سد النهضة: ماذا بعد إنهاء المسار التفاوضي؟
تاريخ النشر: 5th, January 2024 GMT
يتساءل الجميع الآن، لماذا تم إنهاء المسارات التفاوضية بين مصر وإثيوبيا؛ بشأن سد النهضة، وماذا يعني ذلك بالنسبة للعلاقات الثنائية بين الدولتين، ثم ما هو مستقبل الأمن المائي المصري، وما هي الخيارات المصرية المتاحة لحمايته في هذا التوقيت، ثم هل من فرص لدعم إقليمي ودولي لمصر في هذه الآونة، أم أن العالم مشغول بقضايا الحروب المتعددة، وبات غافلا عن الأمن الإنساني للشعوب، وما يترتب على انعدامه من تصاعد التهديدات الأمنية، خصوصا لدول الاتحاد الأوروبي؟
في تقديرنا، قد يكون إنهاء المسارات التفاوضية بشكل نهائي طبقا لمنطوق بيان وزارة الري، وتصريحات وزير الري من الجانب المصري، ضرورة قد تأخرت عدة سنوات، خصوصا بعد التوصل إلى مسودة اتفاق، لم يكن ينقصها إلا ٢ ٪ من حجم الفجوة مع إثيوبيا؛ للتوقيع عليها في واشنطن في فبراير ٢٠٢٠.
الأمر الثاني المفيد، اكتشاف حجم ونوع المساندة والدعم الاستراتيجي الذي تقدمه دولة الإمارات المتحدة خلال العقد الماضي للشعب المصري، قبل حكومته أو نظامه السياسي، ذلك أن أبو ظبي تتعامل مع هذا الإسناد في الإطار المالي فقط، وتتجاهل عوامل لا تقل أهمية، إن لم تتفوق على الدعم المالي، وهو أن مصالح دول المنطقة العربية لا تتوقف فقط على إرادة أطرافها، أو النظم السياسية فيها، ولكنها معطى جيوسياسي، بمعني أن الأضرار بمصر سوف يضر غيرها في المنطقة بالضرورة، وربما التغول الإيراني على المصالح الخليجية خير شاهد على ما نذهب إليه.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الإمارات قد استضافت مسارا غير معلن للمفاوضات في أبو ظبي على مدى ما يقرب من عامين، تبنت فيه مسودة اتفاق جديدة؛ بشأن سد النهضة، تقل فيه أرقام تصرفات الموارد المائية من سد النهضة في سنوات الجفاف عن الأرقام التي تم التوافق عليها في مسودة واشنطن، كما أتاحت هذه المظلة التفاوضية لإثيوبيا، أن تقوم بملء بحيرة السد مرتين، في إجراء أحادي تحت مظلة هذه المفاوضات التي نتساءل لماذا سمحت الإدارة المصرية، أن تمتد هذه الجولة التفاوضية لهذه المدة الطويلة؟.
أما الفائدة الثانية، فهي انتهاء مرحلة النوايا الحسنة المصرية، إزاء إثيوبيا أي ما كانت الأطراف التي تتبنى هذا المنهج على الصعيد المصري الرسمي (جناح الحمائم )، والذي كان قد دفع وراء عقد اتفاق المبادئ مع إثيوبيا عام ٢٠١٥، وذلك لصالح جناح الصقور الذي لم تتضح مناهجه بعد، خصوصا بعد أن ثبت بالتجربة والخبرة العملية، أن الاستراتيجيات الإثيوبية مؤسسة على السعي لوجود المظلة التفاوضية؛ تجنبا لحالة صراعية معلنة، تتيح لمصر الرد على الأداء الإثيوبي، واكتساب تعاطف إقليمي ودولي بهذا الشأن، وذلك لتنفيذ الخطوات الإجرائية من جانب إثيوبيا، سواء على صعيد بناء السد أو الملء الأحادي، أو حتى التصرفات المائية في مناطق أعالي النيل، كما ظهر أيضا موقف أديس أبابا من مسألتي حالة التصرفات المائية في حالتي الجفاف، والجفاف الممتد، وكذلك تصميم آلية فض المنازعات في حالة الخلاف من حيث، أنها بلا آلية إلزامية ، وتم تصميمها؛ لتكون دائرية وغير قادرة على الوصول لقرار فعلي؛ لحسم أي خلاف. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الأداء الإثيوبي يسعى إلى الربط بين الاتفاق بشأن سد النهضة، وتأسيس اتفاقية جديدة؛ بشأن مياه النيل، تأخذ فيها نصيبا مقننا من مياه النيل، رغم أنه يتساقط عليها ما يزيد عن ١٠٠٠ مليار متر مكعب من المياه سنويا، في مفارقة لا تقرها المواثيق الدولية، فيما يتعلق باستخدام المجاري المائية لغير الأغراض الملاحية.
