عزيز أشيبان التمس العشرات من الغرباء الإقامة في بلد بحثا عن اللجوء والاستغاثة، و استعطفوا لقاء أمير البلد من أجل إقناعه. كان عددهم يقارب الثمانين نفرا، بدا من خلال مظهرهم وطريقة كلامهم أنهم أهل حضارة قديمة وعادات ضاربة في الزمن. أعطى الأمير الإذن بمقابلته والاستماع إليهم. تقدم كبيرهم نحو الأمير متحدثا نيابة عن كل من يرافقه.
كان الرجل صاحب فصاحة ولباقة وأدب. تتدفق الكلمات منه بعذوبة وحسن تقدير واتساق تام مع تقاسيم وجهه وحركات يديه. “مولاي، لجأنا إليكم عندما ضقنا بالتفرقة ذراعا و لفظتنا الأقوام والبلاد. نعرف كرمكم وعدلكم وسماحة خلقكم وليس لنا إلا عطفكم لننجو ونحيا كباقي
الناس والأقوام.” ” ولماذا امتنع الجميع عن السماح لكم بالإقامة على أراضيهم؟” “ربما التوجس من الغريب أواختلاف المعتقد ثم إن الكرم لا يأتي إلا من أهله.” ” ولماذا اخترتم أرضنا وقومنا؟” ” في أرضكم تتعايش الديانات والمعتقدات وتعلو قيم العدل والمساواة.” ” كيف لي أن أساعدكم؟” “نريد أن نعيش بينكم وأن نساهم في تنمية بلدكم. نحن قوم صناعة ودرابة وتجارة وعلم. ولنا الكثير مما يمكن تقديمه لبلدكم المضياف.نريد أن نجتمع واهلنا فوق نفس الارض ونضع حدا للعنة التفرقة التي لازمتنا جورا وظلما من أقوام اغتصبوا أرضنا وإرث أجدادنا واجبرونا على التهجير .” “انتم ضيوفنا لمدة ثلاثة أيام. تستريحون من عناء السفر ونوافيكم بقرارنا. ما نقطع أمرا إلا بعد استيفاء الاستشارة. “ “شكرا سيدي. نقدر كرمك ونرجو خيرا بإذن الله.” اجتمع الحاكم بمستشاريه من أجل البت في الموضوع واتخاذ القرار المناسب. تقدم المستشار الأول بالطرح الآتي: ” مولاي، نحن في حاجة ماسة إلى المال لخلق حركية في الأسواق وتحسين ظروف الناس بعد السنوات العجاف من الجفاف والكساد. يمكن أن نستفيد من خبراتهم وأفكارهم في تطوير قدرات البلد وغزو الأسواق في الخارج.” توجه الأمير بنفس السؤال نحو مستشاره الثاني قائلا: “كيف ترى الأمر سيد فياض؟” كان السيد فياض مستشارا صاحب بصيرة وحدس وتقدير وله حظوة لدى الحاكم، تقدم بأدب ورزانة: ” حقيقة سيدي، لست مطمئنا لهؤلاء القوم. فهم يقدمون أنفسهم في ثوب المستضعف وهم ليسوا كذلك. يملكون كل عناصر القوة فلماذا يقع اختيارهم على بلدنا؟ ثمة بلدان ترحب بهم و بأموالهم، لم يقنعني قطعا قولهم.” “هل من تعقيب سيد فواز؟” ” مولاي، بلدنا من أحسن البلدان وكل الشعوب ترغب العيش في ملكوت حكمكم الرشيد. هل نتوجس من كل من يطلب الإقامة بيننا بسبب جاذبية بلدنا وما ينعم به من أمن واستقرار؟” “لا أطمئن لهذا الطرح أبدا، سيد فواز!” “ولم لا؟” “لأنه ينبعث عن حسن نية ومن نوعية رؤيتنا للأمور. أرى أنه من السذاجة والخطأ تأويل نوايا الآخرين من خلال مرآة نوايانا.” بعد الانصات إلى الطرفين، حسم الأمير الأمر ب: “في جميع الأحوال ما عساهم أن يفعلوا؟ نمنحهم الفرصة وإذا أبدوا المكر عاقبناهم و طردناهم. “ “نعم الرأي مولاي.” – – – استقر الغرباء في البلد و انغمسوا في تفاصيل نمط عيش السكان المحليين وحظوا بالكرم والعطف وحسن المعاملة. استأنس الناس وجودهم وعاملوهم بكل تلقائية وارتياح. على نفس المنوال تقرب كبارهم من النخبة الحاكمة ووجدوا الحظوة عند المستشار فواز الذي صار صديقا ومعينا لهم. استثمروا أموالهم وأصبحوا من أهم الفاعلين المؤثرين في الصناعة والتجارة في البلد. بل تعدى زحفهم المستوى المادي وابدوا الفضول العميق في الغوص في كنوز الرأسمال الرمزي للبلد. أعجب الناس بذلك وأثنوا على اهتمام وإطراء الضيوف على موروثهم الحضاري. “ بعد سنتين، وفي اجتماع للأمير مع مستشاريه ووزرائه، جاء سؤال الأمير عن الغرباء كما يلي: “كيف وجدتم سلوك المقيمين الجدد فوق أرضنا إلى حد الآن؟” “هم ليسوا بضيوف سيدي، صاروا منا وتحسنت أمور عديدة بفضل قدومهم وإسهامهم.” “ماذا عن السيد فياض؟” “كل ما قاله السيد فواز صحيح، لكن الأمر يدعو للقلق أكثر منه للارتياح، مولاي.” “هل لك ان توضح أكثر؟” “لا يقتصر همهم على الاستقرار وضمان العيش الكريم كما عبروا عن ذلك عند قدومهم، إذ لا يألون جهدا في التوغل في دواخلنا ويقتربون من المناطق الحساسة في الدولة. أليس هذا النزوع بالأمر المريب؟” استمع الأمير بتمعن إلى جميع المتدخلين وقال: ” هناك موقفين متباينين، ولكل طرح عناصره الموضوعية. أرى أننا نحتاج لمزيد من الوقت حتى يتسنى لنا معرفة حقيقة مايبطنه هؤلاء القوم. وما دام البلد يستفيد من وجودهم فلن نحرم الناس من ذلك إلى أن يثبت العكس.” – – – استمر الوضع على حاله وانكب الغرباء على التوغل أكثر بين الناس ومن الانصهار في محيط صناعة القرار. في مأدبة عشاء على شرف المستشار فواز وبعض الوزراء، احتفى كبير الدخلاء بهم وقال: ” نحس وأننا منكم، نهوى هواء وتراب هذا البلد الذي انتشلنا من الشتات ووهبنا احساس الوطن والانتماء واحتضن مخاوفنا وطموحاتنا.” ” البلد وطنكم وقومنا قومكم وكل ما يصيبنا يصيبكم.” “بكل تأكيد سيدي المستشار. لا نستطيع التعبير عن الامتنان ونطمع في الانصهار أكثر في هذا البلد الجميل. انصهرنا في الاقتصاد والثقافة ونريد المشاركة في السياسة ولو رمزيا. كما نطمع في إقامة معبد لنا من أجل التعبد وإقامة الطقوس كباقي الناس في البلد.” “مطلبكم موضوعي وله دوافعه. أعدكم بالتفكير الجدي في الأمر وطرحه على الأمير.” “أنتم سندنا سيدي المستشار. نقدر ونعتمد على رؤيتكم النيرة للأمور. ما أحوج البلاد والعباد إلى أمثالكم.” “لي كل الشرف.” مع إسهام الغرباء، انتقل البلد إلى تصدير المنتجات إلى البلاد المجاورة وازدهرت التجارة لكن مع التراكم التدريجي للثروة في نادي الغرباء. عم الغلاء و سحق تجار البلد الأصليين وصار الاحتكار سيد الموقف. نجح الغرباء في إسكات صناع القرار بالهدايا والعطايا والشراكة في التجارة والأعمال وعبدوا الطريق أمام وفود من قومهم من أجل القدوم و الاستقرار في البلد. أنشأوا المعابد من أجل أداء الطقوس و استرسلوا في نشر المعتقد بين الناس. تمكن الغرباء أيضا من إحداث الشقاق بين الوزراء وزرع بذور الفتنة بينهم. لم تعد خلية الحكم متماسكة كما كانت بل أصابها الانشطار ووجد الأمير نفسه معزولا وحيدا خصوصا بعد الموت المريب للمستشار فياض. استمر حال البلد في التراجع و التضعضع مقابل تزايد قوة الجسم الدخيل وتكاثر وتمدد أتباعه. نفذ صبر الناس واختار السواد الأعظم منهم التمرد والعصيان والتعجيل بإسقاط الحاكم الذي تعرض لسلسلة من المساومات من طرف كبير الغرباء من أجل التنازل عن الحكم، لكنه رفض بصرامة وقال له: “تحول القدر من قدر صنعناه بأيدينا إلى قدر لا نقوى على دفعه. رحمة الله على المستشار فياض، صدق حدسه وأصاب توقعه.” لم تصمد مقاومته كثيرا ليقتل من طرف شخص من حاشيته وصعد كبير الغرباء إلى الحكم في غياب الند والنظير القادر على إيقاف زحفه الناعم. خرج الحاكم الجديد في الناس مخاطبا: ” ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد …… “ (كاتب مغربي)
