ما نوع التغيير الجذري الذي أؤمن به؟
تاريخ النشر: 7th, January 2024 GMT
سأتوقف مؤقتا عن مواصلة المقالات التي وعدت بها وتتعلق بتجارب الشعوب الأخرى حول انهاء حكم العسكر. سبب التوقف الاضطراري، انه ورغم العديد من الرسائل الذي أشادت بالمقال، الا ان رسالة واحدة اثارت قلقي. الرسالة من صديق عزيز ومناضل صلب، عملنا معا منذ سبعينات القرن الماضي، بل تقاسمنا حجرة السكن في داخليات جامعة الخرطوم.
نعم جنيت، وجن كلكي كمان ولابس عقلانية. والعقلانية مبنية على سلطة العقل. العقل يتبني مقولة جوته الشهيرة: " النظرية رمادية وشجرة الحياة في اخضرار دائم". وهذا هو جوهر الديالكتيك، حيث لا شيء ثابت، والكل في حالة حركة مستمرة. فالعالم يتغير باستمرار، وكذلك الدول، والأحزاب، ووسائل التواصل، ومناهج المعرفة. الحياة تقدم لنا تحديات يومية ومستمرة. والعقل يجتهد ويبحث لتقديم أجوبة لها. وكلما تخطينا عقبات ظهرت أخرى جديدة. هذا المنهج لا يقبل السكون، ولا يقبل القوالب النظرية الجاهزة. ويتبنى التجديد والتجدد باستمرار، لا نهائي.
ما قيمة الكلام أعلاه لحديثي عن التغيير الجذري؟
المقولات أعلاه ترتكز عن لا شيء ثابت. لذلك ما طرح كتغيير جذري في عام 1917، أو بعد الحرب العالمية الثانية. يصبح ذلك ارثا وتجارب يدرس لتحديد جوانب قوتها ونجاحها أو نقاط ضعفها وأسباب فشلها. لك لا يمكن إعادة تطبيقها كاملة وبحذافيرها. في السودان ما كان يطرحه الحزب الشيوعي، عندما كان اسمه الحركة السودانية للتحرر الوطني أو الجبهة المعادية للاستعمار، لا يصلح لظروف ما بعد الاستقلال. ومواثيق المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي الذي انعقد في عام 1967، بكل زخمها، لا يمكن تبنيها بكلياتها اليوم. وقس على ذلك، ليس بمنهج عدمي يلقي كل الماضي بجرة قلم، ولا بمنهج ماضوي ينكفئ على الماضي تماما.
كتب عبد الخالق محجوب، في كتابه أفاق جديدة، الصادر في 1957 (قبل أكثر من نصف قرن)، ما يلي:
" جرت في الفترة الأولي دراسات واسعة وتوجت باستكمال الاشتراكية العلمية التي وضعها ماركس وانجلز. وفي الفترة الثانية التي أعقبت التطور السلمي للرأسمالية وتحولها الى الاحتكار والاستعمار، جرت دراسات قام بها لينين وتوصل الى ان الفترة الجديدة هي عهد الثورة البروليتارية. وفي هذا السبيل استبعد لينين القيم التي وضعها ماركس ولم تعد ملائمة للفترة الجديدة. والفترة الراهنة لا تقل في وزنها عن الفترتين السابقتين. ومن الطبيعي ان تذهب الدراسات والبحوث الى حدود بعيدة لإعادة النظر في معظم القيم الاشتراكية بهدف الاحتفاظ بكل ما هو ملائم منها واستبعاد كل ما أصبح ميتا لا يتمشى مع الظروف الجديدة. "
كتب هذا قبل أكثر من نصف قرن، وحدث بعده ما حدث. انهار الاتحاد السوفيتي، وتشتت دول المعسكر الاشتراكي، وتطورت الثورة العلمية والتكنولوجية، بما لا يقارن بعهد كتابة ذلك النص. بعد كل ذلك هناك من يتمسكون بالقوالب القديمة حرفيا، ويحاولون إعادة عجلة التاريخ للوراء، ويجربون المجرب.
هذا على المستوى النظري. ماذا على المستوى العملي:
شعبنا يواجه قضية إيقاف الحرب ثم مواجهة قضيته المركزية وهي تفكيك النظام الشمولي وبناء نظام ديمقراطي مستدام. وكان هذا هو جوهر كل الاتفاقات والتحالفات والمواثيق، التي تمت، منذ بداية الانقلاب وحتى ثورة ديسمبر. ولايزال هو هدفنا الأساسي لأنه لم ينجز بعد. لذلك الاولوية هي لتفكيك دولة الحزب الواحد وإقامة دولة الوطن. وهو ما يجمع كل أطياف قوى الديمقراطية والوطنية السودانية.