في هذا السياق، يكون السؤال الأكثر إلحاحا، ماذا تملك مصر لتغيير الواقع الراهن؟ في ظني إنهاء المسارات التفاوضية هو الخطوة الأولى، وهو الموقف الصحيح، خصوصا بعد أن اتضح، أن دوافع الجولة الأخيرة الممتدة لأكثر من أربعة أشهر بناء على رغبة إثيوبية، لم تكن إلا لضمان مظلة المسار التفاوضي، والمأمول منه، إثيوبيا في هذه المرحلة توفر غطاء لسد النهضة الذي أصبح واقعا، ولكن لسدود مستقبلية موجودة في المخططات الإثيوبية، تم الإشارة إليها في بيان الخارجية الإثيوبية، إذ أن المطروح مع هذه النية، ليس ضمان تدفقات مائية من نهر النيل لمصر والسودان من سد النهضة، ولكن تجفيف نهر النيل نهائيا في مساره السوداني المصري.
وبطبيعة الحال، فإن تصميم مناهج الردع على المستوى السياسي لا بد، وأن يأخذ بعين الاعتبار أن مصر منفردة في هذا التوقيت، ذلك أن السودان يبدو منشغلا بحربه الداخلية، وأي تفاعل في إطار سد النهضة، سيكون خاضعا لهذه العوامل التنافسية الداخلية.
وإن كان على النخب السودانية المستقلة راهنا التنوير على الصعيد السوداني، أن خطر سد النهضة على السودان لا يقل عن الحرب الدائرة فيها.
أما على الصعيد العربي، فيبدو أن شواغل نظمه السياسية تتمحور حول من يقود المنطقة، أكثر مما يشغله كيف يقود المنطقة، ويحقق استقرارها، وهي حالة ترتفع فيها روح التنافس على نحو غير مفيد، لا لمصر ولا للمنطقة.
وطبقا لهذه البيئة أمام مصر عدد من المسارات: الأول في تقديرنا، هو خلق حالة من الضغط على المصالح الإقليمية الإثيوبية، خصوصا في البحر الأحمر الذي تتطلع فيه إثيوبيا، أن يكون لها فيه قوات بحرية عسكرية
أما المسار الثاني، فهو خلق حالة نقاشية عالمية في المنتديات العلمية، تعتمد فيها مصر على قدراتها الرسمية، وغير الرسمية، بشأن أمرين: الأول ضرورة تطوير المواثيق الدولية المتعلقة بالمجاري المائية المشتركة في إطار تقليل النزاعات، والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، أما الأمر الثاني، فهو مدى الجدارة الفنية لسد النهضة، ومدى تهديده للأمن الإنساني لملايين البشر، وذلك مع انعدام الدراسات الفنية المستقلة بهذا الشأن، خصوصا وأن السد على فالق الأخدود الإفريقي العظيم، وحالة إزاحة التربة التي تم رصدها من جانب الدكتور هشام العسكري في دراسة مهمة، غير معروف أبعادها على وجه الدقة حتى الآن من حيث الحجم، وحالة الإضرار من عدمه لجسم السد، وهو ما يعني ضرورة استكمال هذه الدراسة، ورصد حجم النشاط الزلازلي في المنطقة، وتأثيره على الجسم الخرساني لسد النهضة.
ومن المطلوب أيضا، فضح حالة العشوائية التي تمارسها إثيوبيا في بناء سد النهضة من حيث، فتح أماكن لتوربينات وإغلاقها، ممارسة تخزين مائي سياسي، بمعنى أنها لا تحتاج في هذه المرحلة، إلا تخزين ١٨ مليار متر مكعب فقط في بحيرة السد، بينما هي خزنت ٤٠ مليار متر مكعب من المياه بلا ضرورة لها، وفي حرمان لمصر والسودان من هذه الموارد.
استحداث آليات لمخاطبة الشعب الإثيوبي على منصات التواصل الاجتماعي باللغة الأمهرية؛ بشأن أضرار عدم التعاون الإقليمي على حالة الاقتصاد الإثيوبي، وقدرة الدولة الإثيوبية على تحقيق تنمية واقعية لشعبها.
أما على المستوى الداخلي المصري، فإنه من المطلوب إعلان إنهاء اتفاقية المبادئ الموقعة في مارس ٢٠١٥، على اعتبار أنها إطار غير مفيد، وكذلك سحب السفير المصري، وذلك لتهدئة الرأي العام المصري، وإرسال رسائل للخارج، أن عليه أن يضطلع بأدوار في هذا الصراع المصري الإثيوبي الذي قد يأخذ أبعادا، لا أحد يحتاج إليها، خصوصا في أوروبا خلال العقد القادم، ذلك أنه إذا كانت الفيضانات القياسية قد لعبت دورا في عدم الجفاف المؤثر على حياة المصريين، وسمحت بملء غير مهدد، فإن هذا الجفاف قادم طبقا لهيدرولجية النيل، وهو ما يخلق هجرات غير مرغوبة من الأراضي المصرية إلى المحيط الأقرب وهو أوروبا.