المصدر: رأي اليوم
كلمات دلالية:
فی البلد
من أجل
إقرأ أيضاً:
المستشار حنفي جبالي يلتقي مع رئيسة مجلس الشيوخ في أوزبكستان.. صور
في مُستهل مشاركته في أعمال الجمعية العامة ١٥٠ للاتحاد البرلماني الدولي، والمنعقدة في جمهورية أوزبكستان، التقى المستشار الدكتور/ حنفي جبالي رئيس مجلس النواب اليوم الخميس مع تنزيلا نارباييفا رئيسة مجلس الشيوخ في جمهورية أوزبكستان.
استهل المستشار الدكتور حنفي جبالي اللقاء بتقديم التهنئة لرئيسة مجلس الشيوخ الأوزبكي على النجاح في استضافة وتنظيم اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي في دورتها المائة والخمسين، وعلى الصعيد الثنائي، أشاد المستشار الدكتور رئيس مجلس النواب بالزخم الإيجابي الذي تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، في ضوء حرص قيادتي البلدين على تعزيز التعاون والتنسيق المستمر خدمةً لمصالح الشعبين الصديقين.

رئيس النواب: حرب العاشر من رمضان رسالة للأجيال القادمة بضرورة الحفاظ على الوطن

رئيس النواب يحيل تعديلات هيئة الشرطة وقانون الكهرباء للجان النوعية

رئيس النواب: نستلهم من شهدائنا معانيى التضحية والفداء ونستمد من تضحياتهم العزم والإباء

رئيس النواب يدعو إلى تكثيف التعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر وإسبانيا
وبرلمانيًا، أشاد المستشار الدكتور حنفي جبالي بالعلاقات البرلمانية الثنائية المصرية الأوزبكية، والتي تُعد انعكاسًا بارزًا للعلاقات التاريخية الوثيقة والمتميزة، مُبديًا التطلع لتعزيز أنشطة جمعية الصداقة البرلمانية، فضلًا عن تبادل الخبرات التشريعية والتنسيق أمام المحافل البرلمانية الدولية والإقليمية.
من جانبها، أبدت تنزيلا نازباييفا رئيسة مجلس الشيوخ الأوزبكي اعتزازها بالمشاركة البرلمانية المصرية رفيعة المستوى في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي والتي تستضيفها أوزبكستان، مؤكدة أن مصر دولة شقيقة وصديقة، وأن قيادة البلدين لديهما إرادة جادة وصادقة لتعزيز تلك العلاقات الراسخة إلى آفاق أرحب على كافة المستويات، كما أكدت على ضرورة دفع العلاقات البرلمانية المصرية الأوزبكية قُدمًا بما يساهم في تعزيز العلاقات بين البلدين الصديقين.
وكان قد هنأ المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس مجلس النواب، جموع الشعب المصري، والأمة العربية والإسلامية بمناسبة عيد الفطر.
وقال: ونحن نتأهب لوداع شهر عزيز وغالٍ علينا جميعا لنستقبل عيد الفطر المبارك، يسعدنى أن أتقدم باسمكم جميعاً وباسمى بخالص التهنئة لجموع الشعب المصـــرى، وللأمـــة العـــربيـة والإسلاميـــة بهــذه المناسبــة الجليلـة، داعيا الله سبحانه وتعالى أن يعيده على جميع أطياف الشعــب المصرى بالخيـر واليمن والبركات، وأن يعـم المزيد من الرخـــاء والإزدهـار على مصرنا الغالية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى.


