية لا تتحقق إلا بالتحرك في الاتجاه المعاكس.
. وربما هكذا زين عملاء إسرائيل في الإدارة الأمريكية للرئيس بايدن أن اتساع نطاق الحرب بالشرق الأوسط يحمل معه الكثير من المكاسب السياسية، التي هو في أشد الحاجة إليها.. ومن هذا المنطلق يبدو أن نتنياهو سينجح في ترويض قادة البيت الأبيض.. !!!
– وإذا كانت معطيات الموقف الأمريكي من حرب إسرائيل على غزة تشير إلى رغبة واشنطن في عدم اتساع دائرة الحرب بدخول أطراف جدد.. مما تضطر مع القوات الأمريكية بالتدخل، وهو موقف حكيم لعدم استنزاف واشنطن استنزافًا قد يؤدى لخسارتها خسائر جسيمة في ميادين صراعات أخرى.. بينما نتنياهو يرى منذ بداية الحرب أنه أمام معضلة عملية؛ فهو يريد اتباع استراتيجية حرب طويلة الأمد، رغم ما يترتب على هذا من نتائج كارثية على الاقتصاد من ناحية، بجانب الخسائر البشرية في جيشه وهي الأخطر، من ناحية أخرى.
– هذا، ولعل مؤشرات الموقف الراهن تأخذنا إلى أن واشنطن غالبًا غيرت استراتيجيتها المتمثلة في عدم رغبتها في توسيع نطاق الصراع؛ خاصة بعد مجموعة من أعمال الاغتيالات لقادة المقاومة، كان أهمها تصفية صالح العاروري القيادي الكبير في حماس وقادة آخرون كانوا برفقته في الضاحية الجنوبية بلبنان – وغير متصور أن إسرائيل اتخذت هذا القرار دون ضوء أخضر من واشنطن- وأعقب العملية قيام حزب الله باستهداف إسرائيل بحوالي ستين صاروخًا مستهدفًا بها منشآت عسكرية إسرائيلية بالغة الحساسية في الشمال الإسرائيلي.. مما يهدد بحرب شاملة، خاصة وقد نُفذت عمليتا تفجير في إيران بالقرب من ضريح قاسم سليماني، واتهمت فيها طهران واشنطن، رغم نفي الأخيرة ضلوعها في هذا الشأن.
– والسؤال الذي غالبًا ما يطرحه القارئ في هذا السياق: لماذا تفترض بأن واشنطن غيرت اتجاهها وبات الأمر مرجحًا أن تخوض مع إسرائيل حربًا شاملة ومفتوحة ضد إيران وأذرعها بالمنطقة؟
ولعل إجابتي – بجانب المؤشرات السابق ذكرها- أن الرئيس بايدن قد يراهن على تحقيق انتصار حاسم على ألد أعداء إسرائيل في المنطقة، وبهذا تراوده أحلام الانتصار في السباق الرئاسي المقبل، خاصة أن شعبيته تبدو متدنية ولا توفر له سياساته الحالية بشأن صراع الشرق الأوسط من ناحية، والصراع الروسي الأوكراني من ناحية أخرى أي مؤشرات نحو حسم الانتخابات لصالحه.. فهو يحتاج لانتصار واضح ومكاسب ميدانية يتغير بها موقفه السياسي بشكل إيجابي.. ونرى أن هذه المغامرة هي مقامرة غالبا ستجعل أمد الصراع يمتد لأمد بعيد، وستُستنزَف فيه الولايات المتحدة وإسرائيل معا، ولن تجد واشنطن الدعم المأمول من أوروبا.
– هذا ومن المفترض أن روسيا والصين قد وفرا الدعم العسكري لإيران بالقدر الكافي للصمود أمام القدرات العسكرية الأمريكية واستنزافها.. ومن المؤكد أن استخدام واشنطن لقدراتها النووية سيكون له حسابات أخرى مع القوى العظمى، فهل يشهد العالم مرحلة من الفوضى الهدمة واسعة النطاق..؟؟؟.
فصل جديد من فصول توظيف الإرهاب..
