بعد ثلاثة عقود من التعامل مع أفريقيا باعتبارها مجرد ساحة ثانوية، تعمل الولايات المتحدة على تعديل استراتيجيتها لاستعادة النفوذ الذي خسرته أمام أكبر منافسيها وهما الصين وروسيا.

ذلك ما خلص إليه رونان وردزورث في تحليل بمركز "جيوبوليتيكال فيوتشرز" الأمريكي (Geopolitical Futures) ترجمه "الخليج الجديد"، مضيفا أنه "تم تفصيل النهج الجديد في تقرير صدر في أغسطس  (آب) 2022 بعنوان "الولايات المتحدة.

. استراتيجية تجاه أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى".

وأوضح أن الاستراتيجية "وصفت خططا لسياسة أكثر واقعية تجاه أفريقيا ومشاركة أكبر في مجالات الأمن والاقتصاد. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، استضاف الرئيس الأمريكي جو بايدن قادة ومسؤولين كبار من 49 دولة أفريقية في واشنطن".

وأضاف أنه "بعد أن أدت الموجة الأولى من إنهاء الاستعمار إلى طرد القوى الأوروبية من أفريقيا من منتصف الخمسينيات حتى أوائل الستينيات، ألقت المنافسة العالمية بين قوتين عظميين جديدتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بظلالها على القارة".

و"لاحتواء النفوذ السوفيتي والأيديولوجية الشيوعية، شكلت الولايات المتحدة شراكات وقدمت مساعدات مالية وأمنية للحكومات الأفريقية الصديقة والمجموعات المعارضة للأنظمة الموالية للسوفييت"، كما زاد وردزورث.

وتابع: "عندما انتهت الحرب الباردة (1947-1991)، تراجعت أفريقيا إلى أسفل قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية".

اقرأ أيضاً

بالأمن والاقتصاد.. فاجنر تسيطر على أفريقيا الوسطى وولاؤها لروسيا وليس بريجوزين

استثمار وأسلحة

و"في هذا الفراغ دخلت روسيا والصين، إذ عرض الصينيون (على الأفارقة) الاستثمار، فيما عرض الروس  الأسلحة"، وفقا لوردزورث.

وأوضح أنه "عبر مجموعة فاجنر المرتزقة، انتشرت القوات الروسية في منطقة الساحل وما حولها، في مالي وبوركينا فاسو وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والسودان، وتحصنت في البنية التحتية للأمن الوطني".

وأضاف أن "الجهود التي قادها الغرب لعزل روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، دفعت موسكو إلى تكريس المزيد من الاهتمام والموارد لأفريقيا".

وتبرر روسيا حربها المستمرة في أوكرانيا بأن خطط جارتها، المدعومة من الغرب، للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بقيادة الولايات المتحدة، تمثل تهديدا للأمن القومي الروسي.

وشدد ردزورث  على أن "الحكومات (الأفريقية) الصديقة تساعد روسيا على مقاومة الضغوط السياسية الدولية والتهرب من العقوبات، وتهديد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا بالهجرة الجماعية (غير النظامية) وانعدام أمن الطاقة. وكان من الواضح أن الولايات المتحدة بحاجة  ماسة إلى استراتيجية جديدة".

اقرأ أيضاً

فرنسا تعلن استئناف أنشطتها العسكرية بوسط أفريقيا: انقلاب الجابون مختلف عن النيجر

تجارة ودبلوماسية

"تم تحديد التغيير الرئيسي الأول خلال القمة الأمريكية الأفريقية في عام 2022، وهو التزام الولايات المتحدة باستثمار 55 مليار دولار في القارة على مدى السنوات الثلاث التالية"، كما لفت وردزورث.

وتابع: "وفي العام الأول، وقَّعت الولايات المتحدة وأفريقيا مئات الصفقات بقيمة لا تقل عن 14.2 مليار دولار، وشملت الاستثمارات الأمريكية مشاريع البنية التحتية الصغيرة والتنمية الصناعية المحلية ومشاريع الطاقة الخضراء. كما أنشأت واشنطن مبادرة "ازدهار أفريقيا"، وهي تربط بين الشركات الأمريكية والأفريقية لتسهيل التجارة والاستثمار".

وأفاد بأنه "من الأمثلة القوية على تحول سياسة الولايات المتحدة ما حدث في جنوب أفريقيا، حيث تتطلع الولايات المتحدة، بدعم من الاتحاد الأوروبي، إلى مواجهة الهيمنة الصينية في قطاع المعادن الحيوي".