أنجاز هدف إقامة النظام الديمقراطية هو الاولوية القصوى. وبعدها نعمل وسط الجماهير لإقناعها بالتغيير الجذري. وهنا من الضروري التأكيد، وبقوة، ان كل محاولات تطبيق التغيير الجذري من أعلى انتهت الى فشل ذريع. وما نريده ان تقتنع الجماهير بنوع التغيير الذي سنطرحه وبحوار جاد معها ،ثم نعمل جميعا لتحقيقه.
من يريد فرض التغيير الجذري على شعبنا فهو واهم.
siddigelzailaee@gmail.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: التغییر الجذری
إقرأ أيضاً:
الصبيّ الذي رآني
أعتقد أنني كنت أتملص من كتابة الرواية بحيلة ما، لقد بدت الرواية للفتاة التي كنتها في مطلع العشرين عالما محفوفا بالقَداسَة لا يمكن سبره دون تكوين ذاتي ونفسي ومعرفي هائل؛ فالرواياتُ التي ظلتْ مفتونةً بعوالمها العذبة متوشّحة بالسحر والدهشة العالية وهي لم تكن ساحرة بل مجرد فتاة تطالع كتبا في بيئة اعتاد أفرادها أن تنتهي صلتهم بالكتب بمجرد فراغهم من المدرسة، فلم يكن الكتاب سوى فعلٍ ذي صلة بالدراسة فحسب. لكنها رغم جلافة تلك البيئة ومن أحاط بها في -حيّزها العائلي- ظلت تمضي كالمسرنمة إلى الحكايات المبثوثة في مختلف المجلات والكتب القصصية التي تصادفها، وتلوذ بظلها في شهور الصيف الملتهبة.
في البدء كانت الروايات باعثًا للتحايل على النهارات الرتيبة حين لا يستعرض التلفزيون -وهو وسيلة الترفيه الوحيدة في ذلك الوقت- ما يُشغل أوقاتنا.
أثار سلوكها القرائي هواجس من حولها، فحين يرونها مُقبلة على كتاب ما يسألون متعجبين: بعدك ما خلصتي المدرسة؟!
ظللت في حكمهم تلك التلميذة النجيبة التي ما فتأت تطالع كتبها المدرسية رغم نيلها الشهادة الثانوية.
بعد أن استحالت البذرةُ التي انكفأت تَرْويها بشتى المعارف إلى شجرة بجذور متنامية في روحها المطوّقة بأفكار خاصة ورؤى ممتزجة بتلك القصص والحكايات التي تجاوزتها إلى كتابة أول نص شعري لها كان أقرب إلى خواطر المراهقين. تكاثفت محاولاتها المربكة حتى تيقنت مع الوقت أن كتابة الشعر لا تستهويها كثيرا رغم أن بعض نصوصها التي بعثتها لصحف محلية انتخبت لترجمتها إلى لغات لا تتكلمها كالبرتغالية والإسبانية. ولم يمنعها ذلك من هجر الشعر أو هكذا خيّل لها؛ وكيف يمكن للكاتب أن يهجر جوهر اللغة.
جرفها خيالها المتدفق نحو حكايات مضمخة بشخوص مقيّدة في رأسها الصغير تود لو أن لها أجنحة كي تفضي إلى سماواتها طليقة. شخوص باتت مع الوقت تكلمها. تُنصت لرغباتها وتحزن على ما نالها من أعطاب روحية وأخرى تضحك على نكاتها وتداعب أحلامهم الموصولة بأحلامها الشخصية.
سرعان ما رأتها تنفلت رويدا رويدا من قاعها المزدحم إلى جمل ومفردات مُستغرِقة في محاولة فهمها وهي تمنح جزءًا بسيطا فحسب من تفاصيلها المُعبَأة. لتتحزّم على هيئة أول نص قصصي لها. تليها قصص أخرى، جلّها مطعّمة بالشعر.
كبرت وكبرت شخصياتها معها. وما عادت لصيق روحها وحدها بل رأتهم ينسلون من ضلعها إلى ضلوع الآخرين. وجدتهم يستفيضون بأسرارهم دون أن يحبطهم هاجس ما. رغم هلعها كأم رؤوم عليهم من لمسة عابرة تخذلهم. ورغم تحذيرها لهم من جلافة العالم وخلوّه من الحنيّة. لكنهم مَضَوْا كبالغين إلى مضمار الوجود.