أحد مشاهد تفجيري كرمان الإرهابيين بإيران
– تبنى تنظيم “داعش” الهجوم الإرهابي الذي وقع الخميس الماضي في محافظة كرمان الإيرانية وأسفر عن مقتل العشرات وإصابة المئات من المدنيين بالقرب من ضريح قاسم سليماني قائد قوات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وصرح «داعش» عبر قنواته على «تلغرام» إن التفجيرين نفذهما انتحاريان يرتديان حزامين ناسفين، وبما أن التفجيريين تما بعمليتين انتحاريتين فإن عناصر داعشية على الأرجح هي من ارتكبت هاتان الجريمتان، ولكن هل كان هذا الجرم بتحريض من دولة معادية لإيران؟
جدير بالذكر أن قاسم سليماني قد قتل في 3 يناير 2020 ومعه آخرين في غارة جوية أمريكية استهدفت مركبهم في محيط مطار بغداد الدولي، وبعد الهجوم صرحت وزارة الدفاع الأمريكية أن الهجوم كان تنفيذا لما أمر به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.. هذا وقد اتهم الرئيس الإيراني إسرائيل بأنها وراء هذا العمل الإرهابي الذي وقع بالقرب من ضريح سليماني وفي ذكرى وفاته.
– ولعل ارتكاب داعش لهذا الجرم يأتي في نطاق توظيف التنظيمات الإرهابية من قبل أجهزة للمخابرات.. وهو ما تابعنا مسبقا العديد من فصوله؛ خاصة في سوريا والعراق ومصر.
ونؤكد في هذا السياق بأن؛ هذا التوظيف يحقق به التنظيم الإرهابي منافع متعددة مع تلك الأجهزة، فهم حقًا مرتزقة، والدين الإسلامي برئ مما يرتكبونه من جرائم، فهذا التنظيم الإرهابي لم تحركه دوافع دينية، فلم يقم بعملية عسكرية واحدة في مواجهة جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد المدنيين في غزة، وهو إن فعل؛ فربما تتغير صورته الذهنية لتتحول في نظر شعوبًا كثيرة إلى كونه تنظيمًا مقاومًا يسعى لتحرير القدس من براثن الاحتلال الإسرائيلي ومنع الاعتداءات الهمجية الإسرائيلية على فلسطين المحتلة وشعبها.. ولعله يحاكي بهذا ما فعله الحوثيون في اليمن، لكنه تحرك فقط وفي هذا التوقيت وهذه الظروف، ضد إيران.. !!!.
اللواء د. شوقي صلاح
خبير أمني وأستاذ القانون بأكاديمية الشرطة المصرية
Tags: اسرائيلالشرق الاوسطبايدننتنياهوالمصدر: جريدة زمان التركية
كلمات دلالية: اسرائيل الشرق الاوسط بايدن نتنياهو من ناحیة فی هذا
إقرأ أيضاً:
تنبؤات انحسار دور واشنطن ومؤشرُ تلاشي القوة الأمريكية في مواجهات اليمن
يمانيون../
هناك تساؤلاتٌ كثيرةٌ عن أسباب تحَرّك الغرب وأمريكا ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في المنطقة العربية؟
حَيثُ عاد التأثير الغربي الخشن الذي كان قد بدا بالانحسار ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945م، ما بعد الحقبة الاستعمارية للمنطقة العربية، والتي انتهت في سبعينيات القرن العشرين. ومع ظهور القطب الواحد الأمريكي بانهيار الاتّحاد السوفياتي، والصخب الذي أحدثه هذا الصعود الأمريكي الانفرادي بهيمنته على القرار العالمي، حَيثُ فجوة القوة التي لم تكن لتسمح لأحد وقتَها بالتفكير باللحاق بها أَو التجرُّؤ على مواجهتها.
لقد ترك هذا الحدثُ منظِّري العالم في حالة من الارتباك الذي قاد إلى فرضيات تحدثت أن هناك توازُنَ قوىً دوليًّا قادمًا ما بعد الحرب العالمية الثانية، حَيثُ لن يكون بإمْكَان أمريكا الانفراد بالهيمنة العالمية، بينما تزعُمُ نظريات الغرب المرتبطة بالتقدم خَاصَّة الواقعية الجديدة أن هذا العالم يقوم على توزان القوى داخل دول المركز الذي يفترض الغرب أن دول الشرق لا تنتمي إليه، وهكذا كان السائد في التفكير الغربي المرتكز أَسَاسًا على العنصرية وإعلاء التميز العِرقي وتوظيف معيار “الحضارة” للحديث عن تحضير الشعوب “المتخلفة” التي كان الشرق الذي ننتمي إليه جزءًا منها.