وزاد بأنه "لأكثر من عقد من الزمن، وبأقل قدر من المنافسة، ظلت بكين تستفيد من حقوق التعدين الأفريقية وتضخ الأموال في البنية التحتية الأفريقية. ولكن الآن تحاول الولايات المتحدة اللحق بالركب".

و"إلى جانب التجارة والاستثمار، سافر مسؤولو إدارة بايدن بشكل متكرر إلى أفريقيا، فمثلا زارت نائبة الرئيس كامالا هاريس غانا وتنزانيا وزامبيا، وذهبت السيدة الأولى جيل بايدن إلى ناميبيا وكينيا"، كما أشار ردزورث.

وتابع: "والتقى وزير الخارجية أنتوني بلينكن بمسؤولين في جنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا في غسطس/ آب (الماضي)، وزار وزير الدفاع لويد أوستن جيبوتي وكينيا وأنجولا في سبتمبر/أيلول".

اقرأ أيضاً

قمة أمريكية للقادة الأفارقة.. الصين وروسيا في الأفق والقارة السمراء تجني الثمار

خدمات أمنية

ردزورث قال إن "إدارة العلاقات الأمنية شكلت اختبارا أصعب، لكن البراجماتية الجديدة لواشنطن ظهرت هنا أيضا".

وأردف أنه "عندما تعرضت النيجر لانقلاب عسكري (يوليو/ تموز الماضي)، قاومت الولايات المتحدة الضغوط من حلفائها، وخاصة فرنسا، لإدانة تصرفات المجلس العسكري الجديد (...) وما حدث مثَّل انتكاسة أخرى لباريس".

وأضاف أن هذا "الحذر (الأمريكي) أتى بثماره، إذ تم إغلاق القواعد العسكرية الفرنسية في البلاد وطرد القوات الفرنسية، بينما بقيت القوات الأمريكية في قاعدة أمريكية للطائرات بدون طيار".

و"في جمهورية أفريقيا الوسطى، وعبر فاجنر، ربطت المؤسسة الأمنية الروسية نفسها بإحكام بنظام الرئيس فوستين آركانج تواديرا، وتمارس سيطرة كبيرة على اقتصاد البلاد"، كما تابع ردزورث.

واستدرك: "لكن، من الواضح أن الحكومة في بانجي لم تغلق الباب في وجه الولايات المتحدة، إذ يُقال إنها تجري مناقشات مع شركة "بانكروفت" الأمريكية الخاصة للخدمات الأمنية بشأن إنشاء قاعدة عسكرية وتدريب قوات أفريقيا الوسطى وحماية مواقع التعدين وتوفير الأمن ضد الجماعات المسلحة. والعديد من هذه المهام تقوم بها فاجنر حاليا، مما يجعل الصفقة المحتملة تحديا مباشرا لنفوذ موسكو في بانجي".

وخلص إلى أنه "بعد سنوات عديدة من العزلة، بدأت الولايات المتحدة تجعل أفريقيا أولوية مرة أخرى، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى مناورات الصين للسيطرة على المعادن الاستراتيجية في القارة".

وكذلك إلى "محاولات روسيا لتحل محل الدول الغربية كمقدم للأمن والتحايل على العقوبات الغربية. وبالفعل، بدأت الاستراتيجية الأمريكية الأكثر واقعية تؤتي ثمارها، ولكن من غير الواضح مدى نجاحها على المدى الطويل، وفقا ردزورث.

اقرأ أيضاً

العملاق الصيني في أفريقيا.. من السيطرة الاقتصادية للنفوذ السياسي والعسكري

المصدر | رونان وردزورث/ جيوبوليتيكال فيوتشرز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد

المصدر: الخليج الجديد

كلمات دلالية: الولایات المتحدة أفریقیا الوسطى اقرأ أیضا

إقرأ أيضاً:

أخطر تصعيد للحرب التجارية العالمية.. رد قاسٍ من الصين على الرسوم الأمريكية

 

 

 

◄ الصين تعلن عن رسوم جمركية إضافية بنسبة 34%

◄ وزير الخارجية الأمريكي يُشكك في الحديث عن "انهيار الاقتصادات"

◄ أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى تتضرر مجددًا

◄ مباحثات مرتقبة بين مسؤول أوروبي كبير ومسؤولين أمريكيين

◄ أسواق الأسهم في آسيا وأوروبا تنخفض.. وأسهم البنوك تتضرر بشدة

 

 

بكين، واشنطن، بروكسل- رويترز

أعلنت الصين فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 34 بالمئة على السلع الأمريكية اليوم الجمعة في أخطر تصعيد في الحرب التجارية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي أذكت مخاوف من حدوث ركود وأثارت موجة اضطراب في أسواق الأسهم العالمية.