تذكر أول انطباع مسّ كلماتِها حين دفعتْ بإحدى قصصها الطويلة إلى أول ملتقى ثقافي في حياتها الأدبية في ولاية خَصَب في بلدها عُمان حيث صادفت أقرانا مختلفين عنها، فهي تسكن خارج خارطة الوطن في دولة الإمارات.
كغريبة بدا لها الملتقى عالما مكتضا بالمتناقضات وبلجان تحكيم خبراتهم غضّة ترقوا إلى مرتبة نقاد بطبيعة الحال، «فكتّاب القصة في عمان بلا آباء» وفق تعبير البليغ للكاتب والروائي محمد اليحيائي. وهي كبقية المتقدمين في ضبابية الخطوات الأولى تسير نحو أسرار الكتابة البكر وغاياتها.
وحين ارتقت المنصة لتضيء نصها القصصي بصوتها المتهيّب كبقية زملائها الذين تعرفت عليهم خلال أيام الملتقى الممتد لسبعة أيام، فوجئت بنبرة أحدهم في لجنة التحكيم يَقْلب أوراق قصتها بين يديه مستنكرا: «انتي مقدمة قصة قصيرة ولا رواية، معقولة قصة من عشرين صفحة؟ معقبا قوله: ليلى روحي اكتبي رواية.. انتي مشروع روائية».
بدا حكمه وفق إدراكها جَلِفا وهي تلكمه في ذاتها لاستسهاله خوض أيّ كان لكتابة رواية! بل خطر ببالها لو كان ماركيز بجلال قدره طلب منها كتابة رواية في ذلك الوقت لأبت؛ لقناعتها بأنها ما تزال أرضًا بكر لم ترتوِ بعدُ جيّدًا كي تفضّ قداسة الروايات!
ظلت تراوح بين بقية أجناس الكتابة الأخرى كالقصة بأنماطها المتباينة القصيرة منها والأقصوصة والومضة وكتابة رسائل سردية ومقالات بأنواعها وأدب أطفال ويوميات دون أن تدنو ولو قليلا من الرواية إلا حين أدركت أنها قطعت مرحلة النضج التي تعوزها لتعبر حدودها. لملمت ذاتها ككاتبة تخوض تجربة مربكة دون أن يفوتها استنساخ طقوس كتابها الأحبّ كمحاولة طريفة لتبدو كالروائيين. تذكر أنها جلست حينها كما كان يفعل كاتبها المفضل ساراماغو حين سئل عن طقوسه في كتابة الرواية، فأجاب متهكما كعادته: أن تجلس فتكتب فحسب.
انهمكت في مواجهة حاسوبها والخوف يرابط حول أفكارها المتلاطمة، رغم ذلك تجاوزت هواجسها ومضت كلماتها بسلاسة في الفصل الأول. لكن اندفاعها خبا في الفصول المتلاحقة. ظلت لليال عديدة تحاول جذب خيوط الأحداث ومداعبة الشخصيات في محاولة منها لاستنهاضها نحو غاياتها. لكن بلا جدوى.
هناك حكايات تستدعيها بقوة وتخذلك؛ فهي ليست لك وأنت لست راويها وهناك حكايات تأتيك مطواعة، هي وحدها حكايتك وما عليك سوى أن تمنحها الأمان وقليلا من الإنصات لتتخلق وتمنحك عالما خلابا. في يوم بدا رتيبا ومألوفا لولا زيارة أختها التي سردت لأمها بقلب وجل عن عصابة أفريقية تموّه أطفالا لتخطف شبابا من أهل البلد. كانت تتنصت للحكاية بفضول يليق بكاتب يبحث عن مادة خام ليشكلها، لا تدري ماذا حل بكيانها بعدها؟
ففي الليلة ذاتها سحبتها قوة ما وأجلستها رغما عنها أمام حاسوبها في مواجهة ملف وورد جديد وصوت صبي أفريقي انبثق لا تدري من أين.. يرجوها بحسٍّ معبأ بالأسى قائلا: أرجوك اكتبي حكايتي... أرجوك.. أرجوك...
ظل يرجوها حتى انصاعت كالممسوس ليملي عليها حكايته بينما أصابعها تندفع نحو كلمات متلاحقة تتخلق على صفحة الوورد البيضاء حتى نمت إلى عالم مكتظ ومكتمل في روايتها الأولى «دفاتر فارهو».
ليلى عبدالله قاصة وروائية عمانية
قدمت الورقة في مهرجان القرين الثقافي في دولة الكويت الشهر الجاري في ندوة حملت عنوان: شهادة إبداعية في الرواية والنقد من يحتاج الآخر؟