في البدء كان المبرّر “الأخلاقي” لحضور الإمبريالية المقيتة بفترة الاستعمار – التي شهدها القرن التاسع عشر وإلى منتصف القرن العشرين – هو العمل على تحضير شعوب العالم “المتخلف”، بما فيه منطقتنا العربية، حَيثُ كان التنافس الغربي المحموم على ثروات وخيرات بلدان العالم الثالث هو محرك التنازع الغربي الشرس في تلك البلدان ومنها البلاد العربية والإسلامية.
بدء استخدام القوة الخشنة.. بداية السقوط
مع انتهاء الحرب العالمية وبروز أمريكا كقوة عالمية، تراجع ذلك التنافس الأُورُوبي لصالح الوجود الأمريكي “الناعم” إلى حَــدٍّ ما، بينما ظلت الثنائية القطبية تثبط السلوك الأمريكي المتهور إلى حَــدٍّ ما، وبمُجَـرّد تفكك الاتّحاد السوفياتي وإعلان هزيمته مطلع تسعينيات القرن العشرين تحول السلوك الأمريكي إلى اعتماد القوة الصُّلبة والقوة العسكرية والتأثير الخشن لتعويض حالة الفقد والنزيف الذي تعرض له الاقتصاد الأمريكي منذ قرابة العقدين.
ولتعويض أَو عكس مؤشرات التراجع الأمريكي، كانت واشنطن تنظر إلى أن مشروع غزو واحتلال العراق ضرورة لإعادة هيكلة الهيمنة ضمن مشروع القرن الأمريكي وأنه سيكون من الضرورة أن تلوح أمريكا ما بعد هزيمة السوفيات في الحرب الباردة بالعصا الغليظة، غير أنها كانت العصا التي رفعت بيد أمريكا المرتجفة، حَيثُ كان المشروع هذا لا علاقة له بالأمة الأمريكية التي كانت ضحية لنظريات المؤامرة لمن يقودون أمريكا.
أحداث الـ11 من سبتمبر 2001 بمركز التجارة العالمي في نيويورك كان خير مثال على نظرية المؤامرة للسلطة الحاكمة، لقد عمدت إدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة برئاسة جورج دبليو بوش إلى تكثيف خطابها حول خطورة “تنظيم القاعدة”، وما ساقته من أكاذيب عن حجم إمْكَاناته، وانتشاره، وقدرته على امتلاك أسلحة نووية من الدول المستقلة عن الاتّحاد السوفياتي وإمْكَان استهداف أمريكا بها، وربط ذلك بالعراق وزعم امتلاك ذلك البلد لأسلحة دمار شامل، ومع مرور الوقت بدأت تتكشف حقائق للشارع الأمريكي أن هناك مؤامرة حصلت وأن ما جرى لأبراج التجارة العالمية كان ضمن مخطّط مسبق استُغل لتبرير ممارسة أمريكا القوةَ ضد العرب والمسلمين؛ بحجّـة الدفاع عن السيادة الأمريكية والشعب الأمريكي.
في العام 2001 نشر الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي إيمَـانويل تود كتاب “ما بعد الإمبراطورية” قدم فيه دراسة عن تفكك النظام الأمريكي، حَيثُ تعاني “الإمبراطورية” الأمريكية، بحسب دراسة المؤلف، تصدعًا داخليًّا خطيرًا ينذر بأفولها وزوالها، ولهذا كما يقول: “شنت حروبًا مسرحية على ما سمته الإرهاب في أفغانستان والعراق؛ بقصد التعمية والتمويه على حقيقة ضعفها وقرب انهيار نظامها”.
إيمانويل تود الذي تنبأ بانهيار الإمبراطورية السوفياتية قبل وقوعه، حذر الولايات المتحدة من مصير مشابه، وبين هشاشة نظامها وضعفه، ورأى أن ركودها الاقتصادي المضطرب وتراجع قدراتها الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية، لا يسمحان لها بالسيطرة فعليًّا على “عالم” أصبح شديد الاتساع، وينبئان بانهيار حلمها الإمبراطوري.