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: على الصعید سد النهضة فی هذا
إقرأ أيضاً:
خبير يكشف لـ24: لا ملء سادس لسد النهضة.. ومصلحة مصر في تشغيل التوربينات
كشف أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، عباس شراقي، حقيقة تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، التي أعلن فيها افتتاح سد النهضة نهاية العام الجاري، مؤكداً أنها لا تطابق الواقع، وأن إثيوبيا لن تتمكن من تنفيذ الملء السادس خلال فترة الأمطار في الصيف المقبل.
لا ملء سادسوقال شراقي لـ24 إن تصريحات آبي أحمد سياسية وتستهلك في الداخل الإثيوبي فقط، مؤكداً أن صورة حديثة التقطت بالأقمار الصناعية للسد تكشف جانباً مما يجري حوله على أرض الواقع، حيث لم ينقص مخزون بحيرة سد النهضة حتى اليوم، مما يدل على أن تشغيل التوربينات جميعاً يعتمد فقط على مقدار كمية المياه التي تأتي يومياً من بحيرة تانا والتي تقدر عند سد النهضة بحوالي 15 مليون م3 يومياً وهي لا تكفي لتشغيل توربين واحد".
وأكد شراقي أنه لن يكون هناك ملء سادس حيث لا يمكن أن تستوعب بحيرة سد النهضة تخزين أكثر من 60 مليار متر مكعب، وهذه هي السعة القصوى الفعلية، مؤكداً أنه من المتوقع في ظل عدم تشغيل التوربينات بكفاءة أن تضطر إثيوبيا إلى تفريغ نحو 20 مليار متر مكعب على الأقل قبل موسم الأمطار الجديد في يوليو (تموز) المقبل عن طريق فتح بوابات المفيض العلوية، ثم إعادة تخزينها مرة أخرى خلال موسم الأمطار القادم.
وحول التشغيل الفعلي للتوربينات كشف شراقي أنها ما زالت في مرحلة التجارب من حيث التشغيل الضعيف، حيث تم تركيب 6 توربينات فقط من أصل 13 توربين، ويتبقى تركيب 7 توربينات، وربما لم تصل هذه التوربينات إلى موقع السد، وقد يحتاج سد النهضة إلى أكثر من عام لتركيب باقي التوربينات وتشغيلها.
بسبب سد النهضة.. مصر تشكو إثيوبيا في مجلس الأمن - موقع 24وجه وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج بدر عبد العاطي، اليوم الأحد، خطاباً إلى رئيس مجلس الأمن، بعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي عن المرحلة الخامسة من ملء سد النهضة.
وحول تأثير هذه المجريات على دولة المصب مصر، قال شراقي إن مصلحة مصر في تشغيل التوربينات حتى تتدفق المياه إلى مسار نهر النيل وبالتالي يصل إلى كل من دول المصب في مصر والسودان، وكلما تم تأخير عمل التوربينات لن يتدفق الماء بالشكل المطلوب والطبيعي.
وأوضح شراقي أن هناك أمر مباشر بشأن وصول المياه لمصر في موسم الأمطار وهو إجبار إثيوبيا على تصريف ما يقرب من 20 مليار متر مكعب من مياه بحيرة سد النهضة قبل موسم الأمطار المقبل عن طريق فتحات السد حتى تستوعب البحيرة التخزين الجديد عن طريق الأمطار في شهر يوليو (تموز) المقبل.
وأشار شراقي إلى أن التصريح بأن السد يخزن الآن أكثر من 74 مليار متر مكعب من المياه غير صحيح، لأن السد منسوب البحيرة لم يتغير ولم يخزن متر مكعب واحد بعد 5 سبتمبر (أيلول) الماضي (60 مليار م3)، لسببين: أولاً لا توجد أمطار حقيقية بعد انتهاء موسم الأمطار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فمن أين تأتى الزيادة؟ ثانياً: لم يرتفع بناء السد لأنه وصل بالفعل إلى الحد الأعلى في أغسطس (آب) الماضي "640 م مستوى الممر الأوسط".
خاص 24.. هل تؤثر زلازل إثيوبيا على #سد_النهضة؟https://t.co/FAiou50SU7 pic.twitter.com/b8R1zAKuXr
— 24.ae (@20fourMedia) January 4, 2025والتصريح بأن "سد النهضة لا يشكل أي أضرار جسيمة على مصر والسودان، وأنه يهدف لتوليد الطاقة فقط، وليس للإضرار بأي طرف، وأنه لم يؤثر على مخزون السد العالى"، هل حجز 60 مليار م3 على مدار السنوات الخمس الماضية من الايراد المصري لا يشكل ضرر حقيقي؟، واذا لم تشكل ضرر فلماذا تستخدم مصر 22 مليار م3 من إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي الأقل جودة وإنفاق مليارات الجنيهات على المعالجة وترشيد استهلاك مياه السد العالي؟ ولماذا تحديد مساحة الأرز بمليون فدان واحد فقط؟ ولماذا تبطين الترع واحلال بنجر السكر بدلا من قصب السكر؟ ولماذا إنفاق 500 مليار جنيه مصري "10 مليار دولار" على المشروعات المائية لحماية الأمن المائي المصري.