وفي المواجهة بين أكبر اقتصادين في العالم، أعلنت بكين أيضا عن فرض قيود على صادرات بعض المعادن النادرة وقدمت شكوى إلى منظمة التجارة العالمية.

وأدرجت أيضا 11 كيانا على قائمة "الكيانات غير الموثوقة" التي تسمح لبكين باتخاذ إجراءات عقابية ضد الكيانات الأجنبية، بما في ذلك الشركات المرتبطة بمبيعات الأسلحة إلى تايوان التي تتمتع بنظام حكم ديمقراطي، والتي تقول الصين إنها جزء من أراضيها.

وتأهبت دول من كندا إلى الصين للرد في حرب تجارية متصاعدة بعد أن أعلن ترامب زيادة القيود الجمركية إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من قرن هذا الأسبوع، مما أدى إلى انخفاض حاد في الأسواق المالية العالمية.

وقال بنك الاستثمار جيه. بي.مورجان إنه يرى الآن احتمالا بنسبة 60 بالمئة لدخول الاقتصاد العالمي في ركود بنهاية العام، ارتفاعا من 40 بالمئة سابقا.

وانخفضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بشكل حاد اليوم الجمعة، مما يشير إلى المزيد من الخسائر في وول ستريت بعد أن ردت الصين بفرض الرسوم الجمركية بعد يوم من قرار إدارة ترامب وهو ما أدى إلى خسارة 2.4 تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية.

وقال ستيفان إيكولو خبير الأسواق والأسهم في شركة تراديشن في لندن "ردت الصين بقوة على رسوم ترامب الجمركية". وأضاف "هذا أمر بالغ الأهمية، ومن غير المرجح أن ينتهي، ومن هنا جاءت ردود الفعل السلبية في السوق. يخشى المستثمرون من حرب تجارية شعارها ‘العين بالعين’".

وانخفضت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى في تداولات ما قبل الفتح، مع وقوع أسهم شركات مثل أبل وإنفيديا تحت تهديد كبير بسبب ارتباطها بالصين وتايوان لتصنيع منتجاتها.

وفي اليابان، أحد أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، قال رئيس الوزراء شيجيرو إيشيبا إن الرسوم الجمركية خلقت "أزمة وطنية" في حين أدى انخفاض أسهم البنوك اليوم الجمعة إلى تسجيل بورصة طوكيو أسوأ أداء أسبوعي لها منذ سنوات.

وشكك وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اليوم الجمعة في حدوث انهيار اقتصادي، وقال للصحفيين إن الأسواق تتفاعل مع التغيير وستتكيف معه.

وقال في مؤتمر صحفي في بروكسل "اقتصاداتهم لا تنهار. أسواقهم تتفاعل مع تغيير جذري في النظام العالمي فيما يتعلق بالتجارة. الأسواق ستتكيف".

انقسامات وإشارات متباينة

ومع اتجاه الأسهم الأوروبية أيضا لتسجيل أكبر خسارة أسبوعية في ثلاث سنوات، سيتحدث مفوض التجارة بالاتحاد الأوروبي ماروش شفتشوفيتش إلى المسؤولين الأمريكيين.

وقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي "سيرد الاتحاد الأوروبي بطريقة هادئة ومدروسة بعناية، والأهم من ذلك، بطريقة موحدة، بينما نعمل على تحديد مدى ردنا... لن نرد بتهور، نريد أن نعطي المفاوضات كل الفرص للنجاح من أجل التوصل إلى اتفاق عادل لصالح الجانبين".

والاتحاد الأوروبي منقسم بشأن أفضل السبل للرد على الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، بما في ذلك استخدام "أداة مكافحة الإكراه" التي تتيح للاتحاد الرد على الدول الثالثة التي تمارس ضغوطا اقتصادية على أعضاء الاتحاد الأوروبي لتغيير سياساتهم.