ومما قال تود: “سوف تخسر الولايات المتحدة معركتها الأخيرة في الهيمنة على العالم؛ لأَنَّها فقدت قدرتها على السيطرة على محاور العالم الاقتصادية (أُورُوبا، روسيا، اليابان، الصين)، وَإذَا أصرت على أن تثبت قوتها الهائلة، فلن تفلح أكثر من أن تكشف للعالم عن عجزها، وتسرِّع في سقوط إمبراطوريتها”.
على نحو مقارب تساءل عالم الاجتماع والمؤرخ الاقتصادي الأمريكي إيمَـانويل فالرشتاين في كتابه “انحسار القوة الأمريكية” عما إذَا كان نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في طريق الانحسار؟ واعتبر فالرشتاين أن “قلة من الناس تعرف هذا وأن من هذه القلة ممن يصدقون ذلك صقور الإدارة الأمريكية من يعرفون بأن أمريكا في طريق انحسار العظمة، وأنها بحاجة للبحث عن مسار آخر يجنبها هذا المصير”.
في الواقع، إن أحداث غزو العراق وأفغانستان كانت جزءًا من التعتيم الذي فرضه قادة أمريكا لإخفاء جلبة التدحرج الأمريكي من العلو. ستيفن والت أحد أهم منظِّري “الواقعية” كان قد حذر أمريكا أن التحول نحو القوة الصُّلبة يعني أن قادة أمريكا قرّروا التخلي عن الهيمنة والتأثير الأمريكي العالمي الناعم الذي يحفظ وحدَه لأمريكا بقاءَ تأثيرها العالمي، لا اللجوء للقوة الخشنة التي ستقودُها إلى النقيض.
أمريكا تفقد السيطرة
واليوم يكاد عِقال أمريكا أن ينفلت، وقد كشّر الذئب عن أنيابه، فلم تعد القوة والتأثير الناعم هي سياسة واشنطن في التعامل مع الجوار الأمريكي، والجغرافية الوديعة التي تجاور الولايات المتحدة الأمريكية، كندا والمكسيك، والمحيطَينِ الأطلسي والهادي، حَيثُ لا تعني ترامب وطاقمه المعاون، فهناك متغيرات كثيرة تحصل، ربما تغييرات جذرية، في علاقات واشنطن بقارات ودول العالم.
اعتماد واشنطن ممارسات الضغط على الدول والشعور المقابل بالتهديد الأمريكي الصريح وغير المسبوق خَاصَّة ما يتعلق بدول مثل كندا والمكسيك من أمريكا الشمالية، وغرينلاند من أُورُوبا، وبنما من أمريكا الوسطى وكولومبيا والبرازيل من أمريكا الجنوبية، إلى جانب تهديدات لروسيا والصين والهند وجنوب إفريقيا من مجموعة البريكس، ومن قد يلجأ للتعامل بغير الدولار الأمريكي.
أمام هذا التحول الخشن وشبه الخشن في التعامل مع أعداءِ وحتى أصدقاءِ أمريكا، تتصاعد تحذيرات الخبراء والمنظِّرين من أن يؤدي استخدام العقوبات والتعرِفات الجُمركية مبدئيًّا إلى تنفير الحلفاء، واستعجال توتير العالم وتحفيز الدول على إنشاء أنظمة مالية بديلة عن الدولار، وتصعيد الصراعات العالمية وزعزعة استقرار الاقتصاد الأمريكي وردود فعل عنيفة من الشركاء التجاريين. لكن هذا الكلام الذي خرج أخيرًا ليس إلا تأكيدٌ لتحذيرات قديمة يعود بعضها لعقود.
نعود لـ “ستيفن والت” ففي 2011، أشار إلى أن اقتراف العديد من الأخطاء على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية أَدَّت لأن يحلّ “عصر الانحطاط الأمريكي قبل أوانه”، وطالب بأخذ العبر لتفادي الوقوع في المزيد من الأخطاء، مشدّدًا على ضرورة تركيز السياسة الأمريكية على “إعادة التوازن في الأعباء الدولية والتركيز على الضرورات المحلية”.
في العام 2009 نصح والت الولايات المتحدة بعدم التهور في سياساتها تجاه الدول الأُخرى، وحاجتها لممارسة قدرٍ عالٍ من “ضبط النفس” على الصعيد الدولي؛ فذلك يمثّل المدخل والضمانة لاستمرار ريادتها وقيادتها النظام الدولي.
كانت رؤية والت أنّ أخذ الولايات المتحدة بهذه النصيحة سيقود إلى أن تُركِّزَ الدول الأُخرى جهودَها ليس في اتّجاه فتح مواجهة شاملة لتحقيق “التوازن الصُّلب” معها؛ أي موازنتها عسكريًّا، بل التركيز على اتباع وسائل “التوازن الناعم” الذي تؤثر هذه الدول من خلاله في سياسات الولايات المتحدة بالوسائل السياسية والدبلوماسية. وسيؤدي ذلك إلى أن تستعيض هذه الدول عن سباق “التوازن الصُّلب” مع الولايات المتحدة بتحقيق “التوازن الإقليمي” فيما بينها.
وقد لخّص والت رؤيته هذه كالتالي: “إذا كانت الدولة المهيمنة بعيدة جغرافيًّا، تضبط نفسها بطريقة معقولة في الطموحات والسلوك، والمهم أنها لا تحاول “احتلال الآخرين”، فمن المرجح ألّا تواجه أكثر من حالات محدّدة من التوازن الناعم، ومن الممكن أن تجتذب حلفاءَ كُثُرًا يقدّرون ما يمكن الدولة المهيمنة أن تقدمه من حفاظ على النظام، ومن الإسهام بقوتها في معالجة القضايا المهمة لهم.
أفول الهيمنة وانقلاب السياسات
غير أن الحاصل اليوم هو انقلاب على سياسة أمريكا التي دأبت عليها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ فما يحدث سيدفع دول العالم إلى البحث عن التوازنات الصُّلبة مع أمريكا ترامب، حَيثُ تميل الأخيرة للصراخ بعد أن أهدرت أموالًا وثروات طائلة كان الأولى أن تُستثمَرَ في الداخل الأمريكي، ومحاولات إنقاذ أمريكا من أفول حتمي. هذا ما يتناسب مع توجّـهات ترامب حول حلف شمال الأطلسي، والاتّحاد الأُورُوبي، والدعم المالي الأمريكي حول العالم، وإصرار أمريكا على الحصول على الأموال الطائلة مقابل أكذوبة حماية الدول -كما يحصل مع السعوديّة- على وجه التحديد، فأمريكا بحسب التفكير الرأسمالي لترامب ستنصب إنفاقاتها على الضرورات المحلية.
لقد ظهر العجز الأمريكي في السنوات الأخيرة واضحًا وقد حاولت واشنطن أن تداري سوءتها بتجنب المواجهات المباشرة خَاصَّة في البحار، من خلال بعث رسائل الترغيب والترهيب على أمل أن يحفظ ذلك ما بقي من هيبتها. في المنطقة العربية تحديدًا كانت أمريكا تسوّق نفسها كجهة راعية وحامية لدول وأنظمة عربية، وعلى أَسَاس النفط مقابل الأمن، وهيمنة سياسة البترودولار، حَيثُ كان التسويق يرتكز على القدرات العسكرية والتأثير الاقتصادي، لكن هذا لم يعد حاصلًا اليوم، فهناك عدة مؤشرات تؤكّـد حالة الضعف الأمريكي، الأبرز فيها تراجعُ الهيمنة البحرية الغربية ككل مقابل صعود الشرق. في بحار اليمن سقطت عدة فرضيات استمرت هيمنتها لعقود سبعة تقريبًا، أهمها أن الهيمنة البحرية الأمريكية لم تعد كذلك وسقط معها دور حاملات الطائرات الأمريكية. ومعه تراجُعُ القدرات الدفاعية الأمريكية والتي كانت جزءًا من أوراق واشنطن لمساومة دول الخليج تحديدًا.