وتشمل الدول التي تتوخى الحذر في الرد وبالتالي زيادة المخاطر في المواجهة مع الولايات المتحدة أيرلندا وإيطاليا وبولندا والدول الاسكندنافية. وقاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحملة أمس الخميس بدعوة الشركات إلى تجميد الاستثمار في الولايات المتحدة. وقال ماكرون خلال اجتماع مع ممثلي الصناعة الفرنسية "يجب تعليق الاستثمارات القادمة أو الاستثمارات التي تم الإعلان عنها في الأسابيع الماضية حتى تتضح الأمور مع الولايات المتحدة".

لكن وزير المالية الفرنسي إريك لومبارد حذر في وقت لاحق من اتخاذ تدابير مضادة ردا على الرسوم الجمركية الأمريكية، وقال إن هذا من شأنه أن يؤثر سلبا أيضا على المستهلكين الأوروبيين.

وذكر لومبارد في مقابلة مع قناة (بي.إف.إم تي.في) "نعمل على حزمة من الإجراءات التي يمكن أن تتخطى الرسوم الجمركية، من أجل أن تجلس الولايات المتحدة مرة أخرى على طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق عادل".

وصدرت رسائل متضاربة من البيت الأبيض حول ما إذا كانت الرسوم الجمركية من المفترض أن تكون دائمة أم أنها مجرد أسلوب للحصول على تنازلات إذ قال ترامب إنها "تمنحنا سلطة كبيرة للتفاوض".

وقد ترفع الرسوم الجمركية الأمريكية أسعار جميع السلع على المتسوقين الأمريكيين بدءا من القنب إلى أحذية الجري وحتى هاتف آيفون الذي تنتجه شركة أبل. ووفقا لتوقعات شركة روزنبلات للأوراق المالية، ربما يصل سعر هاتف آيفون عالي الجودة إلى ما يقرب من 2300 دولار إذا حملت أبل التكاليف على المستهلكين.

وسارعت الشركات للتكيف مع الوضع الجديد. وأعلنت شركة ستيلانتس لصناعة السيارات أنها ستسرح مؤقتا عمالها الأمريكيين وستغلق مصانعها في كندا والمكسيك، بينما أعلنت جنرال موتورز أنها ستزيد إنتاجها في الولايات المتحدة.

وترد الصين على الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بنسبة 54 بالمئة على الواردات من ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ويواجه الاتحاد الأوروبي رسوما جمركية بنسبة 20 بالمئة.

وقال إيدي كينيدي رئيس شركة بيسبوك ديسكريشناري فاند مانجمنت في مارلبورو بلندن "ربما تعلم الآخرون دروسا (من ولاية ترامب السابقة)". وأضاف "يردون بقوة قائلين: يمكننا أن نلعب نفس اللعبة التي تمارسونها، ونحن في موقف أقوى للتفاوض".

وأعلن شركاء تجاريون آخرون، منهم اليابان وكوريا الجنوبية والمكسيك والهند، أنهم سيؤجلون أي إجراءات مضادة في الوقت الحالي سعياً للحصول على تنازلات. وقال وزير الخارجية البريطاني إن لندن تعمل على إبرام اتفاق اقتصادي مع الولايات المتحدة.

ويقول ترامب إن الرسوم الجمركية "المضادة" رد على القيود المفروضة على السلع الأمريكية، في حين قال مسؤولون في الإدارة الأمريكية إن الرسوم الجمركية من شأنها أن تخلق فرص عمل في قطاع التصنيع في الداخل وتفتح أسواق التصدير في الخارج، لكنهم حذروا من أن الأمر سيستغرق بعض الوقت لرؤية النتائج.

مقالات مشابهة

  • الصين تتعهد بحماية سيادتها ضد الرسوم الأمريكية
  • الصين ترد على رسوم ترامب الجمركية: لا نخشى الصراع مع أمريكا
  • ترمب: الصين تأثرت بشكل أكبر بكثير من الولايات المتحدة
  • ترامب: الصين تضررت من الرسوم الجمركية بشكل أكبر بكثير من الولايات المتحدة
  • ترامب يهدد الصين بعد فرضها رسومًا جمركية على السلع المستوردة من أمريكا
  • أخطر تصعيد للحرب التجارية العالمية.. رد قاسٍ من الصين على الرسوم الأمريكية
  • الصين ترفع شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الأمريكية
  • الصين تعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 34% على جميع الواردات القادمة من الولايات المتحدة
  • الصين تدعو الولايات المتحدة إلى إلغاء الرسوم الجمركية الجديدة
  • الصين تدعو أمريكا لتصحيح أخطائها وإدارة الخلافات مع الآخرين على أساس المساواة