هذا ما يثير بواعث القلق لدى حكام السعوديّة والإمارات والخليج ككل عن جدوى الاعتماد على الرعاية والحماية الأمريكية، والاعتماد على منظومات دفاعها التي تم تجريبُها، على مدار عام ونيف في المواجهات الأمريكية الأُورُوبية الإسرائيلية مع اليمن المحاصر والمعتدى عليه، حَيثُ أحالت صواريخ اليمن وطائراته المسيرة منظومات دفاع الغرب و”إسرائيل” إلى “التقادم”، هذا يعطي صانع السياسة في المنطقة العربية مؤشرًا على أن القدرة البحرية الغربية قد سقطت في أول اختبار حقيقي، وهذا ينعكس في رد الفعل الطبيعي على سلوك الهيمنة الغربية، حَيثُ يظهر السلوك الجريء في مقاومة المشروع المهيمن بالتدريج، وهو ما يحصل اليوم في تراجع استجابة الفعل السياسي للهيمنة، وقد كان هذا واضحًا بدءًا من السلوك الأُورُوبي الموالي للأمريكان، حَيثُ يفترَضُ أنه من الحتمي أن يكون سلوك القارة العجوز مستقلًا، خَاصَّة وقد بدا السلوك الأمريكي مائلًا للسياسة الخشنة، حَيثُ قدرة الأُورُوبيين اليوم ضعيفة في استخدام القوة والسياسة الناعمة لتحقيق مصالحها مع أمريكا. والحال كذلك مع العرب ودول النفط التي شرعت في انتهاج سياسة جديدة من سماتها الحذر وممارسة سياسات ترتكز على التوزان مع تجنب عدم إثارة نقمة واشنطن إلى حَــدٍّ ما، لكنها سياسة من طبيعتها أنها تقومُ بهذا الظرفِ على مواجهة الانتهازية الأمريكية، ومشاريعها في تهديد أمنها القومي، ومن هنا يمكن تأكيدُ أننا في مرحلة تقييم متغيرات السياسة الدولية ومستقبل القوى العظمي ومستقبل التحالفات الدولية، حَيثُ هناك متغيراتٌ كبيرة ستفرِضُ شكلًا جديدًا في العلاقات الدولية.
تنبُّؤاتٌ سابقة قبل الهزيمة الساحقة
من الجيد التذكير أنه قبل أن تحدث المواجهات البحرية الأمريكية مع اليمن وقواته المسلحة، كان قبطان البحرية الأمريكية المتقاعد، جيري هندرِكس، في مقال نشره بمجلة “الأتلانتيك”، 3 أبريل 2023م، قد خلص إلى أن هناك ما يشير إلى أفول عصر الهيمنة البحرية لبلاده؛ فـ “الولايات المتحدة مُكبَّلة اليوم ماليًّا بالديون، ومُثقلة نفسيًّا بنزاعاتها العسكرية الأخيرة التي تحولت إلى ورطات مُكلِّفة. ولم تعد واشنطن قادرة على تحمل عبء أن تكون قوة قارية وقوة في المحيط في الوقت ذاته. بيد أنها ما يزال بإمْكَانها ممارسة النفوذ، وفي الوقت نفسه تجنُّب التورط في شؤون الدول الأُخرى” بحسب هندركس.
ومما يعمِّقُ التراجعَ الأمريكي أن روسيا -برأي هندركس- بدأت الاستثمارَ في غواصات شديدة التطور تعمل بالطاقة النووية، مدفوعة بنِيَّة امتلاك القدرة على عرقلة الارتباط البحري بين دول الناتو في أُورُوبا وبين أمريكا الشمالية. فيما وسَّعت الصين كلًّا من قدراتها التجارية وبناء السفن البحرية، وضاعفت حجم القوات البحرية لجيش التحرير الشعبي ثلاثة أضعاف، واستثمرت في صواريخ وأجهزة استشعار طويلة المدى قد تسمح لها بـ “تحريم اقتراب السفن التجارية والعسكرية من شواطئها” لأكثر من 1600 كيلومتر.
والأهم أن هناك عنصر “المقاومة” كسلوك مناهض للهيمنة ومصادرة أمن الشعوب يحضر اليوم في المحافل الدولية على نحوٍ لم نشاهده قبل. على مستوى المؤسّسات الدولية والمجتمع الدولي، والشعوب والأنظمة، حَيثُ لا يقتصر حضورُه وتأثيره في المنطقة العربية والعالم الإسلامي؛ فهناك دول كثيرة حول العالم، تتشارك مع عالمنا الفعل المقاوم وأُخرى أُورُوبية أمريكية آسيوية على وشك المشاركة في مقاومة الانتهازية الرأسمالية الليبرالية الإمبريالية، والذي بالتأكيد سيفضي إلى كبح جماح الحالة النازية الترامبية الصهيونية؛ فشرط بقاء الهيمنة الأمريكية اعتمادًا على التأثير الناعم لم يعد موجودًا تقريبًا والمسألة مسألة وقت، وكلما زاد التهور والعنف الأمريكي كلما سرَّع ذلك في انهيار عالم هيمنة القطب.
ابراهيم العنسي| المسيرة